إستعارات جسديَّة (2)

نمر سعدي*
 
ماذا سأكتبُ بعدَ صوتكِ
ذلكَ الصوتِ الذي فتَّحتهُ بيديَّ مثلَ الأقحوانةِ 
أو شمَمتُ ثيابهُ مثلَ النسيمِ؟
كأنني قارورةٌ لهوائهِ ولمائهِ
لندائهِ الكليِّ والعاري على الأشياءِ..
صوتكِ ضٌمَّةُ المطرِ الحزيرانيِّ
أو عبقُ الغيومْ
وتعرُّقٌ لأصابعِ العُشَّاقِ
مكحلةٌ جمعتُ سرابها من أبعدِ الأزهارِ عن نزقي
عصا سحري / ندى ناري
تردُّدٍ موجةٍ في وصفِ نهدَينِ
إحتواءاتُ الطبيعةِ للأنوثةِ
والخريفِ لسيِّداتِ الأرضِ في الشِعرِ القديم
*
لم أكن أعرفُ أنَّكِ جميلةٌ كلَّ هذا الجمالِ
فقط اليومَ عرفتُ ذلكَ بسببِ شجرةِ حزنٍ قلَّمتُ أغصانها
وبسببٍ رسالةٍ يقولُ صاحبها لي فيها: غيِّر موضوعَكَ.. 
رددتُ عليهِ بتحويرٍ شعريٍّ لجميل بثينة
لكلِّ حديثٍ بينهنَّ عذوبةٌ 
وأيُّ حياةٍ غيرهنَّ أريدُ
لو أنَّ صحراءَهنَّ تتبعني إلى آخرِ البحرِ
فأنا وحيدٌ كديكِ الجنِّ الحمصيِّ
وكلُّ امرأةٍ أراها 
هي (وردُ) التي تسكنُ مرآتي 
لا يفصلُ بيننا سوى لوحٍ من ظنونِ الماءِ
*
هل نحلةٌ قلبي وجسمكِ أبعدُ الأزهارِ؟
هل مطريَّةٌ روحي ونثركُ أوَّلُ الصحراءِ؟
أقطفُ عن أصابعكِ الندى المهتاجَ
أرفو معصميكِ بقُبلةٍ
وأُحيطُ خصركِ بالينابيعِ الصغيرةِ والبراعمِ
سيِّدَ الغاوينَ كنتُ ولا أزالُ 
ولستُ أُشبهُ في اعترافاتي
ولا بهوايَ مولانا جلالَ الدينِ
وابنَ الفارضِ المجروحِ بالندمِ السماويِّ..
الغناءُ يقودني في الليلِ أو في الزمهريرِ
كأنَّ حُبَّ الراقصاتِ يشيلُ عن جسدي الأغاني
*
لا علاقةَ للبيتِ بالنجمةِ الحالمةْ
لا علاقةَ للوردِ بالمزهريَّةِ
أو بنسيمِ الترابْ
لا علاقةَ لامرأتي بالسرابْ
لا علاقةَ للذئبِ بالظبيةِ النائمةْ
لا علاقةَ للمُشتهى بالجسَدْ
لا علاقةَ للماءِ بالشجرِ 
(السروُ يولدُ من ظلِّهِ)
لا علاقةَ للقهوةِ العدنيِّةِ 
بامرأةٍ ضيَّعتْ قلبها بينَ وصلٍ وصَدْ
لا علاقةَ لي بالعبارةِ
سيَّانِ رؤيايَ ضاقتْ عليَّ
أو أتسعَّتْ كلماتُ الأبدْ
لا علاقةَ للطيرِ بالنافذةْ
لا علاقةَ لا...
*
لا أقرأُ الشِعرَ القديمَ ولاالحديثَ
وأكتفي بتأمُّلِ الأشياءِ من حولي
أرى بينَ السطورِ قصيدةً رعويَّةً 
تمتدُّ حتى أبعدِ الخلجانِ 
من حجرٍ جليليٍّ عليهِ
نقوشُ مزمورِ الحنينِ إلى الفراغِ..
عناقَ شخصينِ استقالا من هواءِ المستحيلِ
مجرَّةً زرقاءَ في لغتي المضاءةِ بالرمادِ
مسلَّةً ضوئيَّةً
عنقاءَ
كحلاً للضفيرةِ أو لموسيقى المساءِ
يقولُ صوتٌ داخليٌّ فيَّ: 
لا تقرأ سوى عينينِ تائهتينِ
لا تقرأ سوى حزنِ الجمالِ الأُنثويِّ
على الفراغِ أو انطفاءاتِ الظلالِ
*
السعادةُ نسبيَّةٌ كالمحبَّةِ ليست تُباعُ ولا تُشترى
هي ما لا ترى
فيكَ من أنجمٍ في مياهكَ تسبحُ أو في الثرى
السعادةُ نسبيَّةٌ كالمسافةِ بينَ وضوحِ الهوى وسرابِ النزقْ
وبينَ الحياةِ وبينَ القلقْ
هي ليستْ شفاءَ الفتاةِ الجميلةِ من نورسٍ خائفٍ في العنقْ
والسعادةُ ليستْ أصابعَ موشومةً بالحبقْ
وليستْ زواجكَ بامرأةٍ تشتهيها
وليستْ رماديَّةً كغيومِ الخريفِ
وليستْ حياديَّةً كالجمالِ الطفيفِ..
السعادةُ منكَ وفيكَ وضوءٌ خفيفٌ يضيءُ النفقْ
وزهرةُ لوزٍ على فمِ أحلى النساءِ
تضيئكَ من داخلٍ في الظلامِ ولا تحترقْ
*
بحيرةِ طفلٍ يُفكِّرُ كيفَ سيهربُ من غرفةِ الدرسِ
في الغدِ.. كيفَ سيفلتُ من خوفهِ وامتحانِ العلومِ؟ 
أفكِّرُ أو يحلمُ الآنَ شخصٌ غريبٌ هنا بالنيابةِ عني 
بعينينِ مفتوحتينِ على ليلهِ النرجسيِّ..
وتتركُ سيِّدةٌ حلمَها في السريرِ 
وتخرجُ في الليلِ يتبعها ظلُّها بالنيابةِ عني
هنا إمرأةٌ كالحديقةِ تحمي زنابقها بيديها.. هنا
شتاءٌ يغمغمُ: لا..
لا فكاكَ من التبغِ بعدَ هوى الأربعينَ ولا..
لا شفاءَ من الحُبِّ
ماذا أقولُ؟!
بحيرةِ طفلٍ أُفكِّرُ
كيفَ ستملأُ جرحي الأغاني؟
وكيفَ سأقبضُ يوماً 
على ما يُسمَّى هواءَ الحنينِ؟
*
نعانقُ أنفسنا في الرواياتِ
كالنادمينِ على خطأٍ عابرٍ ما اقترفناهُ 
إلَّا لننسى اعترافاتنا وهبوبَ الشمالِ على لوزنا..
لم نقل أننا معدمونَ 
ولم نتكحَّلْ بمرودِ أسمائنا
نشتهي نسوةً لا يقفنَ على نأمةٍ في صباحِ الخريفِ
ولا يتألَّمنَ من وجعِ الانتظارِ
ولا يتأوَّهنَ في ذورةِ الانكسارِ..
نعانقُ أشباهنا في الحياةِ
ونتركُ دمعَ حبيباتنا في ندى القمحِ..
أو في شقوقِ الجدارْ
*
التبغُ موسيقايَ..
موسيقايَ سيِّدةٌ لهذا الليلِ
فاتنةٌ أُعانقها على عجلٍ
وأذهبُ دونَ أن أدري إلى أينَ
النساءُ حدائقي والتبغُ موسيقايَ
ها أنذا أعودُ إليهِ منتشياً كعصفورٍ
أطيرُ على سحابتهِ 
فليسَ التبغُ عندَ سوايَ موسيقى 
وليسَ سفرجلاً وضبابةً في القلبِ عندَ سوايَ
موسيقايَ هذا التبغُ
روحُ النايِ في قلبيِ وسرُّ هوايَ
فاكهتي الأخيرةُ / نزوتي
صلصالُ آدمَ فيَّ 
من فصلِ الشتاءِ إلى الشتاءِ يعودُ
*
سيدلُّني وترٌ على جرحِ الكلامِ 
لأنَّ ما في النصِّ من مائيَّةِ الألفاظِ لا يكفي
لكيْ أنسى الغيابَ
ولا لينكسرَ السرابُ على رذاذِ الضوءِ
قلتُ: لعلَّ في المعنى طباقاً لا يُفسَّرُ 
واكتفيتُ من التباريحِ الصغيرةِ بالإيابِ وبالقصائدِ
قلتُ: أتبعُ ظلَّ هذا الليلِ كالصعلوكِ
وامرأةَ الزنابقِ في المنامِ
وفي معلَّقةِ الغرامِ الجاهليّْ
عيناكِ نرجستانِ نائمتانِ
قلبكِ آخرُ الأصدافِ لو ضيَّعتهُ
سيدُّلني قلبي عليهِ
يدُّلني قلبي عليّْ
*
اليومَ تسألني الجميلةُ إيزميرالدا: كيفَ أنتَ..؟
أنا؟! وحيدٌ وافتقدتكِ منذُ عامينِ.. افتقدتكِ منذُ راحَ الصيفُ
منذُ قصائدي الأولى.. افتقدتكِ واشتعلتُ من الحنانِ 
أو انطفأتُ من الحنينِ إليكِ
يا ليمونةً غجريَّةَ الأغصانِ والأزهارِ
يا زيتونةً عربيَّةً
تحتارُ بينَ صدى أبيها أو رهافةِ أُمِّها
يا إيزميرالدا لا تغيبي بعدَ موتِ أبيكِ عن عينيَّ
يا أحلى صبايا المغربِ العربيِّ
يا ابنةَ أضلعي
لا تذهبي مني ولا تتمنَّعي 
عنِّي...
أُحبُّكِ.. كم أُحبُّكِ..
هل دمائي من دمائكِ؟
هل دموعكِ من بقايا أدمعي؟
*
الشاعرُ سندبادٌ ضالٌّ 
يستعيرُ ثيابهُ من قصائدِ شمسِ التبريزيِّ 
ويدخِّنُ سجائرَ الأرق
يجهلُ الطريقَ التي تُفضي إلى الأسماءِ
وحينَ يسألهُ الآخرونَ: من أنتَ؟
يجيبُ بأنهُ نسيَ إسمهُ في سريرِ إمرأةْ
*
منذُ سنواتٍ طويلةٍ وأنا أركضُ 
وراءَ قصيدةٍ رعويَّةٍ لسركون بولص 
قصيدةٍ تشبهُ كحلَ الوردةِ السوداءِ 
أو غبارَ الفراشةِ الفضيَّ
أقبضُ عليها كمن يقبضُ على طائرٍ ليشمَّهُ
أو على صوتِ امرأةٍ آشوريَّةٍ
مُشبعٍ برائحةِ زيتٍ مقدَّسٍ
وحجارةٍ بطعمِ الحليبِ الجبليِّ
والعسلِ البريِّ
منذُ سنواتٍ والقصيدةُ تنأى عني 
كلَّما طاردتها كولدٍ متشرِّدٍ
وشممتُ فراغها في كلتا يديَّ
*
ثمَّةَ فزَّاعةٌ للمعاني
لا تريدُ الكلامَ ولا الإنصرافَ 
وثمَّةَ أسئلةٌ لا إجابةَ عندي عليها
لعلَّ الخريفَ يؤرِّقنا 
ولعلَّ المسافةَ ما بينَ أرواحنا وخطانا 
ستحملُ عنَّا قصائدنا دونَ قصدٍ وتتسِّعُ اللهفةُ البشريَّةُ
حتى أرى آخري فيَّ ينحازُ للصيفِ 
أو يتمرأى بعينينِ من أُقحوانٍ وبُنْ
كيفَ يصغي الرخامُ لأنَّةِ إحدى النساءِ إذنْ
لا لأنَّ الملالَ يدبُّ بروحينِ تنفصلانِ دبيبَ الجرادِ؟
ولكن لأشياءَ أُخرى إضافيَّةٍ 
كهشاشةِ أُغنيةٍ عن ليالي الحصادِ
وأشياءَ أُخرى ضروريَّةٍ 
كابتسامةٍ سيِّدةٍ في الصباحِ بلا سببٍ
وكطعمِ النعاسِ
فلم يعُدِ الحُبُّ أرجوحةً 
تتدلَّى من السقفِ في غرفةِ النومِ
لم يعُدِ الحُبُّ منفىً ولا وطناً
لم يعدْ سكنَ اثنينِ في جسدٍ واحدٍ 
فهل للأنوثةِ أيضاً خريفٌ
وللاشتهاءِ ذبولٌ جميلْ؟
*
إلى أيِّ نوعٍ من الوردِ والجلَّنارْ
ينتمي فمُكِ المتأوِّهُ؟
لا.. لن أقولَ بأنكِ مثلُ الحديقةِ مقفلةٌ 
ومعي أو بقلبي مفاتيحها كلُّها
لن أقولَ بأني نسيتُ كتابَ القصائدِ 
حينَ تذكَّرتُ نثركِ 
فوقَ الوسادةِ كي يستريحَ 
من الشغفِ الآدميِّ قليلاً
وكيْ لا يغارْ
 
 
* شاعر من فلسطين.