بيض ودجاج

منصف القرطبي*
 
"كان يـمكن أن نكونَ شيئا آخر" م.ق
 
(1)
سرت فـي زقاق حـيّ النهضة، بـجسد لـم يتبق فيه إلا الـرِّيش بعد أن حلّقت الروح بعيدا إلـى عالـم الأحلام الغامض الـمفعم باليقظة والدوران حول النَّفس الأمارة بالسوءِ، والباحثةِ دوما عن الـمجهول الـمحفوف بالـمخاطر الوهـميّة، حاملا فـي يدي اليسـرى كيسا بلاستيكيا ملؤه القمح والذرة، ودجاجة نـحيفة وصَّيت البائع بذبـحها. وباليد اليـمنـى أمسك بـخديـجة؛ ذلك الـحـبُّ الـذي مازال يتعثـر كـطفل!..
أخطو بين جنبات مدينة الزمامرة التـي تتقيأ بين الـحيـن والآخر أحداثا مرصَّعة بالرهبة والكوابيس؛ وأتابع السيـر أحيانا بعجلة كـي أصل إلـى كـوخـي بـحـيّ الضفادع. عرجنا إلـى الرصيف؛ تفاجأت ببيضة تركـض من ورائـي. تقترب بسرعة منِّـي. تتوغَّل تـحت حذائـي؛ تسقطنـي؛ فأنبطح على ظهري كـحمـار يتـمرّغ بين ضيعة فلاحية حرتت لتوها. تألّمت فـي قدمي اليـمنـى؛ وزال ذلك أمام غرابة ما شاهدت: أوّاه لـم تفقس البيضة! لـم تفقس! آه ظلّت كـمـا هـي! فـي حيـن أحسست بانكسار شـيء ما بداخلـي، وبدوخة مصحوبة بنجوم رأيتـها تطيـر قبالة مقدمة رأسـي. خفت؛ فهرولت مـخـلِّفا النقع يتصـاعد!..
 
(2)
حين التفتُّ تفاجـأت بالبيضة قد اختفت؛ بينـمـا دجاجة تنقنق:
قَقَقْقْقْقْقْقْقْقْقْقْقْ وَخَّ عْلِيكْ..قَقَقَقْقْقْققْ وْطْلَكْ ادّْجَـاجَـهْ لْ..."
يا إلـهي، ما ذا حل بـي؟ من البيضة إلـى الدجاجة الـتـي لـم تبارحنـي! أأنا منخرطٌ فـي حـلـمٍ أم فقدت صوابـي داخل حلـم طويل مـمتد غيـر متناهٍ مـملوء بقبيلة دجاج وكلاب وأرصفة أوهام؟
ركضت وركـضت وركـضت. وازداد الـدجاج فـي التكـاثر.
ومع كل خطوة إلـى الأمام تولد دجاجة وديك جديد؛ جيش من الدجاج؛ بل إنَّـهم قبيلة الدجاج تصادرُ حقّي فـي....
رميت القمح لعلنـي أتـخلص من مطاردتـهم اللعينة؛ نَقَبُوه ولـم يتركوا حبّة واحدة. استأنفوا الـجري ورائـي؛ كـانت إحداهـن تصـرخ :
"غْغْغْغْغْغْ قْقْقْقْقْقْ غْغْغْغْ قْقْقْقْقْ وَحْطّْ الفْلُّ..."
صاح ديك:
"قُوقُوعُوووووووووو..خْوَّاااااااافْ..غَنْلُقْطُوووووووووووهْ"
تـرى من يكون؟ من أكـون؟ ومن أنتـم؟
كاد قلبـي أن ينفجر: "تْكْ تْكْ تْكْ تْكْ".
تعثرت ونـهضت تاركـا الكيس البلاستيكي ملقى على الأرض. الأخـيـر، لفظَ دجاجة !
أين اللحم؟ أواه! آه منك يا بائـع الـدجاج! وصيتك بذبـح الدجاجة وغسلها و...لأنّنـي أعانـي من رهاب خطيـر تـجاه الدجاج وأخافه كثيرا !لكن لـمْ تفعل؟
أين خديـجة؟؟ أين الـحُبُّ؟ والْـحَبّْ..؟
لـم تفارقنـي الدجاجة الـمثخنة بالريش؛ لاحقتنـي فـي الزقاق والديك يلاحقها وأنا ألاحق بائع الـدجــاج الذي يلاحق دجاجة لعينة فـرَّت من القفص! 
 
(3)
استيقظت صباحا، واتـجهت إلـى الطبيب كـي أخضع لتحـليل الدم و(ADN)...؛ فأنا أحسُّ برائحة الدجاج تفوح منّـي! من يعلـم؟ فـي زمن.. كهذا؟ لربـمـا أكـون دجاجة ترتدي معطفا وسروال جينز، وقد أكـون إنـسانا تـحوّل إلـى دجاجة-مع تطوّر الزمن- بدل أن يتحوّل إلـى قرد(نكاية فـي داروين)! من يعلـم؟ من يعلـم أصـل أمور غامضةكـهاته؟
 
(4)
قال الطبيب حين رآنـي: 
- من أتـى بـهذه الدجاجة إلى هنا؟ ألا يرى هؤلاء اللافتة؟ أنا لست طبيبا بيطريّا يا أيّـها النّاس! اخرجي اخرج...!
نظرت إليه وصوت دجاجة ينبعث من العالـم الـخـارجـيّ: 
- "غْغْغْ قَقَقْقْقْقْ غْغْغغَ قَقَقَقَقَ"
قال الطبيب: 
- من أتى بـهذ...؟يا سْكْرِتِيرَة؟ ألا تُرِي...الـخروج؟حسنا!
حـمل فردة حذائه اليسرى. رشقنـي بـها على رأسـي؛ فانصرفت خارجا لا ألوي على شيء.
مشيتُ فـي الزقاق بـخطوات متثاقلة. التفتُّ:
"يا ربّـي خـمسة ديوك تتجه إلـيَّ"!
ركضت، ركـضت، وركضت...
وحين اقتـربت من الكوخ الـذي أسكن بين جدرانه الـمتـهالكة؛ رأيتُـنـي أخرج مرتديا معطفا أبيضا. صرخـت ملء صوتـي: وَاكْ وَاكْ أَلْـحَقّْ وَاقْ وَاقْ قْ قْ قْ
 قَقَقَقَقَقَقَ 
قَ
وْ
لْ
بُ
و
نِ
ي!
 
(5)
خبر عاجل:
عقدت قبيلة الـدجـاج اجتـمـاعا طارئا تطرقت فيه إلـى القضية الفلسطينيَّة وثقب الأوزون والـحرب العالـميّة الثالثة التـي ستنطلق قريبا؛ وقد أعرب الأمين-الديك الأمين- عنْ
قَ
قَ
قَ
لَ
قِ
قِ
هِ
!
 
* كاتب من المغرب.