البكاء

سيف الدين العلوي*
 
أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون . )النّجم - 59 -61)
لأّنّا انْحدرْنا من سلالات الحفاوة بالرّحيلِ وبالوجيب
كلّ شيءٍ في الحقيقةِ مَدْعاة بكاءْ:
بدْءًا منْ " قِفَـا نبْكِ" مرورا بـ "لا تهلكْ أسىً 
وتعريجا على "... انعِمْ صباحا أيّها الرّبعُ" 
بُـلوغا لِــ ها "عفتِ الدّيارُ
حتّى عافَها القُطّانُ والضُعّانُ والأجوارُ 
عفت الدّيارُ – والأعمارُ- آهلةً بأهليها
............
مسافةَ فَـرسخ من دهشة أو بعضُ أمتار مُشرعاتٍ 
لازدحام الرّوح في وقت الظّهيرة بالوجلْ
والأرضُ لا تتجشّأ غير المآتم والمآثم والخواءْ 
سيمرّ دهرٌ يابسٌ كالرّوح وهي تذرفُ مجدَها لهبا وطوفانا
ثمّ تعُــوجُ عند الرّسْم تستوي مُعْــوَجّةً عند الطّللْ 
... ... ... 
عند مزدحَمِ الدّماءِ ينتفض الفراغُ
تنقضّ الخرافة فظّةً بمخلبيْن مُشذّبيْن
مغمّسيْن في بِـــرْكةٍ دمويّة  ومُزخرفيْن بـزرْكشهْ
هذي المدائن تقترفُ البذاءة والرّداءة والمُثُلْ 
وصناعةَ القِيمِ النّبيلة في قوالبِ بسكويتٍ فاسدهْ..
الفضيلة في بلادي حلوةٌ مثل شيشٍ* جفّفوهُ 
(لغير موسمه.. ) فدَوّدَ فجأةً
ومثلهُ متكَـمّـشهْ
الحزنُ أثقلُ في غير موسمهِ كذلك والجراحُ مُــــدَوِّدهْ
والرّوحُ شعْــثاءُ منْ جَــعَد الحنين 
ومثل أحلام الرّفاق مُــشوّشهْ
لذا سأطلُّ من بذخ "التّفاؤل" السُّمودْ
على مضيق القادمينَ محمّلين بناعم الإيقاع
والطّعنات ليجدلوا فوق كثبان الخرابِ ومن عراجين المشانق
أرجوحةً لصعودِ ذُرى الخلودْ 
ويُجاهدوا في القَتْلِ حقّ جهاده 
( لمْ نتّفقْ بعدُ أنّ الجِنانَ مشروطة بنِــزاء قطعان الجنون ) 
الْ هنا الآن، يستعِرُ الضجيجُ.. و تقفز الرّوحُ في غير اتّجاهْ
أوّلا ، سأجُسُّ صوت الحُـزْن في الأشياء (أعلّمكَ الإرهاف للألوان إذْ تهذي و للأصوات تفقسُ في الفراغ):
اللّيلُ يهذي في سُفوح الكون، لهُدنة الرّيحِ الطّروبِ
لربّما تغفو فتعفو
عن نَحْتِ الوداعة في دُجاهْ
والنّجومُ محنّطاتُ الضّوْء، تهمسُ للسّكونِ 
أنْ كُفَّ عن شغفٍ رتيبٍ بالجُـثومِ 
على أحلامنا مذعورةً فوق الجِباهْ ْ 
أشمُّ ضوْعَ البهْـجة العذراء تنذر الفانين في الطّين 
من خلف غيْم الغيْبِ مِنْ حُجُب السّماءْ
" أوَ ثــــمَّ في الآفــــاقِ منْـــفــــرَجُ ، والقومُ عُمْيٌ و المَدى رهَجُ؟ ! 
ههنا ( نحن نعني: في البلاد الرّاهنة) البلادُ رهينة قَهْـرِنا الأقسى، الحُزنُ مثل أكياس العصير، مركّـَـــزُ يَحتاجُ محلولَ الدليون كي تُفَكّ خُثارتُه.. والأفراحُ شظايا من الأصوات والأضواء، تشي بأطماع الحالمين بالشّهْد من دُبُر الدّبابير، والرّمادُ تفايضَ خارجَ الأشياءِ والنّيرانِ مُــرنّخا بالبوْل.. والنّار في طور امتهانها المُخزي، وضحكة المتصالحين ( وقد نَجوْا من ثأرنا و تعانقوا) في القنواتِ مطليّة بدناءةٍ ضمنيّة، والحرّيّة السّوداءُ ترفل في بياضٍ ناصع لستُ أفهم كيف ينشقّ عن جسدِ الرّماد، ذلك المبلولِ بالبوْل ، والأفْقُ الحضاريّ يبشّرُ بانحسار حضارة الإنسان عند منعطف اشتهاءْ. تماما مثل ثوب العارضات العاريات، تماما عند أسفل أو أواسط أو أعالي اللّحْم من خللِ الرّداءْ 
(مَنْ يزعمُ أنّ البلاد حزينة " ليس منّا" ،هو لا يفهمُ بالبديهة العجْلى جوهرَ التّغيير الحَداثيّ ، وهو يجهل خدعة النّصر في عصرالهزيمة أو عِفّة الرّوح في مدن البغاءْ) 
لا تحدّثني عن الإيقاع، لا تكترثْ بالنصّ.. لا تجتهدْ في قَنْصِ معنى، لا تشتغلْ بغير ما ملكتْ يمينك، واتّخِذْ من كلّ أمرٍ طللاَ، وانتظر القيامة ناقفًا لدى السَّمُرات حنظلة وذكرى.. لا تخاطبْني، ولا تنظر إليّ، لك منّي التوسّلُ والرّجاءْ
كلّ شيءٍ في الحقيقةِ مَدْعاة رثاءْ.
 
* أديب من تونس.