لقاء لم يتم

محمود الريماوي*
 
كنت قد نجوت بأعجوبة وفزت بالحياة مرة أخرى · وفيما أنا اغالب الاختناق الذي لم يلبث ان تبدّد تدريجياً ·· اكتشفت ان ذلك بحد ذاته مدعاة للانقباضٍ أيضاً ·فقد دفعت ثمناً باهظاً من اجل أن أفوز فقط بما كنت فائزاً به في الأصل ! ·
بعد أن هدأ كل شيء وبقيت حياً ووحيداً (تماما كما من قبل) رأيت فجأة شىئاً يتحرك كشبح ضئيلٍ ، وقد بدا لي ظهوره محتماً كأن الحطام تمخض عنه فاخرجه حيّاً يسعى تصورته في البدء قطاً ثم خلته كلباً ·· فإذا به ذئب· ذئب حقيقي يتهادى فوق الحطام بتؤده وخفة· يرفع رأسه الى السماء ·· يتأهب لقضم غيمة قريبة يثب ، يرفع جذعه وأقدامه الأمامية حتى يلامس ذيله التراب· ثم يترك الغيمة وشأنها ويخفض رأسه ليشمشم ما تحته وما حوله على عجل· ذئب أرضي لا شأن له بالسماء العالية · وهو فوق ذلك ذئب جميل، وعلى شيء من الوداعة· هكذا رأيته في ساعة الهول · لعله نسي أنه ذئب · أو انه تخلى عن ذئبيته في هذا الظرف العصيب الذي ينادينا أن ننكر ذواتنا< · لقد ذهبوا ولم يبق هنالك من يعنيه النداء سوانا : الذئب وأنا · أقدامه الدقيقة تقرقع الحطام وتعبث به بنزق ·· لمجرد العبث· وجسمه يتقافز جذلاً تحت الشمس، حتي يستوي ثانيةً وينساب مختالاً رشيقاً ، كما  ينساب ذئب حاذق بين حشد من الأغنام الغافلة ·
لم أر في الحق ذئباً جميلاً كهذا تحت سماء صافية كهذه · كان الحطام شاملاً ــ لم يتركوا شيئاً إلا وجعلوه حطاماً ــ ولم يكن هناك أثر لبشر : اذن ليس هناك أعداء يقطعون على الذئب طريقه وينغصون عليه حياته · ثمة فقط مشاهد غريبة : شظايا اغصان ، مواسير مياه منفجرة سيارات مقلوبة· أوراق مبعثرة، بيوت خربة طارت ابوابها وشبابيكها أثاث منزلي ملقى في الطرقات ، روائح كريهة تنبعث من هنا خفيفة ومن هناك شديدة ·· وأصداء بشرية أقل خفوتاً من صوت الهواء ·
يمشي الذئب بملء وحدته وسطوته : كل الوقت وكل الامكنة له · يتدرّج كغزال· ينكش الحطام كدجاجة يتثنى كقطة · يقتعد الأرض كبورجوازي مظلوم سرقوا سيارته · يرفع  عقيرته بعواء أبح يشبه غناء أحدنا في الحمام · وكان يكفي ان يراني لكي يصبح هذا الذئب ذئباً وأصير لقمة سائغة له· و·· بالفعل فقد استدار فجأة إذ أدرك بغريزته وحواسه أن مخلوقاً آخر يتحرك ويشاركه المكان · كنت أقف على شرفةٍ ارضية لبقايا بيت يجاور الطريق، استطلع نتائج الهول وأفكر بماذا يتعين عليّ أن افعل · رآني على الفور فاندفع طائراً مذعوراً باتجاهي مخلفاً وراءه عواءه الجريح· أدرت وجهي  عنه في الحال اتقاء لشرِّ داهم ، فاذا هو قد تجاوزني في لمح خاطف ·
التقطت انفاسي حين رأيته يبتعد، ثم يتوقف عند المسافة نفسها التي كانت تفصلني عنه من قبل ولكن في الاتجاه المعاكس وقد لاحظت في تلك الاثناء أنه مَرَّ بي دون ان تتلاقى نظراتنا أبداً · توقف لبرهة· أدار رأسه صوبي في التفاتة سريعة ، ربما ليتأكد مرة أخرى من صحة ما رآه · ثم استأنف مشيه على نحو أسرع قليلاً من قبل· لم يعد يتثنّى ويتمايل ويتهادى لقد رأيته يمشي بتثاقل وضجر رغم سرعته الظاهرة ، لكأنما أصيب بصدمة : فما زال ثمة فساد في الارجاء ، على غير ما تصور في بادئ الأمر· وفيما أخذ يزداد ابتعاداً هبط قلبي وكدت اهتف ·· كدت اصرخ ·· وكدت أعوي بل حاولت ذلك ، ولما لم استطع · هممت أن أعدو وراءه، كنت في حاجة رغم أي شيء رغم أي خطر لأن أراه عن قرب ويراني، لكن نهاية الطريق سرعان ما ابتلعته، ولم أعد أرى حولي سوى الحطام وقد ازداد هولاً ووحشة.
 
1985
 
* أديب وإعلامي من الأردن. ·