الغرفة رقم 84

بويلغمان مراد*
 
صباح غائم. السماء ملبّدة؛ التحفت لون الرماد كأنها تلتحف الحزن. يناير 1990 يشهق بقوة ويقذف ريحه في وجه الذاهبين والآيبين. البرد يجمّد أطراف يدَيْ ثميمونة الملتحفة جلبابها قاصدة فندق السياحة، والرّيح تطوّح أطراف وشاحها الملتف حول عنقها والمدلاة أطرافه فوق صدرها.
تصادف في مدخل باب الفندق وفدا رياضيا يهمّ بالخروج. شدّ نظرها زيهم الموحد؛ فبدت تنقل بؤبؤ عينيها _الغائرتين أسفل حاجبيها العريضين_ بين الواحد والآخر. تحمل ساقيها كما كل يوم صوب الغرفة الملاصقة لكونتوار الاستقبال. تحمل الدلو المدلاة بداخله مساحيق التنظيف والمكنسة وخُرَقِ المسح. كذلك فعلت فريدة.
يخاطبهن رئيس خدم الفندق حازما وصارخا دون سبب يخصّهن: فريدة! الغرف من 70 إلى 80. ثميمونة! الغرف من 80 إلى 90.
- أمرك سيدي. 
ردّتا مزامنة حانيتين رأسيهما لأسفل.
تصعدا الدرج. ثميمونة التحفت الصمت. امتقع لونها. جبهتها تتصبّب عرقا. تحاول أن تبلع ريقها القليل المتبقّي في فمها. تشعر بغصّة ثقيلة تكوّرت في حلقها الجاف. مع كل درجة يثقل زفيرها وشهيقها كما لم يحدث قبل. لقد اجتازت السلّم الأول من الدرج مكتفية بكلمة واحدة متثاقلة كمشيتها ردّا على سؤال فريدة حول أحوالها. عادتها ليست كذلك. ترمقها فريدة بنظرة بطرف العين وتعاود مخاطبتها: ما بك هذا الصباح فاترة يا ثميمونة؟ أيؤلمك شيء؟
- لا، لا شيء يا فريدة، لا شيء. (تصمت لبرهة قبل أن تكمل حديثها) لدي طلب بسيط فقط!
- ومنذ متى نستشير بعضنا؟
- أريد أن أبادلك الغرفة 84 بإحدى غرفك. بادليني وإن استلزم الأمر مبادلتها بأكثر من غرفة.
- ما الذي أسمعه يا ثميمونة، أكلُّ هذه العِشرة وأصبح معك كتاجرة؟ هو الطلب ملبّى لك، لكن لماذا الغرفة 84 بالذات يا ثميمونة! يا ما نظّفتها!
- لا أحتملها فقط يا فريدة، لا أحتملها. 
قالت ذلك وقد صغرت عيناها، وتزمتت أحشاؤها، وحنت رأسها ليتكئ ذقنها على صدرها.
تفارقتا. كل واحدة لتعبها. ثميمونة ما زالت تراوح غرفتها الأولى، بينما فريدة تدلف لغرفتها الثالثة. لم يحدث قبل اليوم _وطوال الستة أشهر التي لازمتا بعضهما أن سبقت فريدة البدينة التي تجرّ أقدامها وراءها ثميمونة الرقيقة كعود، والخفيفة في شقائها كنصل نقّار الخشب. ثميمونة تنهي غرفها بعد ساعة من مغادرة فريدة. تهبط الدرج بخطى متثاقلة. صورة مرورها أمام باب الغرفة 84 زائغة وجهها تسكن ذهنها. مجرد النظر للرقم سيضاعف سرعة نوبات قلبها؛ لذلك أشاحت ببصرها بعيدا ما أن تحسّست اقترابها من الباب ومن الرقم اللعنة. 
في مدخل الحي تشعر ثميمونة بعيون الحسين صاحب الدّكان وهي تتلقفها. تشعر بعينيه تتمشيان وراءها وتلتهمان جسدها. في ذهنها تبصق عليه. تركله لأسفل بطنه. تتخيّله مقتعدا عجيزته وصارخا ملء فمه لفقس خصيتيه. أقدامها تبعج بطنه وصدره ورأسه. تركل فمه وتدميه. تمنّت لو تفعل ذلك، لكن يؤسفها أنها ما زالت ثميمونة التي لا تقدر حتى على أن تخزر فيه بنظرة. سارعت خطاها لتفلت بجسدها من نظراته. دلفت الزقاق الأول _على اليمين_ المؤدي لمنزلها. خفّفت سرعتها إذ أصبح جسدها في غير متناول عيني الذئب. كلّما مرّت قدّامه إلا وتفكّرت _كما الآن_ يوم دلفت دكّانه لتقتني خبزا وصندوقة وقيد؛ يومها خاطبها:
- ليس لزاما أن تدفعي اليوم يا ثميمونة. اعتبريها صدقة.
- عفوا يا "السي" الحسين! لا يخصني شيء. ثم إني آكل ما آتي به بعرق بدني. قالت ذلك وقد انقبضت أساريرها.
- حسنا، اعتبريها هدية إذن يا ثميمونة.  قال ذلك وهو يلامس ظهر كفّها التي تنقده فوق الكونتوار _الفاصل بينهما_ دراهم ما اقتنته.
استلّت يدها بخفة كما يستلّ الخنجر من غمده، وقد سرت في جسدها قشعريرة رعب، كأن جيشا من النمل يتمشّى تحت جلدها. بلعت خوفا صرخة مدويّة. تساقطت الصرخة نحو صدرها محدثة خفقا وألما عنيفين. خرجت مسرعة دون أن تنبس ببنت شفة. لأنها ثميمونة "البدوية" فإنها خافت ما سيقال لو أنها صرخت واجتمع الناس حواليها. قد يجعلون القصة تنقلب عليها. ولأن المرأة مذنبة ولو في كامل صدقها؛ فإنها اختارت الصمت المطبق، ومضت. عند عتبة البيت وجدت ابنها فؤاد _ ذا السبع سنوات_ جالسا ينتحب، واضعا مرفقيه على ركبتيه وكفّيه على جانبي وجهه. تسأله: ما بك؟ من الذي ضربك؟!
ينتحب دون أن يجبها. تشدّه من معصم يده اليمنى وتدخله عنوة للبيت. تجلسه على الحصير واضعة حقيبتها على المنضدة، وتعاود سؤاله: ما الذي أبكاك؟ تحدّث قلت لك!
- أولاد الحي ينعتونني باليتيم. دائما ما يستهزئون بي لأني الوحيد بينهم دون أب. ردّد جمله هذه متقطّعة بالنحيب.
تشعر بالغصة في حلقها تكبر. تجمع ما تبقى من قواها الخائرة. تخاطبه: إن الآباء جميعا سيموتون. كذلك نحن. لا أحد يبقى حيّا. أبوك مات مثلما مات كثير من الآباء قبله، ومثلما سيموت الآباء الأحياء الآن. وحده الله باق يا ابني.
انتحابه قل. يمسح الدمع النازل على خدّيْه بكمِّ سترته. تضمُّه لصدرها. ينتابها شعور بالبكاء. لكن لو بكت سيبكي هو الآخر، وستبكي ابنتها المقرفصة في الزاوية مطبقة على صمتها. قاومت دمعها والغصّة في حلقها تكبر. تريد الصراخ. تصل الصرخة للغصة في الحلق وتعاود سقوطها مدوّية نحو صدرها. لو تصرخ وتبكي وتندب حضّها سترتاح أكثر، هكذا تشعر. لو كانت في خلاءٍ وحيدة لفعلت ذلك، كذلك فكّرت.
- إيمان هل الغذاء جاهز؟
- جاهز. أجابت البنت باقتضاب دون أن تنظر في عيني أمّها.
تشعر الأم بمزاجية إيمان السيّئة مذ قررت مغادرة المدرسة وهي في المستوى الثاني من المرحلة الثانوية الإعدادية. رسبت السنة الفارطة للمرة الثانية ؛ وقررت في سنتها هاته عدم الالتحاق. تفرّغت لأشغال المنزل. أصبح فؤاد ابنها أكثر من كونه أخاها. لقد أصبحت امرأة وأما قبل أن يحين الأوان.
تشعر ثميمونة بعد الغذاء بالتعب وبنعاس يغالبها. لكن تفكيرها في مصاريف الكراء والعيش يؤرق بالها، ويؤجل إطباقة جفنيها. لم يتبقّ في حصّالة مالها كثير. لو تأخر مدير الفندق عن دفع أجر الشهر الذي أوشك الانتهاء فسيصرخ ''الحاج" حسين صاحب المنزل عند عتبة الباب، وسيتلصّص الجيران من الأبواب والنوافذ والشرفات. وفؤاد ابنها، سينتحب من أجل الحذاء الذي وعدته به آخر الشهر الماضي، وسيردّد كما دائما: "لماذا لست مثل أبناء الجيران!".
تطبق جفنيها رغم ثقل ما في بالها. يأخذ النوم بيدها رغم كل ما يجثو على قلبها. " تعب الجسد كذلك يسكر، وما للمسحوقين أمثالنا من جنة في الدنيا سوى النوم"، كذلك كان يقول زوجها. تمدّدت على جنبها الأيمن . التحفت النوم، أو ربما النوم التحفها، سيان.
- قتلوه.. في 84 (1984) قتلوه.
إيمان صامتة. ليس أول مرة تسمع أمّها تهذي في نومها. الذي يحدث لها أو تفكّر فيه تعاود قصّه في نومها، نهاريا كان أم ليلي، وإن كان يبدو كلامها دائما مشوّها ومبتورا.
- في الشارع قتلوه.. في الشارع أعدموه.. اللّعنة على رصاصتهم.. اللّعنة.. اللّعنة.. قتلوه.. قتلوه! كذلك عاودت هذيانها الصادق.
ولأن الصوت بدأ يعلو ويأخذ مأخذ الصراخ، والجسد يتمرغ في مضجعها الأرضي كديك مذبوح لتوِّه؛ نادتها ابنتها: أمّي! أمي! قومي..!
- لقد قتلوه.. في 19 يناير مثل اليوم قتلوه.. قتلوه.. الأنذال قتلوه.. قتلوه لأنه كان يريدنا أن نشبع الخبز.. الخبز فقط. قالت ذلك فاتحة عينيها ومحملقة في وجه ابنتها الواقفة فوق رأسها، لكن عقلها كان ما زال في الحلم. 
 
* كاتب من المغرب/ الناظور.