ذبذبة الأبدية

سيف الدين العلوي* 
 
وجهها أحجـيه.ْ.
قد تجنّ العبارة في فكّ طلسمها، أو تخورْ
قد تخِرّ التراكيبُ في صوغ بُـنْـيانها
تتمادى على حدّها في الكلام النضيد الخريرْ 
والمجازُ البليغ عيِيٌّ البلوغ إلى رتبة السّحر في وجهها  
المجاز حبيس.. 
والقوافي قوافٍ لإيقاع إيحائها المتغلغل
في وجهها الأغنيهْ
والرموز مضمّخةً بالسّـؤال، مؤرّجة بالدّلالة 
ذاك دليل الولوج الكـثيف إلى غابة التّـيه في الضوء والعنفوان ، 
إذا ما تشوشَ نظم الحواس الشريدة واستغلقتْ دون كشف الرؤى 
ظلمة الأقبيهْ.. 
***
وجهها فلسفهْ 
لاستبار الحقيقة بازغةً خلف مبسمها
كيف لي أن أقشِّرَ عن سرِّ أحداقها الأغلفهْ!؟
كم أنا سغِـبٌ للمآدب من سحرها 
عطِشٌ للندى يتموسق لألاؤه
ما بين أجفانها الوارفهْ..
يسأل العاشق الفذّ من ظمأ قلبَه المرتبكْ: 
صبْـوتي وصِباي..دمي طيّـبُ الاتقاد بنعناع أشواقِـه... أينها ؟ 
أين حلمي الفَـراش المُرنِّقُ في المَـرْج 
أين مستقبلي ، حينما كان يمتدّ نحو الرؤى راشحًا بالتلاوين والرفرفَـهْ !؟ 
كلهّا الآن_ نائية تحت وزر الفجيعة_ في مطلق الوجه راتعـة في خـشوعْ
يصمت القلب مغتبطا بالشعاع الختاميّ من ومضة العمر. 
ذاك البصيصِ الهُـلاميّ 
مغتبقـًا بالعـمَى المتراكم
مقترفا نَـزْعَ أنْـفاسِه و النّـُـزوعْ
يخنُسُ القلب مستفرغا في النَّــوَى مِن جَــوًى شَـغَـفَــهْ
*** 
وجهها لست أشرحه.ُ
به أضدادُها شبَـهُ 
به بَـــلـهٌ به نَــبَــهُ.. 
به صبْـر به ولـــهُ..
*** 
ستقول الحلوة للأتراب:
ببابي- باب القلب قصدتُ- صريعُ هَـوى و هَـيام 
أفْـتيــنني فيهْ.. أأمْـطل وعده أم أغويهْ؟ 
وهِـنٌ عاشقي مثل سائر العُشّاق 
يذوب الشاعرُ مَعْـنًى.. يقْـطف أكمام الكلماتْ. يُرتِّـبُ روحَه بَـوْحًا أفْـصحَ في باقاتْ. 
ويُـشَـبِّـبُ بي حتّى لَــيَـشُـبَّ بقلبِ المرأة فِـيَّ نشيــدُ النّـيـرانْ 
ماذا قد تصنع امرأة ولْهَـى بصريع مُـتـّـله ٍ صَديانْ!؟
أفْـتــيـنـني فــيه..
أأرومه أم أرْميهْ!؟
***
محكوم هذا الكائن بالخلل البشريّ، بفوضى فحولة عالمِه العنّين .  نرجسِه الشّرْقيّ المأزوم..
ليس غريبا أن تتناظر فيه الأضداد  ( تطرح ذات الوجه / الزخرف من أعماها العاشقِ، موقـفَـها)..
(هذا ما أورد عاشقُها ردّا): 
يقتات خياله يوميّا وهمَ الفرضيّات الكبرى_ الحظوةَ بالأحلام العذراء، قُبيْل الطمث.
وبالأوطان العذراء قبيل السّلخ.  بالفردوس الأرضيّ جرت من تحتها أنهار الألفة، 
يُـطْرَد منها زناة ُالعالم والفُـساق وكلّ القُطعان .
طوباوي غِـرٌّ أحيانا هذا العاشقُ، يؤمن بالشعْـر المتحرّر من أصفاد الزمن اللغويّ. وبالأخلاق العارجة نحو المطلق والغيب. وتحرير الألوانْ.
ونور الباطن واللغة المطمورة في النسيانْ.
من كلّ أحابيل الظلمات المنسوجة في الروح 
محكوم هذا الشاعر بالقبح الكونيّ، بأعلى أنظمة الحزن الموتور الفاحش. 
( أنُـذكِّـرُ بالقـُبْـحيّـاتِ السّـوداء و نـَزْف العالـم قـَيْحًا و رُعاف الأشياء!؟)
لا داعي للذكر العكِــر الآنْ 
تأتي الأوجاع على مهل ..
***
وجهها مـَنْـحَى.. وجهُها مَـنْـجَى
كصلاة! _ يُهرع فيها هروبا من وخزات الإثم 
" أرحنا بها يا جلال الجمالْ" 
لِــتُــنَـرْ أضواءُ الربّ الآن بكلّ زوايا الرّوح .. فندخل في الملكوت الأعمق والأصفى.. في أيّ محطّات الإيمان تُـرى تتَـصافى النفسُ من الشَّوْبات؟ 
في أيّ حقول الظلمة أبزغ فجرا أخضر أغرس مشتلة َالرّحَـمات!؟
وجهها ملكوت يُرْجَى 
مَوْئل طُلاب الحلم الشاهق وهْـجَا..
ملاذ المذعورين المنذورين لفتنة هذا الدهر الأعمى. الدهر المُهْدَر فيه الجوهر بالأعراض. الطّافح بالحُمّى.. 
وجهها لغة فوق المعنى تتأهب كي تُـرسَم أو تُكْـتبٌَ .. و نشيد توقَدُ موسيقاه بثلج الباطن كي تتماحى حدود ُ غبار الرّوح
وجهها نوراني الهالة، مندفقا فيه السرّ الأعلى، فلك الكوكب
*** 
سأفِــرُّ إليه.. 
هنالك وطواط يترصّدني منذ نعومة أوجاعي 
يكسر بيض َالضوء بعشّ رماد.. يُـشهر منقارَ الظلمة منقوعا في جيفة هذا العالم ، يُـنشب في القلب نصالَ الخيبة تحمى دامية...
تتوهّـم أنثى الوجه ِ/ الفكرةِ
أنّي آخرُ عُـشاق العصر العدميّ ،أذوب كصبٍّ غَــزّالٍ بحثا عن ودّ صرف و وصالْ
لا تفهم أنثى الوجه ِ/ الهجرةِ
أنّي أجوس بلحظة إمعان ملامحِها، آلاف َالأحلام الضوئية. أصقاعَ مجرّاتِ الكون النّائي. أرتاد خِـيامَ الحور بمِخيالي ، وأسافرُ في طيــّات لآلئِها المزروعة بَــرْقا، إشراقاتٍ، أو رؤيا
وأني ،إذْ أتفرّسُ لمعةَ عينيْها، جَوّابٌ ، تُفنيه إجابات عجفاء و يُحييه خصيب التسآلْ..
أستبدل تاريخَ القلق الموطوء بأحزان لم تُــطرقْ بعد مسالكُها ( في وجه الأنثى أيضا، حزن ليس متاحا للبسطاء المكسورين ببهجتهِم. 
حزنٌ يُـقرأ في علم التّـهيام جمالا أجملَ من أحزان الكون، يُــلخِّـصُ نبضَ الكوْنِ الباكي ) 
سأفِــرُّ إليها.. 
من عطش التّــوق إلى الذكرى، تُؤْكَلُ كلُّ عناقيدِ المعنى المعصورِ بعينيْها 
من جوع القلب إلى زخّات الوصل الأولى 
وجهها زادي . ووليمة روحي
من عبق الأشواق ..
الحُـبْـلى.. 
*** 
لست أحبّـك أيتها الأنثى.. 
ليستْ أنثاك َسوى تصميمِ الفكرةِ في الذّهْن وإيشاكْ شُروعْ.. 
ليستْ إلّا
منفايَ الفزدوسيّ الحالم يَـفْـتَح بوّابات سُكوني
ليقيني من منفاي الآخر في الطيــن 
أوَ تعلم تلك الأنثى ذاكَ الصِّنْـفَ من المنْـفى!؟
أقصى آفاق الكائن في هذا المنفى أنه منذورٌ للمَحْـوِ. 
ومقدودٌ لسباقات الهذيان وشوط جُــنون
أدنى ما يوصف في وطن المنفى به إنسان
هو أحمق منكسر مهزوم .. وأسير الأعماق المخذولـهْ : 
يصنع للأشياء العمياءِ بدائل َعمياءْ 
ويوسِّع تخم الحلكة طيّعـةً
كي يفتح للأنوار كُــوًى..
فيدشِّــن للوهم سبيــلهْ
لا شيء سَوِيّ يا ذاتَ الوجه ِ/ الذّكْــرى 
لا شيء عدا هذا الوجه َالمِـعْـطار 
كشذرةِ طيبٍ يعلـق في جسد الأشياء العذراءِ 
وشظايا بهاءٍ يبزغ خلف سمائِي
على مرمى شهقات الموت المتمهّـل في الطّـرقات 
وجهها في مختصر التعبير وإيجازات اللفظة
ذبذبة الأنوار بفجر الكون 
وأنفاس الأبديّـة..
 
* أديب من تونس.