الفيلم

محمود الريماوي*
 
تمكنت بشق الأنفس من الوصول في السادسة مساء إلى دار السينما· موظف شباك التذاكر ناولني تذكرتي وهو يشدد على أن الفيلم "سوف يبدأ الآن" ·ومع أنني لم أكن أعرف الاتجاه إلى القاعة ، إلا أنني استطعت تبين طريقي إليها ، وقد عبرت سريعاً لأجد الموظف المرشد إلى المقاعد في استقبالي· لم أره بل شعرت بوجوده وسمعته يقول : هيا · تبعته في الظلمة حتى سمعت خطاه تتوقف، وقد بدا لي أنه استدار قائلاً: هنا· تحسست بيدي أول مقعد عن يميني فألفيته فارغاً، وخمنت أنه المقعد المقصود، ذلك أن الموظف لم يضئ مصباحه · بدا لي أن هذا السلوك المتكتم خاص بهذه القاعة التي تعرض أشرطة مختارة ، أو أن استخدام المصابيح قد توقف في الصالات، وذلك خلال انقطاعي عن ارتيادها منذ خمسة عشر عاماً · لم أقلق فما دمت وصلت قبل بدء العرض وعثرت  على مقعدي ·· فلم القلق ؟ كانت العتمة شاملة في الصالة حتى إني لم أتبين أحداً بجواري أو حولي ، ولم يبلغ مسامعي أي صوت أو غمغمة، كما كان عليه الحال أيام ارتيادي دور السينما ، حيث كانت الأحاديث  تدور بحيوية دون حرج ما دامت غير عالية · على أني شعرت دائماً بضيق من لحظات التعتيم التي تسبق بدء العرض ، كنت أراها طويلة غير مبررة ، وطويلة مهما كانت قصيرة ، وأن المقصود منها أن توقع الرهبة في روع المشاهدين, لا من العتمة نفسها بل من أفانين التقنية وسلطان الفنيين، وقد آن لي ــ قلت لنفسي ــ أن اعتاد عليها وأن أتصرف بروح جماعية متقبلة، ومتحضرة · علماً بأنني لست ممن يرهبون العتمة ·· أضيق بها أجل، إنما ليس إلى حد الرهبة أو الرهاب، ويعينني على ذلك استعدادي الفطري للتجمل بالصبر، إنني صبور على الجملة، وقد قالت لي أمي في غير مناسبة إن هذه الخصلة كانت تميزني عن أشقائي وتحببني لها في صغري · صبور·· نعم ، ففيم العجلة ولو لم أكن كذلك فما الذي كان دفعني للمجئ لمشاهدة الفيلم الذي أوصاني صديقي الناقد برؤيته، وقد اعتبره تحفة الافلام والفيلم الحلم · وإذ يميل صديقي إلى المبالغة ، إلاّ أن أحكامه قلّما تخيب ·
وكما أن أية أصوات أو همهمات لم تصدر من حولي ، ولا تناهت إلي من أي مكان في الصالة  (باستثناء ما استشعرته من حضورهم الشبحي وخفق أرواحهم) كذلك لم يبدر عني أي صوت أو همهمة ، وكيف كان لي أن أفعل ذلك وقد جئت منفرداً ·· أني  التزم الصمت على العموم في الصالات ، ولا أصادف مشقة تُذكر في ذلك ·
إنها العتمة كما في كل مرة ، ولو كنت صاحب خيال واسع أو أكثر تطيراً، لتصورت أن مكيدة ما على وشك أن تقع ، أو أن أذى قد يلحق بأحد ما في الصالة ، وأنه في الوقت الذي يجري فيه الاستعداد لعرض قصة خيالية، فقد تقع واقعة حقيقية على المقاعد أو في الممرات أشد إثارة من أية وقائع  سينمائية متخيلة· لكني لم أسمع من قبل بحادثة ما في صالات بلادنا، سمعت فقط عن ملامسات واحتكاكات ليس ذات شأن بعضها غير برئ وأغلبها ذات طبيعة مرحة ..
عبرت رأسي هذه الأفكار بسرعة شديدة ، فما الذي يسع المرء فعله وهو أسير الصمت والانتظار، ومشمول بعتمة كثيفة هي جزء من تقاليد صالات السينما ·· عتمة كنت أفكر دائماً أنها تستغرق وقتاً طويلاً ، لكن أصدقائي بمن فيهم ناقد السينما يؤكدون أنها جد قصيرة ، وأنها تمتد لدقيقتين فقط أو أقل من ذلك حسب الظروف، وإنها فوق ذلك جزء من سحر السينما · حتى تصورت أن نفاد صبري المستجد  هو إحدى علامات تقدّمي في السن نحو الخمسين ، وإذ تناهبتني هذه الأفكار لم أعد أعرف إن كانت فترة التعتيم طالت أكثر من المعتاد، أم أنها استغرقت الوقت المعهود : دقيقة أو دقيقتين · وأمام ذلك ساورني شعور بالندم على مجيئي  وانتابني إحساس قوي بأن زمن ارتياد صالات السينما قد ولّى بالنسبة لي ، وأنه ما كان يجب أن أخالف طبعي وأحمل نفسي على المجيء · فكم من أشرطة قيل أنها تحفة زمانها، فاتتني مشاهدتها دون أن يطرأ خلل ما على مسار حياتي ·· وبدا لي هذا الندم مشابهاً لما شعرت به حين قصدت دار السينما في سن التاسعة ، فقد شعرت آنذاك بضيق شديد وبدا لي المكان غير أليف ومتكلفاً، وها هو الانطباع نفسه يتكرر بعد أن تسّنى لي مشاهدة نحو مائة فيلم، في ما لا يقل عن عشرين صالة في أربع عواصم · ها هو الشعور نفسه يعاودني هذه الأمسية ، مما جعلني أهمّ بالمغادرة، وما أن انتويت ذلك حتى هتف بي خاطر يقول : لا شيء يضمن أن باب الصالة مفتوح، هذا إذا أمكنني الوصول إليه · عندئذ تسلل وهن إلى قواي ، ولم ينقذني سوى صوت الموظف المرشد الذي اقترب بي بحفيف ثيابه هامساً : "يسعدني أن أقف على خدمتك ·· يمكنك المغادرة فور إنتهاء الفيلم وليس قبل ذلك" · كانت نبرته ودية ومطمئنة رغم أنه لم ينتظر ليسمعني ، رغم هيئته الغامضة غير المرئية التي سرعان ما تلاشت في العتمة المطبقة · العتمة التي لم أعرف كم طال أمدها والتي لم يبددها أي عرض سينمائي.
 
* أديب وإعلامي من الأردن.