أكذِبُ يا أبتي

أشرف الخريبي*
 
وأقول قد صدقت. صدقت.
" وخلقنا الإنسان من سلالة من طين " وخرجت. خرجت من سلالتك/ من طين الأجداد وطينك 
ويدك المعروقة به، مشيت طريقك للقمح جريت إلي السنابل وقش الغيطان 
وعرفتك ....نعم عرفتك، شممت روحك وشوقك، عرفت الكلام ثم قرأتك، تهجيت الحروف التي قلت لي عنها حرفا.حرفا. غير أني مشيت نحو ما لست أعرف فكنت شيئا لم أكنه 
لا كنت من الريف ولا أحببت المدن، سقط نعم سقط 
وهنت حين هان كل شيء، 
أرشدتني لفدادين القمح ولطمتنىّ بالطين في وجهي صارخا فيّ، لم تعد صغيرا 
 - صمت
 لم تك قد عرفتني أن كل سنبلة مائه حبة ولا مرة صدقت اسمك ولا حدثتني الكفور المجاورة عنك،غنيت الآخرين لك يا أبو الرجال. أبي 
غنيت ورسمت اسمك الذي كان يخصك وحدك ووجهك المُختفي في البرواز القديم الثابت مكانه منتشيا فرحا، ضاحكا للمصور، مثلما غافلتني ملامحك ذات مساء جهم كجهامتك ،ارتسم وجهك المنزوع منه وجهي حين بزغت صورتك فوق تجاعيدي، وبحرك في بحري ينتشر لم يزل  كنت أحاول كيما أنزع أصابعك من فوق جلدي. أنزعك ألف مرة وألف عام لكني كنت أسلخ جلدي وأخرج منه، لما وجهك البري المتوحش يصرخ وسطوتك تنزعني 
وتصرخ ألف.. الأرض عرض ..
أكذِبُ يا أبتي إن قلت لك أني من هنا من خطوي الأول حين أبدأ بالحبو علي درجات السلم تلقفني بيد واحدة وترميني علي أمي فأبكي علي يديها وأصرخ، تلعنني بصوت زاعق غير أنك تمسح دموعي بيدك الخشنة وتحملني ضاحكا كي تتسرب الذاكرة إلي خشونتك،وصلابتك
قلت : أكتبك من جديد. أبي أبو الرجال، بيد أني أرسم لك وجها لم تكنه وصوتا لم تكنه، امنحني ملامحا سأكونها ولا هو رسمك ولا هو صوتك ، أكافح كي أخرج من الدائرة التي وضعتني فيها حفنة من طين الأجداد في اليد وطينك والسنابل، هواء المزارع ورائحة الغيطان والقش والساقية وجسر الأرض الممتدد في عينيك لامعاً،علي لسانك الكلام الحلو ..تقوله للناس  وصوتك خافض .. ( تأدب يا ولد ) 
وأكذبُ يا أبتي كي أستريح علي العشب الطري أمد ساقيّ للماء وأرفعه لأعلي،تدور السواقي وأتمايل ينقطع سير الوابور وتصرخ ولدي 
أبتسم وأختفي منك.  
تسألني : أين كنت ؟
لم تعرف أنه كان انتظارا فاجعا لصمتك الموحش / صمتك الماكر 
- كنت مع صفاء
ونظرتك المرعبة، في الأرض خجلا منك. تًسّاقط عينيّ، المرأة التي جرت خائفة في المزارع هاربة من رؤيتي لها، جرت لكني رأيتها نعم رأيتها تدخل أعواد القصب وتعدل فستانها.. وتتلفت بجزع بعيون زائغة . 
أكذبُ ياأبتي كي أظل متأرجحا بين كفيك المشدودين وهزيمة صغرى أمام عنفوان خبرتك واحمرار أذنيك .هنا..هنا تماما.عند اختلاط الضوء بالألوان فوق فدادين القمح في الغيطان تقذفني قرب النهر وتشير للماء والطين.
تقول :( تأدب لم تعد صغيرا يا ولد ).
أصرخ في يديك لم أعد صغيرا يا أبتي .
 لما انتهيت من حيث بدأت أيقنت أني أدور حولك. كانت أحلامي سخف وتصوري سخف..أراك نابشا كل شيء في الذاكرة، فأخشى أن أري وجهك أو أعود لشخصك لأعلم أنك هنا في المكان ذاته، مع امرأة المزارع تضحك، تترك أمي بالبيت تعد لنا الطعام.وألقاك كما أنت مُلتمسا أركاني ركنا.ركنا عارفا نظرتي وابتهاجي عارفا القمح والغيطان السنابل سُنبلة.سُنبلة...إذ أن صفاء كانت قد غابت في الزحام وتواطأت مع رقصي وصلاتك طاردتني في الليالي أرقا وعذابا.
حمقاء هي يا أبتي حين تهتز أمامي يبين منها بعض آنوثتها يعلو هدير صوتها في جوفي، تصرخ، تتجمع متوحدة في ركن عمري وفى ركن الدار خائفة وهزيلة . تقرأ الكتب معي وتنسى صدرها مفتوحا أمامي يرتفع لأعلى وينخفض ساخنا،حميما كي أمد عينيّ ويديّ والكرسي تحتها كان دافئا/ دافئا.كان كل شيء رتيبا ممطوطا، ربما كانت قد بكت ربما استغاثت بصوتك المتقطع الواهن وكحتك الشاحبة حين تغزو صمت الليل. دهاليز الحنين، ربما ناقشت كل الاحتمالات حين همست في الجوار وأشارت عليك أسكتها الحنين إلى وجع أزلي، أتمني أن أعيدها وأدخلها،أكتب عينيها الباكيتين
( ولا بد واحد فينا يرحل ) هكذا قلت !
أكذب يا أبتي حين تتحد أزمنة العشق والموت وأذكرك نائما مستحيلا. 
أتسمع أناتك في الليل الخاوي إلا من بكاء أمي.يهيل الرجل عليك التراب يهيل،أراك بعيني/ عيني التي سيأكلها الدود والنسوة يصرخن ......مات. 
المرأة التي مضت في المزارع رأيتها تجري بأم عيني، وترفع ثيابها فوقها، تُصلح هندامها وطرحتها، تنظرعليك ببسمة خائفة مرتبكة \ وصوتك العازل لكل إمكانيات سمعي وسؤالك الغريب وإجابتي المحصورة في خوفي منك، وحزني عليك أنت أبو الرجال/ أبو الجُهال.
تقول لي شمس الشتاء ! وتحذرني منها.ومن النساء، ألوذ بالأرض تحتك بهواء الغيطان، مدسوسا كنت في الظلام تُفجر عشب الأرض زهرا يانعا وثمارا وأفرعاً خضراء كثيرة وأسألك بلا أجوبة أراها غير نظرتك الحادة المانعة لكل حروفي وليت كلامي ما كتبت حين شيعت هواك وتابعت موتك. وبكاء صفاء في الليل العبيط كي ألمسها أول النهار وأخره وأستنفذ دورة أعضائها وأنتظر...كي أفضي إليك بسرها وسرك المكنون المخبوء في صدري خافضا وجهي للأرض بلا كلمة واحدة، وحقيقتك الفاعلة لا تجيء أبدا إليّ. رغم انتظاري المحتوم لكل تصورك القادم عن لحظة ثرية الآن .. الآن هنا،تماما هنا.عندما أبتديء في وصفك تفضي أشياءك إليّ خلسة ولا أدري بحقيقة كنهك بوقتك الذي مر عليّ كركض السحاب الخواف في ليل القرى وأنت المدن الجميلة. فكيف أعرفك، أراك وأنت المخبوء في المحال/في الوجع /المخبوء في عقم اللغة عبثا أحاول في منتصف الضجيج والممرات.لما اندفعت احتضنتها بضفيرتين مبتلتين قليلا سقطت في حضني باسمة، خربشتني كقطة أليفة أول الأمر وتعفرت ملابسها بالتراب الذي منه نكون واليه نكون/ لم تعد صغيرا يا ولدي، لم أعد يا أبتي.
 نعم احتضنتها وأحببتها وهي في حضني وقبلتها رغم أنها وشت بي إليك وتقلبنا على قش الغيطان في خوف ورجاء، تراجعنا قليلا ثم عدنا ومضينا بلا خطوة واحدة للخلف لم يكن في أمكاننا يا أبتى غير استكمال نزيفنا. أنت قلت وأنت تنزف كل ليل.لم تعد ولدى، نعم لم تعد ولدي،
يلفظني صوتك الزاعق عن سر الكلام وأدخل المدينة حاملا رسمك وأسمك وحقيبتي الفارغة إلا من جنيهات أمي القليلة وصورة صفاء.أتأبط الكتب التي تورط فيها وتواطأت معها عليك كيما أسير في الحقول والبلاد التي ما جّهلتني ولا في رئتي سكنت أشجارك عن النواح.أشم روحك والزهر الرهيب في الأغصان العوالي، علي هيئتك طير يطير وصورتك عليه وماءك الممدود فيه/ ماء، وطين الأرض/ طين معروك في يدك مُصبوغا بلون بشرتك الأسمر الحاد. تلقيه في وجهي وتقول : أنت لم تعد ولدي ..
أكذب إن قلت أني أستريح لأبوتك أو أستريح لولادتي في شهر تشرين، صوتك الواهن غير المسموع علي فراش الموت 
تقول: ولا ولدي يطاوعني والقرى تفر مني أكذب حين أنُكرك/ أكذب حين لا أراك في عيوني لأن الأرض التي جاء عليها صوتك وطن /الطين الذي عدته/ طين والماء الذي غسلك .. ماء والشيخ الذي تلا آيات الله عليك .. شيخ ،حين تفلتنى مع الشيطان مضيت عني،
 تكظم غيظك مني وتقول  "لابد واحد فينا يرحل ". 
أمسكت وجهي ودسسته في طين النهر، دار النهر بي وفي رأسي ماد الموج وعلا الهدير.
قلت هكذا يكون الرجال وأن صفاء لما مشيت لي في الليل جاءتني من باطن العشق لم تك سوي حفنة من الماء في يدي كانت هنا الآن ممزوجة بطين الأجداد. دخلت شفتيها والبحر وحدي واستطبت الحصار، وعدتها بسماع صوت الأرض وصوتك وانتقلت بعد ذلك من سطر إلي سطر إلي حكايات طويلة، عرفتها معرفتي وقلت : لم أعد صغيرا يا صفاء ...
وقالت لم نعد يا حبيبي ويا ليتنا ما التقينا.
اشتريت لها عروسة البحر وأهديتها ضفدعة وأعطيتها ظهري سائرا للمدن. وأنا فرحان لكنها ما اشتكت ولا بكت إلا أن صوتها المحزون كان واهنا شجيا /متقطعا. ربما بكت \ربما ناقشت كل الاحتمالات.كنت فزعا عند قدميك يمضي الرجال الجالسون من حولك ، تصرخ فيهم. أسألك كيف يا أبتي تغضب وأني لست ولدك ولا من صلبك كنت، ولا من سلالتنا أحد فعل ،أكذب ألف مرة إن قلت لك أني من الطين الذي من الأرض خرج وفوق يديك استكان وعاد كي تصير لا شيء يا أبتي رغم أني كنت مُعلقا علي مسامعك أعرف كلامك من أين يجيء. إذا جاء وعدنا ووعدك ترقد في الفراش ليال ترفض أن أدخل عليك ،تطلب للناس أن أقُبل يد الشيخ وأدخل المسجد، أن أفعل أفعالك وأتزوج صفاء، أو أذهب للمدن التي كنت فيها فاجرا وأن يجيء طبيب غيري لك، الرجال الذين يشفعون لي عندك يسمعون آهاتك في الليل الحزين الذي كنت فيه وحدك وكنت معي.لم أعد صغيرا يا أبتي بكيت .. بكيت وفسخت عليك الباب مفزوعا.علقت دمعك النازف علي آلمك من الحقن ووددت أن أتشمم ريح الأرض حولك،حين رأيت المرآة التي جرت في المزارع ورأيتك في الأسماء /في اللوحات والصور عرفتك أشرت بيدي عليك، قلت ها هو أنت . أنت الذي هو أبي.
لكنها صرخت في ذاكرتي. 
المرأة التي جرت فى المزارع ، وصفاء يغسل وجهها الدموع في الليل وتقول معي الليل ليلي وهذا القلب لك ،ظهرك المقسوم علي السنابل يضيء الضي في عمري ويسبح في الزروع يخنق يدي وهي تمتد لتكتب اسمك الذي أحمله فوق اسمي وصورتك في جوفي ،همس النيل في عينيك همس أقول أني رأيتك تبكي وعلمتنا أن البكاء للنساء أكذب يا أبتي وأفعل أفعالك أصرخ في النسوة الجالسات في الرجال الباكين، وتغوص أنت في البئر العميق تسبح في الملكوت وحدك كنت في دوامة الشوق الممتد إلي لا شيء\ شوقي المستحيل إلي وعيك \وعيك \المتسرب إلي شيئك \ شيئك الذي لا أعرف.وصفاء في الليل العميق باكية حين تنسي صدرها مفتوحا أمامي،الكرسي تحتها كان دافئا .. دافئا وجسدها يهتز ويتقلص بين أصابعي 
وقلت " واحد فينا يرحل.
سألتك كيف أصعد للكهف ؟كيف أراك جزئي المختفي في سراديب الكهف العالي رسومات وجهك الناضج كالثمار علي الغصون جالسا في البرواز القديم في حجرة الصالون شامخا ومهيبا حيث لم أر عبثا أحاول أعيدها صفاء . وأعيدك .وأكذب يا أبتي . أنه فوق قدرتي وفوق توازني وفوق أمكاني علي الانسحاب من كل شيء حولي 
والطين الذي كان في يدك طين  " وأنت لم تكن أبي ! " .
 
* قاص من مصر.