ملل و..نشوة

نداء يونس*
 
ملل، شيء مثل ورد الأحلام ، كثير ومائع.
****
انكسرتُ
هكذا عرفت مما صنعت
نهضتُ كثيرة
هكذا عرفت قدرتي وقدري.
****
فكرتُ أن اكتب مديحاً في الهزائم، إصابتك بالملل هي أفضل وقت للكتابة حول مديح غريب للانكسارات.
****
أجرّب ان أعدّ الزغب على جسدي، قلت إنها حالة ملل، ثم افكر انه كان ينبغي ان يظل أمر الزغب سرا، هنا يعتقدون ان جسدي عورة، ربما  ينبغي ايضا ان لا اتحدث عن وحمة على كتفي الشمال او  عن خال على خاصرتي، كنت اتجادل مع شقيقتي، تقول: هي شامة، وتقول: هي سر. 
****
أجرب أن انظر الى لوحات لنساء عاريات، أجسادهن خمرية مصقولة بلا زعب، ليست لواحدتهن وحمة على كتفها، او شامة فوق السرّة، ربما أفكر ان ارسم هذا الجسد.. جسدي، لكن الزغب عيب، فكرة الانكشاف عيب، والجسد الذي صنعه الله عيب، ربما أرسم ظله.
****
تكتب شيئا لا يتوقعه أصحاب المعاول والشائهون وهؤلاء الذين سيشتمون انكشاف وحمة في الكتف في نصـ او حديثٍ عن زغب طري على اللحم القمري، شيء مقطر مثل الدهشة.
****
لا تعني حالة الملل ان سعادة خفيفة كفّت عني، احس بنشوة غامرة، قلبي يضحك، ليس لدي فضول لأعرف كنهه.
****
غياب الفضول يساوي الملل.
****
ليس حولي أحد، وأنا كثيرة، تعجبني وحدتي الغريبة.
****
أترك يدي في الفضاء المعلّق، تمارس فكرة الحرية ثم تعود الى سجنها، هكذا تماما مثلي، انظر الى العالم، أفكر بأن لونا آخر كان يمكن ان يكون أجمل، ارتدي زوجاً من النظارات البنية أو السوداء، وأقنع نفسي ان العالم تغير، لكنني ما زلت أحس بالملل، لا فضول لدي لاسأل صديقا يحس بالغبن دائما، أقصد لأنه تزوج امرأة غبية، هل تشبه الدنيا ما نريد من خلف زجاج معتم او من خلف زواج معشق؟ 
****
أمر على صورة وجهي في المرآة وأضحك، أحس بملل ونشوة، أشبهني فعلا، ولكنني لا أعرف من منا تحس بالملل اكثر،. أشفق على صورتي، هناك اطار كبير لا تستطيع ان تخرج منه، وتشفق صورتي علي، فلست أرى كل الأطر المعلقة حولي، كلتانا تضحكان.
****
نرى مأساة الآخرين فقط، ونحتال بالوهم على مآسينا.
****
أفكر كثيرا كيف يمكن ان أكسر الإطار دون ان اخدش المرآة؟ 
****
على الوجه الخلفي للمرايا مسامير تُمسك الفكرة ولون واحد كثيف، وصنعة لما لا يُرى غير متقنة.
****
اقرأ عن بُنية الرواية ومدارس النقد الأدبي، افكر بروايات ناجحة، تنجح رواية أحيانا بالدهشة، هل يمكن ان يكتب احد ما رواية عن الملل، نجحت رواية مثل "العمى" لسارماغو، رغم أنني لا أحبها. 
****
الأمس بالنسبة لي نهاية، لا أعلم متى بدأت الأشياء التي انتهت أمس!
****
 كنت بدأت من هناك، منذ اول شغف، منذ ان  وجدت لغة تتجاوز ملل الخلود وحين صنعت لغة للحوار مع الكائنات وسرقت السر. سألت يوما: هل في الجنة مكتبة؟ لا اريد الدخول في تفاصيل الاندهاش في وجه المستمع، ولا إجابتي اللاحقة.
****
ما اكتبه هنا انزياح حر للفكرة، لغة رتيبة بلا صور شعرية، بلا انفعالات كالتي اكتب بها عادة،  كالملل، أمر بطور غريب لكنني احسن النظر الى فكرة النقص، فكرة قدّمها صديق صباحا على انها قمة الاكتمال، قمة الكمال وأضيف : المعرفة.
****
تمُر اللغة بطور مشابه، تخذلنا اللغة ونخذلها.
****
لا اتوق للفرح، أفكر باستمرار بالدهشة، كيف يمكن ان تولد وتتجاوز فكرة الكارما والأبدية البليدة، المدهش أنها، أي القدرة على الادهاش، حرفة، مدهش حقا ان تكون هناك وظيفة تحمل اسم المدهش على غرار الساحر والشاعر، والأكثر متعة ان أتعرف اليها وان لا أملّ.
****
اترك فنجان القهوة يبرد، ماذا تفعل قهوة باردة في يدي، لا معنى للقهوة سوى أنها تذكرني بكل النصوص الغريبة والجيدة التي كتب البعض عنها ،او محاولة اقحامها في الكتابة مثلما افعل الآن، ولا اريد ان افعل. 
****
اريد ولا اريد، اجرب الاشياء لأن التجربة بحد ذاتها تنفض الغبار عن الصمت، تنفض الصمت عن الشفاه، تشمس الكلمات وتدفعها باتجاه ما، او لا اتجاه.
****
ارتّب الكلمات أم ارتب الغسيل الذي تراكم منذ ايام؟ لا ينقصني الوقت لأمارس الاعمال الغبية، الكتابة هي ممارسة للكلام عن الغباء، ادرك ذلك وأفشل في المحاولة، دائما لدي أفكار، ودوما يدي مشغولة بشئ آخر، عقلي مشغول بحبل الغسيل الممتلئ، الحبل الذي يحكي ما يُنْشر عليه قصة ما، كما قالت صديقة، الحبل الذي يمتلئ بالرطوبة والماء واللون والحكايا.
****
انت بطريقة ما تخلق دهشة، أسطرة الدهشة فعل شعري وروائي، كما انه فعل بشري يمارسه الطفل الذي ظل يزحف بهيكله العظمي حتى التهمته الصقور الجائعة، فعل تمارسه نملة تحمل عشرة اضعاف وزنها، وأمارسه أنا.
****
اللامنطق في الحب فقط
اللامنطق في بقية الاشياء غباء
وكلا الحالتين هزيمة.
****
اللامنطق قائم في كل شئ، تنتقد ما تكتب بشدة، تكون قاسيا وماكرا وهادئا، تمكر وتبتسم، كأنك ضبطت ذاتك في مصيدة، ثم تنكر، وتقرر ان الحب هزيمة تليق بحالة ملل جامحة، تليق كاعتراف وفكرة.
****
أن أعترف، هذه هزيمة
أحبك! 
وهذا القلب سهل للتنانين.
****
تصنع هزائمك بمقاييسك، ولتنجُ هذي النبية.
****
تراقب بدهشة كيف تقسو حين تنكسر.
****
صعب ان ألم قلبي من حالة هذيان
يمكنني أن أقنعه بأن لا شئ يحدث هنا
فكرة الوهم هزيمة.
****
كما اقول، نضحك على انفسنا بالوهم، أفهم الوهم وأفهم الهزيمة وأدرك اين تقودني اعترافاتي، لكنني مصابة بحالة ملل.
****
أراك وأمُر كشعاع في حقل الشوك
أتجنّب في الحديث اسمك
(اسمك الحلو على اللسان الناشف)
هذا التفاف ماكر على ما اريد.
****
ماذا يعني الملل اكثر من الالتفاف الماكر، صديق لي يسميها : الزئبقية، ايضا التفّ على اسمه هنا لأن هذا النص كله لأجله.
****
هزمت بك، أقول
حمرة في الوجه
خمرة في العين
وفي القلب المسرة.
****
وتسأل: ما يفعل الملل في قلب الشاعرة!
 
* أديبة من فلسطين.