لم تمت بعد..

عبد الجليل ولدحموية*
 
في يوم مؤلم، نسيت جروحي تائهة تتقمص دور فرح تارة، ودور حزن تارة أخرى. جمعتُ قواي لعلني أحصل على دمع، بكى القلب دماً وجفت العين. شختُ يا أمي، لم أعد طفلك الصغير الذي كنتُ، لدرجة قضمي شعيرات  شاربي عندما أجتر الهواء. بريقك يا أمي المنعكس في لمعان عينـي التـهمـه الزمن، صرتُ صحراء قاحلة. كل آمالك الجميلة أمي انكشفت لي كوابيـِس، كنت تمنَـعينها  بحنانك وحبك المقدس. لم أعد أقدس أي شيء بعدما فقدت معنى التقديس عند زوالك. 
كبرتُ بعدك بسرعة الضوء، تحولت إلى شيخ في أيام بعدما عشت دهرا كطفل في حضنك. أين السبيل إلى الحياة بعدك؟ كيف سأنام لـيلاً عاريا من قُبلك ؟ ودعواتك التي تتحول لحصن منيع ؟ ونظراتك التي تتعقبني كحارس شخصي؟ كيف وكيف...
أشعر بوخز داخلي يا أمي، ورم حزن يلتهمني كنار على هشيم، رمح صدئ يتوغل في ذاتي كالوباء، أمي، أين أنت يا أمي… أماه…لا أحد يجيب للاسف. 
تخيلي أنني أنسى دائما حقيقة رحيلك، فأناديك كلما ضاقت بي السبل، وأخذتني الحياة مني، وتهتُ في وهمها حد الاختناق. مؤلم جدا هذا الشعور، مميت هذا الإحساس، متعب العيش معه، والتعايش مع جرحك. كم هي ممقوتة محاولة العيش بدون حضن أفرّ إليه، لأختبئ من ذئاب الزمن، من تربصات القدر على هوامش الحياة. من سوء اختيار الموت للحظات المناسبة، لماذا لا يرتاح  إلا عندما يصطاد في بحر أحزاننا ؟ ما الغاية من  وجود  نهاية تراجيدية كهذه ؟ربما كان عليه أخذنا  مع من نحب في وقت واحد ، لماذا لا يختار من السبل إلا التي تجعلنا نتألم ؟ ربما يكون هذا العدو المنطقي المسمى بـ "الموت" سادي مريض بتعذيب البشر، كي ينسى أنه سيموت يوما ما أيضا، سيطعن بخنجره،  أقسم لك أمي بعينيك الخَالدتين، أنه لن يعيش بعدك من قوي على حرمان الوجود من سبب وجوده.  
اختنقت البارحة بحلم مزعج، هذيتُ باسمك طويلا، اختطفني الكابوس على غير العادة، هزمني بسهولة، كنت بدونك أمامه  خائر القوى، ما نفع هذه العضلات بدون روحك يا أمِي؟ جسد مفتول كامل الرجولة لا يقوى حتى على طرد كابوس، شارب بطول جسر الذهب، ناضج كرمح بوسايدون، غامق كالِرتاج، لا يستطيع تجنب ذكرى تنخر جسد حامله. عينان بارزتان مثل عين حورس، تُحملقان في الأشياء في تمعن  مخيف،  تُفزعان العدم وتطرُدان الملائكة من معابد الفقراء، لكنهما تَبهتان أمام خيالك كعجوز تتمنى الموت بلا أمل. لسان سليط، حطيئي الطباع، يقذف، يسب، يلعن، يَهجي الجميع..حتى انعكاس صورة صاحبه في المرآة، لكنه يخاف نطق اسمك بعد هذا الغياب القاتل.
أمي، ثلاثة حروف تزن كل قصائد الشعر المعلقة وغير المعلقة، كل ما كتب وسيكتب، جميع روايات الحب والقصص الرومانسية..كل حروف الهجاء العربية.  ألف أمل عشت به  تحول ألما عندما اكتشفت كم أنا وحيد مباشرة بعد انجلاء الصدمة. ميم مانع لكل شر ينوي التشكل في طريقي تحول إلى مأساة بعد رحيلك، أعيشها مرغم لا بطل. ياء يسر ييسر حياة متشائم ولد فكرة جميلة في ذهنك  تحول إلى يأس يُقزمه. 
أكتب لك يا أمي وأنا على علم مسبق  أنك لا تعرفين القراءة والكتابة، متى كانت الأمية حاجزا تمنع القراءة ؟ أعرف أنك تستطيعين قراءة كل شفرات الحياة وأشدها تعقيدا بجمال قلبك وحنانك السرمدي. تذكرين كيف كنت ترسمين خططا لي ولإخوتي، كيف تعيدين تشكيل حروف المستقبل بِدمائك الطاهرة كي نَجده فاتحا بابه على مصراعيه، فرحا بِقدومنا. 
سأضْرم النار في الرسالة لتتحول إلى فراغ، لتخرج من هذا الوجود إلى الوجود العدمي حيث أنتِ…
استيقظت مفزوعا، أسبح في بحر عرق، دقات قلبي كَطبول الحرب، عَيناي جاحظتان كَالأديب، فَمي بيداء قاحلة، ملامحي باهِتة، ظلمة بؤس تتملك ذهني، وخوف من اكتشاف الخبر. تسمرتُ في فراشي، خوفا من اكتشاف حقيقة الرسالة. يداي ترتجفان بقوة، أزيز مزعج ينبعث من حركة فكاي، كنت على مرمى حجر من موت لولا أن انتشلني صوتها من التيه: هل استيقظت يا بني؟ 
بكيتُ بفرح رضيع وجد السبيل لثدي أمه بعد فراق طويل. وضعت قبلة على رأسها المقدس، وخرجتُ إلى الحياة  مملح الوجه، وأقوى من ذي قبل...
 
* كاتب من المغرب