الصديقان

محمود الريماوي*
 
الكهل الخمسيني، والكهل السبعيني الذي يتقدّم بثقة إلى الشيخوخة، يتصاحبان أكثر ما يتصاحبان في المقهى الشرقية، التي تضج بالرواد والأصوات·
يأتيان المكان تباعاً في ساعات العصر، ويمكثان فيه معاً ردحاً من الوقت، أطول من الوقت الذي يقضيه بعض أفراد الحلقات الأخرى· وفيما ينهمك هؤلاء الأخيرون، في ألعاب التسلية التقليدية، ويتبادلون أحاديث متشعّبة يتخللها تصايُح وابتسام وتشائم وقهقهات، فإن لثنائي الكهولة شأن مختلف· إنهما يحملان صحفاً ومظاريف مغلقة وأوراقاً بالكاد يفتحها ويقلبها أحد منهما، لكنهما يحرصان على تأبطها، وبسطها على الطاولة الصغيرة بينهما، أو يفردان لها كرسياً من كراسي المقهى الواطئة· كصياد يحمل بندقيته أينما ذهب·· حتى إلى البحر·
الخمسيني أشيب الرأس، محنى الظهر، ينوء بأشجان حديثة العهد، لا تمنعه من التبسّم القليل بين ساعة وأخرى، مع الإكثار من حركة اليدين· أما السبعيني فتحتفظ عيناه بلمعان دائم (ليس لمعان نظارته الطبية)، ويحتفظ قوامه بهندام متناسق، وإذ يحاول أن يبسط حديثاً فإن الآخر يُسكته بالفهم السريع، بالموافقة الفورية، أو بإغلاق الحلقة: بإكمال ما بدأ به صاحبه ·
ليس في لقاءاتهما اليومية من حماسة بادية· هناك الارتياح التام والقبول المتبادل لفكرة اللقاء، ولإبداء الاهتمام اللازم لضمان اللقاء· وهناك رتابة ظاهرة لا ذنب لأحدٍ بها، إنه ذنب الظروف أو السن أو الصحة، أو (لماذا نذهب بعيداً··) إنه ذنب الحياة ذاتها، وقد انتهت إلى ما انتهت إليه·
وقد اعتاد رواد المقهى النظر إليهما كغريبين· واحتراماً لغربتهما فإن أحداً لا يخالطهما، إلا بالتحية العابرة، فيما يتبادلون الرهانات في ما بينهم بأن: هذا أرمني وذاك مغربي، أو أن الأول أفغاني والثاني كردي، أو أن وظيفتهما التنصت وكتابة التقارير، أو: دعك منهما إنهما مليونيران بخيلان. وكان بعض تلك الأقاويل يتناهى إلى مسامعهما، فيتبادلان حينها الابتسامات الهازئة بعد التفاتة سريعة إلى مصدر الصوت، ويتوافقان على أن سوء الظن قديم وليس جديداً .
لقد لاحظتهما، وكنتُ انضممت مؤخراً إلى المقهى· فهما يتجاوران كالتوأم، دون أن يتقاربا في السن أو يتشابها في المظهر، لكنهما بالتأكيد يسبحان في مياه واحدة، كغريبين قادهما مصير مشترك للحلول معاً على أرض غريبة، ثم انعقدت بينهما صلة قوية خفية، انقطعا بها عن ماضي كل منهم .· إن حاجة أكيدة تشدّهما، وقد جمعتهما هذه المرة، كما في مئات مرات سابقة، على ما علمت .
وقد انقطعتُ بدوري عن المكان أياماً وأسابيع، ثم عدتُ إليه، فإذا بهما أكثر ثباتاً من أي شيء وأي أحد في المقهى، ويشكّلان معاً بقعة من هدوء ودِعَة وسط لُججٍ من فوضى وصخب .
وإذ عرفت في قصير حياتي وتجاربي أن الأزواج يتماثلون مع تقدّمهم في السن، فقد بدا الرجلان أكثر تماثلاً من ذلك، كل منهما يراقب صاحبه على مبعدة وبحرص شديد يُضاهي الحنان، لكن أحداً لا يخطىء أبداً بكلمة أو سلوك، فلا يثير حفيظة الآخر أو حتى انفعاله.
وإذ يصحُّ الاستنتاج أنهما ينتظران شيئاً ما ، أو أحداً غائباً، أو فرصة معلّقة، أو مفاجأة مبهمة، فمن بوسعه الإدعاء أنه لا يترقّب في حياته شيئاً مثل هذا؟ ولو كان الأمر غير مألوف أو استثنائياً لبدا عليهما قلق وحنق، خلافاً لحال الهدوء والسكينة الذي يشملهما، فيما يرسلان نظرات سارحة تشي بالوداع إلى حركة الشارع أمامهما على المقهى الرصيفي، ويتبادلان النظرات بين مناسبة وأخرى، ويتبادلان معها الموافقة على صحة الملاحظة، التي لا يتطلّب إبداؤها سوى بضع كلمات، وقد لا يتعلّق الأمر، أمر تبادل النظرات، بملاحظة ما، بل بحالة انكسار، بغيمةٍ معتمة تهبط على أحدهما، خاصة الخمسيني، فيسارع صاحبه إلى مواساته ومداعبته بقليل من التساؤلات وإشارات اليد، فيخرج هذا مما هو فيه معتذراً ، كأنما ينفض في الحال غباراً أسود علق بكتفيه أو فمه .
لقد لاحظتهما كثيراً جداً، وتلك عادة توطنت لديّ بكل أسف · ما إن يتكلّم أحدهما حتى يغشاه الألم، وكأنما بذل جهداً خارقاً يؤذي برنامجه الطبي، يلحظ صاحبه عليه ذلك، فيسارع إلى تهدئته وثنيه عن الكلام ( فالمسألة واضحة لا يعوزها مزيد شرح وإفاضة)،  وفي الأثناء تنتقل العدوى إلى صاحبه، يحاول الخروج عن صمته فيقع فيه تحت ضغط الألم، وربما تحت طائلة الندم .
ليس في مخايل أحدهما ما ينبئ بوقوعه في مرض، ولا بعُصاب ما، كما يستسهل البعض تصوير الأمور، فهما في غاية الاتزان والانتباه، وعلى دماثة تجعلهما يتفهمان كل خطأ يحدث حولهما، كل ما في الأمر أنهما يجتمعان على تواطؤ عقلي وعاطفي، وبتفاهم غريزي، حتى ليخيّل للرائي أنهما إذا ما حدث واندفعا في الكلام، فلسوف يفقدان صداقتهما، وعليه فلا بديل عن مواصلة اللقاء كل يوم والتجاور معاً بدأب وانتظام، لثلاث أو أربع ساعات (تغرب خلالها الشمس، فلا تسقط عتمتها في صدر أحدهما، وهو متوحد منفرد) وقد تحصّنا بصمت شاسع مديد، كأعزل يتحصّن بمعطفه السميك في معركة ، وربما لأن سوء الفهم يزداد بين البشر، كلما زادت وتيرة الكلام والحوار· وحين تحين ساعة المغادرة، زهاء التاسعة، تتهلل ملامح كل منهما، وكأن واحدهما قد أنجز ما عاهد نفسه عليه، ثم يسارعان إلى الافتراق بلهفٍ وحماسة، وكأنهما ويا للغرابة، يتخلّصان من بعضهما بعضاً .
 
1997
 
* أديب وإعلامي من الأردن.