مَشاهد

أديب كمال الدين*
 
   
مشهد يوميّ
 كلّ يومٍ تجيءُ قصيدتي مليئةً بالشمس
لتصعدَ إلى الطابقِ الخمسين
من عمارتي: عمارةِ الحروف.
ثمَّ تبدأ في غرفتي العجيبةِ بتمشيطِ شَعْرِها
وتضع أحمرَ الشفاهِ فوقَ شفتيها.
ثمَّ تتعرّى تماماً
وتذهب إلى النافذة
لتحدّقَ طويلاً في المدينة:
في طيورها السود التي ملأت السماء.
***************
 
مشهد طبيعيّ
سقطت الورقةُ من الشجرة
فتلَقّفتْها الريحُ لترسلها أنّى تشاء
***************  
 
مشهد عاطفيّ
قالَ لها وهو يركعُ أمامها،
قالَ لها والدموع تنهمرُ من عينيه:
إنْ كنتِ أنتِ الشجرة الكبيرة
فإنّني أنا الفأسُ الصغيرة
يا حبيبتي!
***************  
 
مشهد مسرحيّ
"ليكنْ حُبّكَ متوهّجاً إلى الأبد"
هكذا صرخت الممثلةُ المحترفةُ بالممثّلِ الهاوي
فوقَ خشبةِ المسرح
ثمَّ قبّلته بعمق.
فارتبكَ الممثّلُ الهاوي أمامَ حرارةِ قُبْلَتِها
وسقطتْ كلماتُه على الخشبة
كالأحجار
كلمةً إثر كلمة.
***************
 
مشهد الجنون
فوقَ الجبلِ الكبيرِ انحنى المجنون
على النبعِ ليشربَ الماء.
لكنّه بدلاً من الماء
شربَ القمرَ والنجوم.
***************
 
مشهد البهجة
اشتريتُ بستاناً وزرعتُه بالرمّان
وتركته لتنقرهُ الطيور
أو يسقط فيلتقطه الأطفالُ والمُشرَّدون.
كنتُ سعيداً
لأنني بعدَ أنْ يذهبَ الأطفالُ والطيورُ والمُشرَّدون
ألتقطُ صوتَ ارتطامِ الرمّانِ بالأرض
ثمَّ أطلقه من جديد،
في الهواءِ الجميل،
قصائدَ مليئةً بالبهجةِ والجنون!
***************
 
مشهد الموت
صرخَ القبطانُ بركّابِ سفينته الغارقة
وهم يستسلمون للبردِ والموت.
صرخَ بهم
فلم يستفقْ منهم أحد.
يا إلهي
حتّى صرخات القبطان
استسلمتْ للبردِ والموت.
***************
 
مشهد القهقهة
بعثرتْهما الريح،
وفرّقهما الفقرُ والجوع،
وحطّمتْهما الزلازلُ والصواعقُ والحروب.
لكنّهما بقيا يقهقهان العمر كلّه!
***************
 
مشهد تراجيديّ
حينَ التقتْه بعد أربعين عاماً من الفراق،
بدأتْ، على الفور،
تنظّفُ كلماته من الصدأ والغبار.
وبدأ هو، بهدوءٍ إلهي،
ينظّفُ جسدَها من الدمِ والطعنات..
 
 
www.adeebk.com
* شاعر من العراق مقيم في أستراليا.