لا تسَل

الياس أعراب*
العب يا بني؛ اضحك، مازح أصدقاءك، أركض وراء الكرة، سجل هدفا واصرخ بأعلى صوتك "اليييييااااااااااااا"، يحق لك ذلك مادمت غير مستوعب لواقعك، لا تدري ما يدور حولك، وما تعانيه أمك.
ستكبر يا بني وستسألني، ستزداد حيرتي وهمّي أيضا؛ هل سأقدر على مصارحتك؟ هل سأخبرك بالحقيقة المرة؟ ستتهمني بأنني فقط أريد تشويه صورته مستغلة غيابه، ستهجرني وربما تكرهني أيضا. هل اطمسها وأظهره بصفة البطل الشهيد؟ حين تكبر أكثر ستعرف الحقيقة يقينا، ستلومني لأنني أخفيتها عنك طويلا، ستتركني ولا استبعد أن تكرهني. في كلتا الحالتين يا بني سأكون الضحية؛ كما كنت ضحية حب أعرج، وفوارق اجتماعية لا ذنب لي فيها.
أرجوك يا بني لا تفكر أبدا في طرح السؤال، سأكون دوما أمك، أباك عمك، عمتك وجداك، فقط لا تجرح قلبي أكثر بسكين الأسئلة، لا تجبرني على الكذب. حتى وان تدربت كثيرا وأعددت الأجوبة وأتقنت حبك القصص بإتقان لن أطفأ ظمأك، ولن اشفي غليلك، ستستمر في طرح الأسئلة تلو الأخرى والمطالبة بمعرفة المزيد.
بماذا سأخبرك؟ سأقول انه عاش ومات بطلا، مات وهو يدافع عن كرامة أمك مثلا. يحاول إنقاذها من قبضة صعلوك متجبر أراد اغتصابها. سأكذب وأقول إنه مات شهيدا، دفاعا عن كرامة الشعب والوطن، مات وهو رافع شارة النصر أمام البرلمان في الأحداث الدامية التي حدثت ذات عام، ستكون سمعت عنها وقد تصدق الحكاية، لكن أنا متأكدة انك لن تقتنع أبدا.
ستسألني يا بني عن عمّاتك وأعمامك، سأقول إنه كان وحيد أسرته وجداك فارقا الحياة حزنا عليه،. ستسأل عن خالاتك وأخوالك، لن استطيع إخبارك أنني هربت منهم بعدما تنكر لي والدك..
مهما كانت القصة ستلوم أبرياء ليس لهم ذنب في يتمك، ستكره المخزن إذا ما أخبرتك انه مات في المظاهرات، وستكره الصعاليك إذا ما قلت انه مات دفاعا عن أمك؛ في كلتا الحالتين ستكره الشخص الخطأ يا بني.
أرجوك إذن  لا تسأل..
لن استطيع إخبارك انه  ما  زال حيا يرزق، لن أخبرك بأن لك إخوة ينعمون في خيراته، وأنت تعاني وتقاسي الفقر والحرمان.
 أتعلم يا بني؟ البارحة فقط وأنا أشاهد أخبار الثامنة، رأيته ببذلته الأنيقة وربطة عنقه الحمراء، تماما كما عرفته أول مرة. ابتسامته لا تفارقه، تلك الابتسامة التي سحرتني وجعلتني لأغرق في يمّ حبه. جداك اتهماني بأنني أريد جاهه وماله فقط، ولن أخفيك سرا أنني كنت أرى فيه الفارس الذي سينتشلني من الفقر الذي فتحت عليه عيني، الشخص الذي سيستلني من بين عشرة إخوة. لكن ليس هذا كل شيء، أحببته من كل قلبي، وأعطيته كل ما املك بدون تردد، وحين اخبرته بالخبر ثار في وجهي.
  بني، أتدري ما كان الخبر؟ انه خبر قدومك لهذه الحياة . استشاط غضبا وأغلق الباب خلفه بقوة بعدما اخبرني أن عائلته لن ترضى بخادمة تخترق عليهم عالمهم البرجوازي، قالها بغضب وغادر. في الصباح، رن جرس الباب، ظننته تخلص من غضبه وعاد ليعتذر، فتحت الباب وأثار الدموع ما زالت على وجنتي، فوجدت جدتك على الباب، أعطتني ظرفا وطالبتني بنسيان ابنها ومغادرة المدينة، طالبني أيضا بإجهاض الجنين الذي هو أنت.
لم افعل يا بني، وها أنت تجري أمامي ونار الألم تأكل قلبي، لم أحرمك من حقك في الحياة، لكنني غادرت المدينة كما طلبت جدتك، ليس خوفا منها لكن هربا من العائلة والأصدقاء والمعارف، هربا من حقيقة ستنغص عليك حياتك.
البارحة يا بني شاهدته يُعيّن وزيرا ، لم ادر أ أفرح بما وصل إليه؟ أم ابكي حال أبناء الشعب الذين سيتكفل شخص مثله بوضع برامج تعليمهم. 
الآن، أنت لا تعلم، وستسألني يوما ما، ولا ادري كيف سأخبرك ولا كيف ستكون ردة فعلك حين تعلم انك لست يتيما، حين تعرف انك ابن وزير.
 
* كاتب من المغرب.