الصرصور

يوسف البرودي*
 
نزلت من "الكار" في محطة الرباط متعبا. خارت قواي. أكاد أسقط على الرصيف، وفي كل لحظة أقول: سأسقط الآن. الرباط تلفها شمس صباحية ساطعة. شربت نصف زجاجة ويسكي مع متسكع قبل إنطلاق الحافلة من محطة الحسيمة. لا أعرفه ولا يعرفني. كنت أدخنّ سيجارة على مقربة منه فطلب مني ولاعة. مدّني بالزجاجة وقال: اشرب. كنت بحاجة إلى أن أشرب أو أفعل أي شيئ ينتشل شبكة عيني من الصور المخيفة التي تتراءى لي. العدم الذي استولى على حواسي وأطرافي.
صورة وجهي تنعكس على زجاج واجهة المقهى الصغير. النادل الأسمر يضع قصاصة ورق على مائدة سيدة خمسينية. هواء رطب وموسيقى هادئة تنبعث من الوجاق. لم أجد سببا لأسأل: لماذا يختنق صدري؟ عيناي حزينتان، انطفأ وهجهما، وتلف بياض الصّلب في غموض سواد البؤبؤ. لحيتي كثة. جسدي منهك. تباني وجواربي متسخة. حذائي تمزق باطنه. . سروالي أحكمت شده إلى خصري بسلك نحاسي. النادل يوزع القهوة على الزبناء بخفة، وأنا ما زلت أنتظر دوري في القهوة.
أتصفح أوراق صحيفة قديمة. مذيعة تظهر على قناة عربية بابتسامة عريضة، وفستان أسود ضيق يكشف عن فجّ نهديها الواقفين، وشامة بارزة وسط عنقها الأبيض. تحيي المشاهدين وتقول: مرحبا بكم في فلك الممنوع. سائحة شقراء جلست بجنبي، تلطخ بطاقة بريد بمداد قلم منحه لها النادل الذي لم يمدني بالقهوة بعد. أو ربما تكتب لحبيبها: لقد وصلت إلى العاصمة، وشاب تفوح منه رائحة العرق، تقعرت عيونه، يتلصص عليّ من خلف صحيفته.. أفضل أن أعود إليك.
في طريقي إلى كلية السويسي. مشيا على الأقدام. استوقفني مهاجر إفريقي كان يفترش الأرض تحت قنطرة صغيرة. قال لي" درهم ميسيو درهم درهم". أجبته:
- أنا حازق ميسيو حازق حازق.. قلت له ذلك، وأكملت طريقي دون أن ألتف إليه.
الطلبة يتدافعون أمام الباب. يضحكون ويصرخون. العساس يضع يدا على طربوشه ويدا على الباب. يدفعونه. يكاد يسقط. يصرخ: " بشوية مالكم.. هجيج". تكومت على الرصيف، أدخنّ سيجارة جنب مزهرية في أوج زينتها. تتوقف أمامي سيارة، تطل منها شابة وسيمة، بابتسامة تظهر أسنانها الناصعة البياض تسألني: 
- واش هنا ماستر (INGENIERIE TOURISTIQUE)
أنفث دخاني على ورد المزهرية. أجبتها بفرنسية مثقلة: je sais pas.
قدّام القاعة حيث أنتظر دوري في اجتياز الاختبار الشفوي لولوج ماستر "الممارسة السياسية"، كان التوتر باديا على وجوه جميع الطلبة. الذين يخرجون من القاعة يقولون بصوت مسموع: "بون شونس". يخترقون الصف ويرحلون.
رائحة الخمر تملأ أنفاسي. سلمت بطاقة هويتي للأستاذة المتحجبة وجلست على الكرسي أمام مكتبها. استجمعت قواي وأنفاسي. الأستاذة تنظر إليّ بإمعان. لاشيء يوجعني سوى الصور المشتهاة. فكرت: لماذا لا أكون مكان الأستاذة أنظر إليها بدل أن تنظر إليّ؟ سارح الذهن. أفكر في الكار الذي أقلني والكار الذي سيعيدني وورقة مائتي درهم التي دسستها في جوربي.
طلبت مني الأستاذة أن أعرف نفسي. وبعدها حدقت فيّ بإمعان وسألتني:
- تحدث عن مكانة المعارضة البرلمانية في دستور المملكة؟
النادل الأسمر، السائحة الشقراء، المتسكعون والمنبوذون، ألم مفاصلي وحذائي الذي تغير لونه بفعل الغبار. أريد أن أنسى. لماذا تسألني الأستاذة؟ لمذا تحملق في عينيّ وتدقق في أزرار معطفي الأسود؟ كم أنا حزين وسط هذا الزحام. شرعت في نقاش الفصل العاشر من دستور المملكة وتحليل فقراته. لم أكمل سرد كل التفاصيل. لقد قالت لي الأستاذة: سي بون السي البرودي.
خرجت من القاعة حاملا حقيبتي السوداء، فرحانا، ناسيا تعبي وألمي. استللت سيجارة من جيب معطفي وأشعلتها. وقفت على مقربة من فتاتين كانتا تحفظان شيئا في كتيب صغير. إحداهن تقبض الكتيب بين يديها، والأخرى تفتي عليها ما حفظته. سمينتان. أفكر: لقد انتصرت، لم أخطىء الجواب.. فسمعت الفتاة تقول لجليستها:
- شوفي شوفي شنو. قالت ذلك وأشارت إليّ بيدها.
فصاحت الأخرى:
واااااااااع سراق الزيت.. وشعرت به سكينا يمزق صدري لمّا تسلل على عنقي ليختفي بين ياقة معطفي أو داخل قميصي.
 
* قاص من المغرب.