الغليـون

عبدالله زغلي*
 
الغليون هذه الأداة الساحرة المسحورة ، تفنن الغرب في صناعتها، في شكل انسيابي معقوف، وأغدق عليها من الألوان الزيتية البهية ما جعلها تتلألأ وتتراقص في عين المُشاهد.
تنجذب إليه العيون ، وتلاحقه حيث حل ، حين يُحْـشى خزانه بتبغ زكي الرائحة، تسافر الأنوف إليه، وتقطع المسافات، لإستنشاق بعض بخوره الطيبة، وترنو إليه الحسناوات، ويلتففن حوله في خجل وحياء ، يسرقن بعض الزفرات، أو الشهقات .
هناك في مكان آخر  غليون تفنن الصناع المحليون  المهرة في صنعه، قطعة عود قُدّت من عيدان الطبيعة، خـُـرِمت من الداخل، بسلك تحرك في رحلات مكوكية ذهابا وإيابا، لكن بفنية عالية، حتى تحول إلى أنبوب تتم من خلاله عمليتا الشهيق والزفير، ثبتت على أحد طرفيه قطعة خزفية ، من إبداع صانع  متخصص، تنتهي بما يشبه " مجمر " مصغر.
يجتمع الأحبة والخلان حوله في جلسة شاعرية، كأنهم يحيون قداسا يتعلق بعقيدة جاءتهم من بلاد بعيدة، يُـدخل أحدهم يده في جيبه باحثا ، ليُـخرج بين أصابعه الثلاثة، ما حملت من خيرات، يَـدُكّـها  " بمجمر " الغليون، يوقد النار، يتعالى الدخان وتنبعث منه رائحة مقرفة، إلا أنها تنعش الأحبة والخلان ويتلذذون بها.
تناوبوا على الأول والثاني والثالث، ولم يتوقفوا حتى سقط الغليون من يد أحدهم، ولم يرد إسقاطه ، كما لم يستطع أي منهم  التقاطه من جديد .
إنه الغليون البلـدي الذي تنقل بين أفواه الأحبة، وتنقل أيضا بين شفاه المومسات، في دور قوّادات أحياء الدعارة .
ماذنب الغليون الهادئ الأمين المحب للجميع، القليل الكلام، وإن تكلم ففي أدب واحترام ، ماذنبه حتى أصبح يُلاك بين أسنان وشفاه  فتيات الليل ، يداعبنه، ويلاطفنه ، حتى جف عوده ، وانكسر ظهره ، وفقد استقامة هامته ،فأصبحن ينافقنه ، ويتندرن بشكله، وهو الذي كان عودا مستقيما يشع نشاطا وحيوية، ويخلق جو الحبور والبهجة حيث حل وارتحل، تنحني له الغواني، ويتسابقن لاحتضانه، يحظى بالكثير من قبلاتهن، ويحتويهن بيده اليمنى، يجالسهن في هدوء، ويمتعهن بحديثه الشيق، وإبداعاته التي لاتنتهي  حيث يحلق في فضاءات  أرجوانية، يستعيد ذكريات الماضي البهية ، ويتحسر على الحاضر الذي خذله، وناء عليه بكلكله .
لماذا يظلم الغليون، وهو خير جليس وأنيس، يجالسك في الدار، وفي المقهى، وأنت عِيّ تطلب بعض الراحة ، فتحشوه بما تيسر، فينعشك ويبعثك من جديد برائحة زكية طيبة، وأنت في زاوية مقهاك المفضل ، فلماذا يُحْـشى بما خَـبُث، ويخالط بنات الهوى في دور الدعارة .
هل تأخر الزمن بالغليون؟ هل أهلكته السنون ؟ هل استنفد كل شيء حتى أصبح يتنقل بين الأفواه الخبيثة، ويُرمى من ماخور إلى آخر ؟ .
 
* أديب من المغرب.