"عفن النجوم"

حميد الحريزي 
 
يسقط كوب الشاي من يده، يبتلع وعدا بشراء ملابس لزوجته وأطفاله ، تصاب العائلة بالوجوم والحيرة،  تتزاحم الأسئلة في الرؤوس ، كيف تسدد أقساط السُّلفة، من يدير المحل، من يدفع الإيجار، حليب الأطفال، مشروع الثلاجة...ديون أصحاب سوق الجملة، العملية الجراحية المؤجلة وووو ؟..
تحت لهيب شمس آب المحرقة تتدافع المناكب حوول شبابيك غرف مباني التجنيد ،لتأشير السوق، خوف التخلف عن أداء الواجب "المقدس".
مئات بل آلاف المجندين في ساحة العرضات، فوق رؤوسهم أصوات محركات الطائرات الحربية وهي تجوب سماء العاصمة، جدران ساحة العرض تهتف  "لا حياة بلا شمس  ولا كرامة بلا صدام" ،"سلاحك شرفك". 
الكل ينتظر صدور أوامر التوزيع على الوحدات العسكرية في جبهات "العزة والشرف"..
يتبختر السيد النقيب وسط الحشد المترقب . يخرج من جيبه ورقة ينادي بأسماء الغائبين،  ج.م.ح فلان بن فلان تتوالى كلمات النعم سيدي  يؤدي التحية ويصطف على جانب ليقدم مذنب . تكرر اسم احدهم دون جواب . جن جنون النقيب. يزبد ويعربد ويتوعد .. فلان بن فلان . يأتي الصوت قادما من جهة "الحمامات": نعم سيدي. يشد نطاقه ، يهرول يقف  مصفر الوجه ، يتصبب عرقا أمام النقيب  مؤديا التحية واقفا بحالة الاستعداد.
بعد سيل من الشتائم يهوي على رأسه بعصاه البلوطية اللامعة . ينكشف شعره القطني  لسقوط البيرية عن رأسه ، بيديه يحاول  ان يحمي وجهه من الضربات، تتشظى  العصا فوق رأسه راسمة بقعاً حمراء خضبت شيبته. تسري همهمة  بين صفوف الحشد، يأمر النقيب الانضباط بحمله خارجا، يستمر العرض على أصوات الأناشيد الحماسية . 
"وحنّه مشينه، مشينه للحــرب . ياكَاع اترابﭺ كافوري....يايمه  البارود من اشتمه ريحة هيل......". 
في ساحة العرض العلم يتدلى شنقا فوق ساريته الصدئة...غراب اسود يحوم ناعقا فوقه، يرسل رشقة من ذروقه مشوها نجومه الخضراء . وحنّه مشينه
 
الأول من تموز2011
 
* كاتب من العراق.