لما وصلنا

صباح اليزغي*
 
وقفنا أمامه والتوتر يسري في أجسادنا رويدا رويدا، حتى جاء الأستاذ وقال لنا بعد صمت رهيب أن ندخل صفا صفا إلى حجرة يقولون إنها كانت قسما، خالية لا شيء بداخلها سوى لوحة معلقة على الحائط يبدو أنها كانت سوداء، لكن من كثرة الكتابة عليها بالطبشور صارت رمادية تميل إلى اللون الأبيض المتسخ، وطاولة وحيدة لونها لم أعرف أن أحدده للآن، لا بد وأن أجيالا درست عليها، تكسوها ثقوب صغيرة وأخرى كبيرة  تطل على الطبقة التحتية للطاولة المكان المخصص للمحفظات، وخطوط بالأقلام في كل الاتجاهات وبكل الألوان، ورسومات وحروف وكلمات  لم نكن نعرف أن نفك شفرتها. 
 دخلنا من باب مخطط مكسور من تحت، فإغلاقه وتركه مفتوحا سيان لا فرق بينهما إلا للأستاذ والمدير فلا بد أن يجداه مغلقا كي يقوما بمناسك الفتح، كان مصبوغا بالأزرق كما بدا لي من بعض القشور التي كانت تستشهد أناملها للفراق الأخير في دخولنا الأول من عتبته، والأستاذ واقف أمامنا يأمرنا باستقامة الصف، والدخول واحدا واحدا بهدوء دون ثرثرة، ودخلنا.
لم نجلس لأننا لم نجد ما نجلس عليه، اصطففنا كما أمرنا الأستاذ على شكل زاوية قائمة درجتها تسعون مع حائط القسم المُغبر بعلم الأجيال التي مرت منه لتحمله مشعلا ينير عقولها كما قيل لنا دائما.  الأستاذ قصير  القامة، ذو بشرة سمراء وشعر فاحم، وتحت شفتيه بقعة سوداء، يرتدي قميصا أبيض يتوسط النصف الأعلى منه خط عريض بني يميل إلى السواد، وسروال جينز أزرق داكن،  ويحمل قلما أحمر فوق أذنه، وسيجارة بين السبابة والوسطى ليده اليسرى، لم تكن مشتعلة، وباليمنى عصا من الزيتون متوسطة العرض والطول، منظمة التشذيب، لا بد أن محترفا من تلاميذ المنطقة قد أحضرها له وفقا لطلبه الذي لا يقبل إلا بالترحيب والرفعة وإن كان الطلب عصا.
اصطففنا نحن وقام هو بإدارة الطاولة بشكل غير الذي يجلس عليه التلاميذ، وقعد على المكان المخصص للكتب والأدوات ووضع رجليه على المقعد ونظر إلينا. 
كانت نظراته غير المنقطعة تتفحصنا من سيقاننا إلى رؤوسنا واحدا تلو واحد، والخوف يلبسنا من تلك النظرات التي تبحث عن شيء كان محددا بذهن الأستاذ ونحن نجهله بكل تأكيد، فبدأنا نتساءل، أو بالأحرى تساءلت: أنا هل سيكون  هناك درس اليوم؟ هل سندرس هكذا وقوفا؟ ماذا لو قال لنا شيئا ولم نعرف الإجابة الصائبة؟ هل يضربنا بتلك العصا الأطول منا ونحن قصار العقول؟ كل الاحتمالات  واردة  فيما نحن نثرثر ( مع انفسنا) صامتون لا أحد يصدر ولا حتى نَفَسا يكفيه ليستمر واقفا، وظللنا هكذا إلى أن نادى على ولد وطفلة وسيمين.
اشتد الهلع بين أطفال القسم المسمرين على جداره المشقوق من زواياه الأربعة، كانت تلك البنايات التي يطلقون عليها "مدرسة"، مختلفة  في البناء عن منازل الساكنة شكلا ومضمونا، بعد ذلك فهمت أنها من هدايا الاستعمار التي تركها من ورائه كي يستنفع بها أهل المنطقة،  التي تشمل عدة قبائل متفرقة بين ربوع الجبال والسهول والخنادق التي تكثر فيها عاما بعد عام من جراء تساقطات الأمطار القوية التي تحدث انجرافا للتربة على مدى أمتار طويلة. فاحتفل أهاليها بإدخال أولادهم ثم بناتهم إليها، لعلهم يتفقهون ولو قليلا، هم أهل يرضون بالكثير في كل شيء إلا من الدراسة يرضون بالقليل، ومشاغلهم لا تتطلب من المرء إلا أن يكون عارفا لاسمه ولقبه، ويحفظ بضع سور من القرآن كي يكون إمامهم إن هرعوا للصلاة ،كي يثبتوا أنهم على  دين الإسلام  ، أويعرف تهجي أحرف الكلمات لو احتيج في قراءة استدعاء من محكمة لدعوى جار  عن الأضرار التي تسببها الدجاجات وهي تبعثر  الغبار  الذي يغرس فيه البطاطس بجوار المنزل، أو قراءة علبة تحضير دواء للزرع أو للمواشي أو للحشرات القاتلة التي تهجم على المنازل في فصل الصيف، كي تنعم ببرودة بدل شدة الحر بين الأزقة.. 
وبعد ذلك صار الناس يهتمون بإدخال أطفالهم كي يدرسوا ويعوا متطلبات الحياة بشكلها الراقي، فكان بذخهم في الشقاء يتمنون على سبيل رفضه حياة مختلفة عن التي يحيونها، لكن هذا الوعي الذي صار على شكل موضة عصرهم طلع عليه النهار، قتلته الشمس وسرعان ما أذابته حرارة فصل الصيف.. 
 كانت تلك الطفلة هي أنا، وأنا أخطو خطواتي نحو الأستاذ أحسست أنني لا أمشي بل أطير، أو أسبح في دنيا أخرى أجهلها وهي تعرفني، لا أعلم كيف حددت رجلي المتعثرة في كسوتي مكان الأستاذ فاتجهت وبصيرتي مغمضة، ووجنتي كادت تتفرقع خجلا أو خوفا اللذان سيطرا علي بغتة.
 وقفت إلى جانب ذلك الطفل الذي وقف هو بدوره بجوار الأستاذ الجالس، وأشار لنا أن نستدير عند الأطفال الآخرين الذين سيكونون زملاء الفصل، فترجل الأستاذ واقفا بيننا ثم انحنى على قدر طولنا وهو يضع يديه على أكتافنا، وينظر إلى الأطفال الآخرين بنظرات تطغى عليها الجدية المفرطة وبنوع من الغرور في تحد، ثم قال بصوت يزيد ارتفاعا كلما تخلص من كلمة: «هكذا أريدكم أن تأتوا في الأيام المقبلة، فهذه مدرسة وليست "زريبة"، فاهتموا بهندامكم المدرسي هكذا، نظفوا أجسادكم والبسوا لباسا نظيفا وأنيقا، أتسمعون ما أقول لكم؟» 
«نـعم أستاااااااااذ»
هكذا رد الأطفال على الأستاذ بصوت متحد ينبعث من حلوقهم المتلعثمة..       
 
* كاتبة من المغرب.