برد الحب

منصف القرطبي*
 
قال لي قصير السروال: أحبّـها كثيرا يا صديقي، لم يسبق لي أن أحببت سواها، هي الأولى والأخيرة؛ البداية والنهاية. 
قلت: 
- حذار إنّ سبعة أسابيع من الخوخ تتلاشى ولن يظلّ أمامك إلا البقايا. كن عاقلا وابتعد واملأ عقلك بالبحث عن شغل وعمل؛ لاحبّ اليوم إلا حبّ المظاهر والصور الزائفة .
- أنت متشائم وكئيب دائما . ردّ عليّ.
كانا يخرجان معا إلى الكورنيش. قرب البحر، على الرمل كتبا الحكاية لأوّل مرّة. يمرّ المشاة ويرونهما معا ملتصقين؛ ملتحـمـين بالقبل والعناق . مشاعر تزول مع انتهاء نبيذ الحبّ الماكر الذي ينخر حياة العشاق البؤساء. التقيا مرارا وتصافحا ومشيا إلى المدينة؛ إلى بُوشْرِيطْ قرب بريد المغرب، غير بعيد عن الساحة الممتدة الواسعة حيث الناس كالنمل يمرون مكسرين هدوء مدينة الجديدة، خادشين صمتها. شهد حبهما مدا وجزرا، فراقا ولقاءً، نسيانا وتجاهلا وكبرياء؛ وحبّا وانتظارا وشوقا. جمعتهما مائدة الحبّ في بيت الخيال ، وأفصحا لبعضهما البعض عن مستقبل علقاه على حبل الهراء بـمقابض الريح والوعود التي سقوها من مثالية أفلاطون. تشاجرا ذات لقاء ومزقا حبل الوصال، وانصرف كل واحد إلى كوخه مغلقا الباب بإحكام خوفا من برد الذكريات القارس. عاد وحمل الهاتف ليعيد الأمور كما كانت. نهل من حدائق فكره نثرا وصبّه لها في صحن الرسالة العاطفية شعرا. لكنها رفضت بل أنهكته بالتجاهل. تجرّع سمّ الغياب وبات لا ينام. البارحة شرب قنينة من الويسكي واتصل بـها. فقالت له : تزوجت يا حميد تزوجت !
هزّه الخبر هزّا، وتسكع في تلك اللّيلة حيّ سيدي موسى يتمايل من السكر الشديد، والمطر يهطل حينها على رأسه الصلبة. صرخ وعربد وضرب النوافذ بالحجارة والقنينات الفارغة. صعد إلى الطابق العلوي من العمارة، وجلس إلى صديق له وضـحكا ضـحكا يشبه البكاء.
وكان يبكي وينوح ويئنّ. إنّ الحبّ مثل الذئب الجائعِ؛ مثل الأفعى؛ لكنه بلا فحيح؛ بلا صوت؛ بلا حسّ..
في الصباح قال لي : سأبيع معطفي لأتصل بحبيبتي نادية !
نظرت إلى عينيـن الـمرهقتيـن الكابيتيـن وانصرفت. لقد أهدى حميد إلى نادية ذلك الـمعطف منذ زمن، وبات يتسكّع في هذه الـمدينة الباردة وحيدا كـأَكَـاكِـي أكـاكيفيتش ! 
 
* كاتب من المغرب.