حينما هذيت ذات مساء بارد

عطا الله شاهين*
 
قبل عدة عقودٍ بينما كنتُ أسير ذات مساء بارد، على رصيف شارع  فرعي لزيارة صديقةٍ تعرّفت عليها في الجامعة، حينما التحقت في السنة الأولى من دراستي هناك، بعدما علمتُ من صديقاتها بأنها مريضة، فأردت زيارتها لمعرفة حالتها الصحية، فقمت بالأتصال بها على هاتف منزلها قبل الزيارة، لكنّ الهاتف لم يكن يرد، فقلتُ لربما تعطل الهاتف من العاصفة الثلجية، فسرت في جوٍّ عاصفٍ، والثلج بدأ يهطل عليّ بغزارة .. كانت أنفاسي تتجمد في الهواء البارد الذي ظل يلفحني، لكنني بقيت أسير حتى رأيت امرأةً ترتدي معطفا أبيض، وفجأة اختفت فقلت لربما من البرد بدأت أهذي، لكنني صحوت ووجدت نفسي نائما على أريكة من جلد فاخر، بعدما انتهت العاصفة الثلجية وانقشعت الغيوم، فنهضتُ من على الأريكة، ونظرتُ في كل الاتجاهات، فأيقنتُ بأنني متواجد في كوخٍ خشبي بدت ديكوراته جاذبة لي، ولم يكن هناك غيري، فيبدو أنني ولجتُ إلى داخل الكوخ هربا من العاصفة الثلجية، التي أرغمتني على الاحتماء فيه، لكنني تذكّرت بأنّ دفئا غريبا كان يلسعني ليلة أمس، فذاك الدفء يشبه دف امرأة، لكنني لم أرها، فيبدو بأنني من ذاك الدفء كنتُ أهذي، مع أنني شعرت بدفء مختلف، لأنني لم أرتجف في العتمة، رغم جوّ الكوخ البارد، فقلت في ذاتي: ربما هربت من العاصفة الثلجية في العتمة، ووقعت على الأرض، أو أن تلك المرأة افترستني وولت، لا أدري، فخرجتُ من ذاك الكوخ، وسرت في طريقي صوب تلك الصديقة المريضة، وحينما رأتني رحّبت فيّ، وقالت: ما ذا جرى لثيابكَ؟ فقلت لها: لا أدري، ربما أن كلاباً هاجمتني ليلة أمس، بينما كنت أسير تحت الثلج، فقلت لها انسي الموضوع، المهم كيف صحتك؟ فقالتْ: لا بأس اليوم أشعر بحال أفضل، وجلسنا سوية خلف زجاج النافذة ننظر للحقول المكسوة بحلة بيضاء، وصرنا نتحدث عن أيام الجامعة، وقبل المغيب استأذنتُ منها، وسرتُ في طريقٍ أخرى..  
 
* كاتب من فلسطين.