جالينوس

سفيان سعيداني*
 
لم يهدأ لجالينوس بصر، لكأنها المرة الأولى التي يبصر فيها هذه الحياة الدنيا بعبث طفل يتغلغل بكيانه شوق الإستطلاع و التنقيب عن غوامض هذه الحياة العجيبة ، وانطلق في طريقه وردائه الأبيض يرفرف مع النسمات الرقيقة ، لقد كان لجالينوس هيأة متواضعة فقد كان يأبى أن يكون ممن يغدقون أموالهم في سبيل أردية مرصعة بالحرير و الديباج ، فله هاجس يؤكد له مع الأيام في عقيدته أن حياة الترف لا يجني منها صاحبها سوى ضيق الأفق وضياع الحلم والإنحياز إلى الملذات ، وعلى الرغم من حرص الإغريقيين على إدراج الشعراء ضمن منزلة رفيعة و نبيلة إلا أن جالينيوس يأبى ذلك ويأبى الإنعتاق إلى القصور والممالك وفضل أن يحتك بالعامة من فقراء ومساكين ، وكان مارا في طريقه نحو نهر تحيط به أزهار الكاميليا وعلى ضفافه نخلة باسقة مترامية الظلال حيث يجلس أصدقاؤه ينتظرون قدومه ليلقي عليهم آخر قصائده مما ارتجست به عاطفته ورؤاه . كان يسير في ذاك اليوم بتأن متأبطا أوراقه ينظر إلى الأفق متحسرا من ضيقه ، وكانت قامته الطويلة تضفي عليه نوعا من المهابة ، و شعره المصفف قد تناسق مع وجهه المشرق وعينيه الخضراوين . ولاح سوق اليونان من أمامه بضخامته ، وكان قديما لا يفضل الخوض في غماره ولكنه الآن يحس بنوع من السرور الغريب ، إنه يريد أن يرى الناس والأطفال والتجار ، وتسارعت على وقع ذلك الإقبال القاهر خطواته إلى أن أدركه فلفحته في المداخل نسمات بها روائح الزيتون والفواكه مما طرب له أنفه وخفت به روحه، ثم دخل من دون تورع فكانت الجلبة عظيمة، واستغرق النظر في طفل صغير بائس يقود مع رجل شاة لكي يبيعاها ، لقد كان طفلا بريئا جميل الطلعة والمحيا ، ثم حياه صوت فإذا به صديق قديم فرد بتحية أحسن منها ثم استكمل الطريق وأصوات التجار مرتفعة لا تنفك نبراتها، لقد لا حظ أن للعربات الجوالة هيأة عريقة فهي ركيزة هذا السوق ، تذهب أجيال وتأتي أجيال أخرى وتتواتر الأحقاب وتبقى العربات هي نفسها قائمة سائرة كأن بها تتحدى الزمان . اشترى لنفسه لوحة رائعة من مجموعة لوحات لطفل صغير كان يبيعها ليكسب بها قوت عيشه وود لو أنه يشتري جميعها فقد كانت غاية في الروعة و على الرغم من غموضها وغرابتها ، إلا أن بها تناسقا لا يفضي إلا لرموز كامنة . قدم للطفل الصغير النقود و داعب رأسه ثم حمل أوراقه ولوحته التي صارت ملكا له، ومضى في طريقه التي كان ينشدها ، وبدأ السوق يندثر شيئا فشيئا، والزحمة تخف شيئا فشيئا ومثلها أصوات التجار تخفت حينا بعد حين، وانتهى به المطاف إلى طريق أخرى ترابية تفضي بتموجاتها إلى النهر ، فانطلق ولم يثر انتباهه سوى سرب هائل من اللقالق المهاجرة حائممة في الفضاء منطلقة بحثا عن مكان آخر ذي مناخ أفضل يتناسب مع وطأة عيشها ، ثم عاد لينهمك في أوراقه ينظمها وبعد ذلك أخذ يتأمل في اللوحة العجيبة وتارة يرمق الأرض بنظرات عابرة خشية أن يتعثر،  وشغلت اللوحة ذات التداخلات الصفراء اللامعة فكره تماما، فلم ينتبه لذلك اللقلق الذي تخلف عن ركبه وقد كان متباطئا بفعل سلحفاة ضخمة كان يحملها بين منقاره الطويل، لقد انقض عليها في وقت غير مناسب، فلو تنازل عن الفضاء ليلتهمها لأضاع السرب وظل الطريق، وعندما وصل مباشرة فوق جالينوس أدرك أنه لا فائدة من حملها أكثر فانتفض و انطلق بسرعة جنونية لاحقا بأقرانه بعد أن أفلت تلك الوجبة الزاحفة ، فتهاوت كصاعقة بسرعة فائقة وارتطمت  برأس جالينوس مباشرة حتى أحس بزلزلة و ارتجاسة برق لمعت بين عينيه الصافيتين ، ثم تنهد بتهدج وسقط على الأرض مغشيا عليه فكسرت اللوحة وتطايرت الأوراق  والسلحفاة هائمة على ظهرها تحاول النهوض عبثا فلا تستطيع .
 
* كاتب من تونس، وجاليونس طبيب وفيلسوف يوناني (129 ــ 200 ميلادي).