69 عاماً على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

عبد القادر حسين ياسين *

 

الحديث عن حقوق الإنسان حديث دائم ومستمر ، بسبب تصاعد الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان العربي ، وأثرها السلبي في الاستقرار السياسي والاجتماعي والحضاري .
 إنه حديث عن المبادئ والأطر التي تحفظ حياة الإنسان ، وتصون كرامته وتحترم آدميته وتفتح له الطريق للإبداع الخلاق ، وتدفعه للنضج والتقدم.
إنه حديث عن العدالة الاجتماعية التي هي الأساس والضامن لتلك الحقوق .
فـبإهـدار هـذه الحقوق يمسي الإنسان مهانا، تتكبل كل طاقات الخلق والإبداع لديه ، 
والمشكلة تكمن في فرضية أولية أساسية ، تنبع من مدى الاعتراف المبدئي بإنسانية المخلوق البشري .
فهذا الاعتراف هو المدخل لاحترام حقوق الإنسان ، وبغيره تهون الحقوق الإنسانية لهذا المخلوق الراقي.
وموقف الدول والأفراد من هذا الاعتراف هو الذي يحدد توجهاتها، وممارساتها بشأن احترام حقوق مواطنيها .
وليست هذه مشكلة فلسفية وإنما في عمق أسباب الانتهاكات في الماضي والحاضر،
وقد أدركت الجمعية العامة للأمم المتحدة ذلك إدراكا جيدا، عند إعـداد وإصدار  "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، في العاشر من كانون الأول عـام 1948 ، إذ اشترطت في ديباجة الإعلان أول شرط لكفالة حقوق الإنسان ، وهـو "الاعتراف للمخلوق البشري بصفة الإنسان، بصرف النظر عن جـنسه، لونه، دينه ،ومعـتقـده "....
وبالرغم من ذلك فقد ضجر العالم من ممارسات الدول ، التي  ما زالت تحكمها أنظمة فردية وسلطوية وعسكرية ، تغالي في ممارسة القمع والعنف ضد مواطنيها. 
هل هذه الدول تجهل أن للإنسان مجموعة من الحقوق الملزمة، التي لا تقبل المصادرة أو التعطيل أو التأجيل بأي حجة من الحجج؟
إن لكل إنسان ، وتحت كافة الظروف العادية والاستثنائية والطارئة، الحق في حياة حرة كريمة وآمنة، وله الحق في التعبير عن آرائه وأفكاره ،  وله الحق في المشاركة في الحياة العامة، 
وله الحق في عدم التعرض للتعذيب أو معاملته معاملة حاطه بالكرامة .. 
هذه الحقوق كونية وأصيلة ، وإهـدارها هو انتهاك ومصادرة لكرامة الإنسان وإنسانيـتـه... 
نحن بحاجة إلى نـفـض تلك الفكرة التي تجعلنا ننكر حقوقنا، والمتمثلة في أن حقوق الإنسان هي مبادئ "مستوردة" ، مفروضة من الثقافة الغربية الاستعمارية كآلية سيطرة وتدخل غير مباشر... 
إنه ليس بالضرورة أن نشيد بالغرب ولا أن نعاديه، فنحن دائما نبالغ في آرائنا وردود أفعالنا.
فكما ارتكب الغرب أبشع المجازر ضد الإنسانية، تحت مبررات حمايتها من الضلال،
قام أيضا بحركات سياسية واجتماعية ، ساهمت بشكل لا ننكر تأثيره في تحرير الإنسان،
وإنه وإن كانت المصالح النفعية المباشرة غالبة في توجيه السياسة الخارجية، 
فلا بد لنا أن نتوقف عن دور المشاهدة والاستجداء ، بانتظار الدعم بكل أشكاله بما فيه الدعـم الثقافي. 
ونحن في غـنى عن ذكر تفاصيل ممارسات انتهاك حقوق الإنسان في العالم العربي ، 
فيكفي أن نذكر دكتاتورية الحزب الواحد وفتح المعتقلات متعـددة المواهب والتخصصات ،
واضطهاد ليس فقط الرأي الآخر بل الرأي ذاته ...
فمن يعـتـقـد أنه يـقـتـني الحقيقة يرفض الحوار مع الآخر الجاهـل الكافر،
بل إنه لا يتحاور حتى مع ذويه من أصحاب نفـس العقيدة نفسها أو الحقيقة ذاتها! 
والتفرقة القائمة على نبذ الآخـر سرعان ما تنقلب إلى اضطهاد هذا الآخر ...
ومن الواضح أنه لا توجد دكتاتورية أكثر كبتاً من الدكتاتورية المتسربلة بالدين ،
أيا كانت إسلامية أو مسيحية أو بوذية أو هندوسية ... 
وهذا الاضطهاد للآخر أبعد ما يكون عن احترام حقوق الإنسان، لأنه يولد خائفاً ، والخائف إنسان يهرب، يكذب، وينافق ، وبالتالي هو فاقد لهـويته مسلماً كان أم مسيحياً .
 إن حرية الرأي والتعبير  ليست غاية في حد ذاتها،بل هي وسيلة ، ومقدمة أساسية لتشكيل شخصية الإنسان اجتماعياً وسياسياً.
وهذه الحرية هي المدخل الأساسي لتكوين قـناعة ذاتية باتجاه فكر أو آخر ، وهي أمر يتشكل داخل الإنسان باجتهاده الشخصي للوصول للحقيقة ، وليس بعمليات غسيل المخ لحقـن يقينه الداخلي بقناعة متعسفة ،
فمساحة الحرية في اعتناق الآراء مساحة تتمتع بخصوصية متميزة ، وتعتبر من مطلقات الأمور الشخصية التي يجب ألاً تخضع، لأي تدخل مخل من جانب السلطات والأفراد... 

 

والفرد إذا كان حراً في إبداء رأيه فإن ذلك من شأنه، أن يوقظ في نفسه قدراته الإبداعية ، ويشعـره بقيمته الذاتية وشخصيته المنفردة ، مما يجعله قادراً على العطاء ومُرحباً بتحمل المسؤولية. 
فالإنسان الممتهن إنسان محبط عاجز عن العطاء ،
وحرية الرأي تتطلب من المرء قبل أن يمارسها أن يفكر قبل أن ينطق، 
وأن يكون على اطلاع بالموضوع قبل أن يجزم فيه برأي، 
وأن يبحث ويتحرى الحقائق...فـتكوين الرأي مسؤولية وليس عملا عشوائياً، فلا بد لأعمال الفكر للوصول إلى نتيجة تتسم بحد أدنى من المنطقية ...
وأخيرا الإفصاح بتلك النتيجة.
وهكذا يستطيع المجتمع الاطلاع على كل الظروف التي تحيط به في صدق وأمانة، وعرض كافة الآراء للوصول إلى الحقيقة وبالتالي التمكن من بحث القرارات ، بحثا مفصلا موضوعيا ، ومحاسبة الحاكم والمحكوم على أفعاله... 
وقد جاء النص على حرية الرأي في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" ،
حيث نصت المادة 19 على أن "لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير،
ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء ، دون مضايقة وفي التماس الأنباء،
والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود الجغرافية" .
وترتبط حرية الرأي بحرية أخرى هي حرية التعبير،
فهما وجهان لعملة واحدة يتطلبان حرية في البحث والاستقصاء عن المعلومات،
وتلقيها وإذاعتها دون تقـيد بالحدود الجغرافية . 
ولكي يعبّر الإنسان عما بداخله يحتاج إلى تكوين هذا الداخل الفكري،
ومن هنا فإن مصادرة منابع المعلومات يعتبر حجراً على تكوين الرأي بحرية،
ثم فتح الطريق للتعبير بحرية أيضا ...
وبدون حرية الرأي والتعبير لن يكون هناك إنسان سياسي واجتماعي ،بالمعنى الإيجابي ،
وإنما تسود السلبية واللامبالاة والانفصال الوجداني بين الإنسان والسلطة ،
أو بينه وبين المجتمع عموما ، مما يؤدي إلى تراجع الإبداع الشخصي .
إن حرية الرأي تبني الذات الإنسانية المتميزة ،فلا يقف الإنسان موقف المتفرج، 
فالمشاركة الإنسانية مظهر للنشاط الإنساني الذي يبدأ داخليا بتكوين رأي حر. 
إن السياسة المرتجلة لا يـلام عـليها الساسة وحدهم وإنما يلام عليها المواطنون،
الذين يتنازلون عن حقهم في التعبير عن آرائهم، 
فالتنازل يؤدي إلى فقدان حرياتنا واستقلالنا وامتهان كرامتنا الإنسانية،
لمجرد الاستخفاف والتقاعـس عن ممارسة حقوقنا ...
وبـعــد ؛
لقـد آن الأوان ، بعـد 69 عـامـا على صـدور "الاعـلان العالمي لحقـوق الانسـان"،
أن  نـتـوقـف عـن الاستجداء.
نستجدي احترامنا… كرامتنا وحقوقنا ، وشرعـتـنا الإنسانية. 
عـلينا أن نفـرض احترام تلك الشرعة بوعي ويقظة ،
وليرفع كل إنسان منا صوته عاليا بأنه إنسان ، بكل ما يحمله ذلك من معان في مواجهة الجميع حكاما ومحكومين .
 
* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.