45عاما على رحيل تيسير سبول

د. إبراهيم خليل*

تصادف هذه الأيام الذكرى الخامسة والأربعون لرحيل الشاعر الكاتب تيسير سبول الذي ولد في الطفيلة في 23 كانون الثاني من العام 1939 ونبغ منذ صباه في الدراسة التي أنهاها عام 1957 في كلية الحسين بعمان بعد أن برزت مواهبه في الشعر وكتابة القصص. توجه بعد الثانوية العامة في بعثة إلى الجامعة الأميركية ببيروت، غير أن الدراسة لم تعجبه فيها، فشد الرحال إلى جامعة دمشق، ملتحقا بكلية الحقوق. 

كانت تجربته في دمشق ثرية، وغنية، ومؤثرة، فقد ذُكر أنه انتسب فيها لحزب البعث، ثم انسحب منه بعد ذلك. وتزوج من الدكتورة مي اليتيم (1963) وهي من دمشق. 
بعد عودته إلى عمان 1963 حاول العمل في المحاماة، غير أنه- وقبل أن يتم فترة التدريب – أقلع عن ذلك، وعمل في دائرة ضريبة الدخل، وفي العام تفسه غادر إلى البحرين، لكن المقام لم يرق له في المنامة، فعاد إلى الأردن، وعمل في مكتبة الجامعة الأردنية مدة قصيرة، ارتحل بعدها إلى جُدَّة ليعمل في أحد المصارف.. ثم عاد بعد وقت قصير لعمان ليجد وظيفة في الإذاعة بعقد سنوي. وبعد سنوات خمس صُنف في وظيفته هذه، واستمر في تقديم برنامجه الأدبي " مع الجيل الجديد " حتى رحيله في 15 تشرين الثاني من العام 1973.
في الأثناء كان قد نشر غير قليل من قصائده في المجلات، وفي الصحف، قبل أنْ يصدر مجموعته الشعرية الوحيدة " أحزان صحراوية " (بيروت: 1966) وقد صُدم بما جرى في 5 حزيران 1967 وكتبَ رواية عن تلك الصدمة قدمها لصحيفة النهار البيروتية لتفوز بالجائزة التي خصصت لأفضل رواية عن النكسة، وصدرت في منشورات دار النهار بعنوان أنت منذ  اليوم (1968) وهو عنوان اقتبسه الكاتب من بيت شعر تبدأ به أغنية وطنية مشهورة يقول فيها الناظِم " أنت منذ اليوم لي يا وطني " ولا يفوت القارئ ملاحظة ما في هذا الاختيار من سخرية في ظلّ الأجواء التي تحتقن بها الرواية..
ومثلما هو معروف أثار رحيله الفاجع المباغت في 15 /11/ 1973 الكثير من التساؤلات عن الحوافز الغامضة لذلك الرحيل، واختلف الكتاب اختلافا غير يسير في أسباب إقدامه على الانتحار، وهذا من الأمور التي لا يستطيع أحد منا أو من الباحثين أن يقْطَع فيها برأي. والمهم أن رحيله كان خسارة كبرى مُنيَ بها الأدب العربي كونه كان قد عُرف من روايته بصفته واحدًا من المغامرين في مجال الكتابة الحداثية، أو بكلمة أدقّ: رواية ما بعد الحداثة. 
ولهذا غلَبَتْ شهرتهُ روائيًا على شُهرته شاعرًا.
 
أحزان صحراوية
مع ذلك اهتم بشعره كثيرون، مثلما اهتم بروايته كثيرون. وعلة ذلك أنه في النوعين كان مبتكرًا، وأصيلا، نستطيع أن نلمح لديه المزايا التي يتَّصف بها التراث الشعري العريق، على المستويَيْن الشكل والمضمون. ففي المستوى الشكلي – وهو الأهم في رأينا- تفيض قصائده بالسلاسة، إن كان الأمر على مستوى الإيقاع، أو الوزن، بتكراره تفعيلات تجمع بين الدقة، والتناغم الرشيق، مع الحرص على القوافي ذات الأنساق المتعددة، فهي متتابعة طورًا، ومتداخلة طورًا، ومتناوبة في تباعد طورًا آخر. مع توظيفه للصوائت الطوال على نحو ما نلحظ في شهريار، انتصار، وفي أعماق، أشواق، وشتاء، خواء، ضياء، سماء، إلى غير ذلك من تركيبات صوتية تنبِّهُ المتلقي لما فيها من تَطْريب. إلى ذلك، لا تخلو قصائده من تكرار إيقاعي يُضفي على الشعر نغمة خاصَّة، لا سيما إذا اشتمل التكرارُ على كلمات تامة، وما يوصف باللازمة، فضلا عن تكرار الحروف .
وتتجلى شاعريَّة سبول أيضًا في مستويات أسلوبية أخرى كالانزياح، الذي يشهد عليه تكثيف المجاز، والاستعارة، تكثيفًا لا يبلغُ حدَّ التعسف، علاوة على الصُوَر، التي هي - في الغالب - صورٌ مبتكرة، ولا تقتصر على ما يعرف بالتشبيه، أوالاستعارة، فهذا نموذج تطَّرد فيه الخطوط ،والأضواء، والظلال: 
يُدركني المساء 
إذ تخرج الأحزانُ في مواكبٍ 
مواكبٍ 
نحيلةً 
شاحبةً 
هشيمة المناكبْ
تحاصر الدروبْ 
وتعرف الغريبْ 
لتستقي من عينهِ 
بقيَّة الرَواءْ 
فهو لا يكتفي بمواكب الحزن، التي يتراءى فيها الأسى على هيئة محْسوسة، بل يضيفُ إلى ذلك أنها مواكب شاحبة، ونحيلة، ومهشَّمة الأكتاف، وتملأ الدروب، وتحاصر الغريب من كلِّ اتجاه، فهذه صورة للحزن تتألف من عناصر شتى في شريط يشبه الصور المتحركة التي تجمع بين الصوت، والصورة. وفي معظم قصائده يقِفُنا على صُوَر نامية، وممتدة، في بضعة أبيات. ومن الأمثلة القوية على هذا النوع من الصوَر القصيدة الموسومة بعنوان " عوْدةُ الشيخ ". تضاف إلى هذه الإشارات أنَّ  القصيدة لدى تيسير سبول بناءٌ حيٌ، ومُتنام، ينتهي في العادة بذروَة تلقي الضوء كاشفًا على ما يتخلل سائر القصيدة من مقاطع اقتضتْ الضرورة الفنية ألا تكون مُباشرة، وأنْ يكون فيها شيءٌ منْ غموض.
 
أنت منذ اليوم
على أنَّ رواية سبول، هي الأخرى، لا تخلو من بوادر تجديد ألحقت صاحبها بجيل "ما بعد الحداثة ". فقد وقف عندها كثيرٌ من نقَدَة النثر الروائي: الياس خوري، وشكري الماضي، وعصام محفوظ، وفايز محمود، وعبدالله إبراهيم، وخليل الشيخ، وإبراهيم السعافين، وغالب هلسا، وأحمد مجدوبة، وسليمان  الأزْرعي، وصاحب هذه الكلمات. ذلك لأنَّ الرواية لفتت الأنظار بما فيها من سُخرية، ومن مفارقة درامية، وبما فيها من إشاراتٍ، ونصوص مقتبسة من التراث، وبما فيها من شعريَّة ليست متأتّية من أن المؤلف شاعرٌ قبل أن يكونَ روائيًا، ولكن من حيث أنه يكتب الرواية بلغة الرواية- لا القصيدة- التي تقتربُ من لغة الحديث اليومي. فالحوادثُ فيها يعتريها التشظي، والزمن ينماز بالمراوحة، لا بالتسلسل الأكرونولوجي. فهو يكسر إيقاع الزمن التقليدي كسْرًا: مستخدما التواتر مرة، والاستباق مرة، والاستشراف مرة، والأحلام والكوابيس مرارًا وتكرارًا، فضلا عن أنه يجمع - في إطار سرْدي واحد - بين ذكرياتٍ مضى عليها زمن طويل، وأحداث تقع في الزمن الذي يروي فيه الراوي الوقائع. 
وقد يكونُ من الأخْطاء التي وقع فيها بعضُ من كتبوا عن الرواية تأكيدُهم أنها سيرةٌ ذاتية للكاتب نفسه، والمؤسف أن قسمًا منهم يعدُّ هذا مؤشّرًا على جودة الرواية، وأنَّ الكاتب يغرف من معين تجاربه. ولذلك كانت عند بعضهم رواية ذاتية، مع أن من ينظر فيها، دون معرفة سابقة بالمؤلف، لا يحتاج إلى طول تدبُّر للوصول إلى ما توصَّلنا إليه، وهو أنها رواية قد يكون في شخصية (عربي) شيء من المؤلف، لكنها - في نهاية المطاف-  رواية ينفصلُ فيها عربي من حيث هو بطل الحكاية، وراوٍ لها، في بعض المواقف، عن تيسير سبول. نقول هذا لأن وصف الرواية بالسيرة الذاتية يقلل من شأنها الفني، وهذا ما لم يتنبه إليه بعض أصحاب هذا التوصيف. ولعل هذا الاختلاف مما يُعزى إليه الاهتمام بالرواية، حتى إن بعضهم يرى فيها رواية سبقتْ- عمليًا - ما يُعرفُ برواية ما بعد الحداثة * التي يرجع ظهورُها إلى عام 1969.
 
* للمزيد انظر:Majdoubeh ,Ahmad, Tayseer Al- Sbule's You As of to Day in a Poste Modernism Context, Journal of Arabic Literature, V.32, 3, Laden, 2001, pp 289- 294      
 
* أكاديمي وناقد من الأردن.