ريتا: بدا محمود درويش كالغزال يوم التقت عيوننا ووقعنا في الحب..

وديع عواودة

 

 دعت معشوقة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، تمار بن عامي، المعروفة بأشعاره باسم «ريتا»، لترجمة قصيدته «فكر بغيرك « لكل لغات الدنيا بوصفها بطاقة هويته كشاعر كوني كبير. وشاركت «ريتا» ( 72عاما) في ندوة ثقافية بادر لها المركز الثقافي في بلدة اكسال المجاورة لمدينة الناصرة داخل أراضي 48، وذلك ضمن فعاليات آذار شهر الثقافة الفلسطينية، تزامنا مع الذكرى السنوية ليوم الأرض الذي تم احياؤه يوم أمس الجمعة.
وتحدثت «ريتا» عن موروث وحياة حبها الأول الشاعر محمود درويش حينما كان شابا يافعا في العشرين من عمره في مدينة حيفا في ستينيات القرن الماضي. رغم توالي عقود على تلك العلاقة والتجربة الشبابية المبكرة لكن «ريتا» استعادت أيامها تلك بانفعال فتاة في عمر الورد المتفتح وباحت بذلك بالقول «لم تسر في عروقي قشعريرة كما أحسست اليوم وأنا أرى أمامي المنصة تزدان بصور محمود وهو في ريعان شبابه». وكشفت عن أنها كانت عضوا في شبيبة الحزب الشيوعي وناشطة ضد الاحتلال والصهيونية في مطلع شبابها يوم التقت محمود درويش. وعن ذلك تابعت « كنت عضوا في فرقة للرقص الشعبي في حيفا أدارتها حياة توما زوجة المؤرخ الفلسطيني الراحل إميل توما. في 1963 شاركت مع الفرقة في عرض فني استضافته مدينة شفاعمرو وكان محمود قد قدم قصيدتين ثم جلس في الصف الأول داخل القاعة وقد بدا كالغزال يشع جمالا وأناقة.. فالتقت العيون وأحسست بتيار كهربائي يشعل قلبي وابتدأ المشوار». وخلصت للقول إنها امرأة محظوظة جدا بعدما قدر لها أن تلتقي وتتعرف في ربيع عمرها على شاعر عالمي مرهف الحس كمحمود درويش. وأضافت «ريتا» المقيمة في برلين في الكثير من أوقاتها «كان محمود سندا كبيرا بل مرساة حياتي، بل مصدر إلهامي الذي بفضله عرفت عالم الكلمات والإبداع ومن أجل ذلك ما زلت أطوف الدنيا حاملة رسالة فلسطين والسلام». وأوضحت أنها اختارت تلاوة قصيدة محمود درويش «فكر بغيرك» في الندوة لأنها بمثابة بيان إنساني عالمي تستحق أن تتبناه كل مدرسة في العالم مادة للتربية والتعبئة الاجتماعية. وبعد تلاوة القصيدة قالت «يبدو لي إن محمود كان يرغب بأن يبقى في الذاكرة العامة للبشرية كشمعة في الظلام».
«ريتا» التي تفهم العربية كانت فرحة لسماع بعض الفنانات الشابات وهن يغنين قصائد محمود درويش، لكنها أبدت حماسا أقل حينما سمعت طالبة في المدرسة الثانوية تتلو قصيدة «أيها المارون في كلام عابر»، معتبرة أن محمود كتبها في لحظة غضب ولو قيض له لاحقا لعدلها على الأقل.
فور انتهاء الندوة سارعت لالتقاط صور لها وهي تحمل الورد إلى جانب صور محمود درويش الذي قالت عنه في فيلم وثائقي «سجل أنا عربي» عرض قبل أربع سنوات: «بعد ست سنوات على رحيل درويش تجرأت على فتح صندوقي الخشبي الذي أودعت فيه قطعة ثمينة وغالية من حياتي. هذه الجزئية من عمري كانت صاخبة وقراءة الرسائل من جديد عملية موجعة وقاسية خاصة بعدما أدركنا أننا عالقون». 
وكشف الفيلم للمرة الأولى سلسلة رسائل حب ملتهبة بين محمود درويش و«ريتا» التي كتب لها قصيدة «ريتا» وغيرها. هذا الفيلم الوثائقي الذي أنتجته وأخرجته الفنانة ابتسام يتناول محطات في مسيرة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، عن طريق قصتي حب دراميتين، الأولى لامرأة يهودية، والثانية لرنا قباني ابنة دبلوماسي سوري وقريب الشاعر الراحل نزار قباني. ويحاول الفيلم إظهار التوتر المزدوج في حياته، الأول مرتبط برومانسيته وعشقه للجمال، وبين رمزية المقاومة الفلسطينية في شعره.
في واحدة من هذه الرسائل يقول محمود وهو في العشرين من عمره وقتها، إنه لا يكتب بل يهمس في أذن حبيبته ويتابع «صحيح أنك لست عندي الآن لكنك ما زلت معي. أسمع صوتك يعوم في نور عينيك، اتكىء على كتفك، أتناول الطعام وإياك وأضغط على يدك المستقرة بيدي كعصفور لا يرغب أن يطير. إلى أين يطير؟ من عندي إلى عندي. تماري أراك وأشعر بك كل لحظة. بوسعك أن تخلدي للنوم بهدوء دون أحلام مزعجة وبلا ظنون. أنت في غرفتي.. داخل سريري…في حقيبتي.. في كتابي.. في قلمي.. في قلبي.. وفي دمي. ثمة أمر جديد أريد أن أكشفه لك فلا تندهشي. اليوم حدّقت بالمرآة وشاهدت محمودا جديدا. أكثر حلاوة وصحة وسعادة. تماري، لن أسألك هذه المرة متى نلتقي لأننا معا.. مودتي، محمود». 
و«ريتا» تعمل اليوم مديرة لمشاريع فنية توزع وقتها بين برلين وحيفا. طيلة خمسة عقود وأكثر حفظت تمار رسائل الغزل والحب الرقيقة التي أرسلها محمود بجانب رسائلها المكتوبة بطعم العتاب. وتوضح تمار في الفيلم أنها حفظت حبها السري لمحمود درويش نحو 50 عاما لاعتباره شأنا خاصا مرتبطا بحب مستحيل بين فلسطيني ويهودية. وقالت «ريتا» لـ «القدس العربي» إنها تحتفظ بوثائق ورسائل لم تنشر بعد عن محمود درويش وكشفت أنها تكتب بهذه الأيام عن تجربتها الغنية معه. وشارك في الندوة مدير مؤسسة محمود درويش في الجليل عصام خوري، صديق ورفيق الراحل محمود درويش، فاستذكر مسيرته وتحدث عنه كشاعر وكصديق منذ الطفولة. وقال إنه لم يلتق بحياته شخصا كمحمود درويش يقبل على القراءة ومطالعة كتب تصدر حتى عن شباب مغمورين. وتابع «كان أحيانا يسألني هل تعرف فلانا فأجيب بالنفي وعندها يسأل مجددا هذا شاب من بلدتك البعنة وأصدر كتابا ألم تقرأه ؟».
كما شارك عدد من الفنانين والفنانات الشباب من إكسال وقدموا باقات من الغناء والقصيد، فيما ازدحمت القاعة بالجمهور، ورسمت الفنانة فاطمة السعدي محمود درويش في لوحة جديدة على مرأى من الجمهور خلال سيرورة الندوة.
 
عن "القدس العربي".