يوميات النساء: تأملات في الأمكنة والثقافة وطبائع البشر

عواد علي*

ليست اليوميات أدبا حديثا، ولا خاصا بشعب أو بثقافة ما دون غيرها، وإنما لها جذور تاريخية، وقد دوّن أفراد من شرائح اجتماعية مختلفة يوميات عبّروا فيها عن أفكارهم ورؤاهم وتجاربهم وتطلعاتهم، فثمة يوميات لأدباء وعلماء وثوار وجنود وساسة وقادة ورجال دين، إلخ.

وانطلاقا من المكانة المهمة التي تحتلها اليوميات في الأدب، أفرد لها “المركز العربي للأدب الجغرافي- ارتياد الآفاق” إحدى جوائز ابن بطوطة، إلى جانب الجوائز التي يمنحها سنويا لأدب الرحلة.
تعدّ اليوميات أدب اعتراف حميم تحتل فيه الذاكرة الآنية المكانة المركزية، وبناء جديدا للذات وفق جملة من المتصورات التي تحملها عن نفسها. وهي كتابة محايثة للمذكرات والرسائل مكتوبة بأسلوب سردي بالضرورة، كما يرى الفرنسي فيليب لوجون، لكنها ليست حكايات، بل تتمثل في تعاقب آثار محددة زمنيا، قد تكون أفكارا أو أوصافا، في انفتاحها على مستقبل غير متوقع يحدّ من سطوة كاتبه.
في كتابه “أقنعة السيرة” عرض الناقد حاتم الصكر نماذج عربية من اليوميات، تخص كتّابا ذكورا، ذات توجه ثقافي وأسلوب أدبي، ولم يلتفت إلى يوميات دونتها كاتبات عربيات، رغم وجود نماذج منها منشورة في كتب، مثل يوميات لطفية الدليمي “يوميات المدن”، وغدير أبوسنينة “إخوتي المزينون بالريش”، وفاتن الصراف “شجرة البمبر: يوميات امرأة عراقية”، وغيرها من اليوميات المنشورة في مدونات ومواقع إلكترونية، أو في وسائل التواصل الاجتماعي، مثل “يوميات امرأة مثلية” لكاتبة لم تضع اسمها على مدونتها، و”منزل بألف باب: أرواح نساء سوريات في بيت إسطنبولي عتيق” لثلاث كاتبات سوريات هن آيات عودة وملكة العائد وسهير ياغي، نشرها معهد العالم للدراسات في موقعه الإلكتروني، و”يوميات امرأة شابة في زمن القحط العاطفي” لعبير سليمان، و”سيلفي في محاكم مصر: يوميات أم تعول”‏ لدينا عبدالرازق.
تطوف بنا لطفية الدليمي في كتابها “يوميات المدن”، الصادر عن دار فضاءات في عمّان سنة 2009، في مدن معشوقة (بغداد، عمّان، باريس، زيوريخ، نقوسيا، وبيرن)، ومدن معادية، ومدن ساحرة، وأخرى فادحة القسوة والجمال، وهي في محنة خروجها من العراق منذ 2006، تفاديا للوقوع في مصيدة الموت المجاني.
كتبت الدليمي في هذا الكتاب عن تجربة المنفى “مكابدات التيه في فندق عدن: يوميات باريسية”، وتجوالها في أوروبا “زيارة آرثور رامبو: بيت في اللامكان.. والمتحف طاحونة المستحيل”، “زيوريخ: القصيدة التي تسمى مدينة”، “قبرص: الوليمة الأرسطية”، ومشاهداتها “ليل المتاحف في بيرن”، “مركز الفنان بول كلي في بيرن تزاوج الفن والروح مع الطبيعة”، وحياتها وعلاقاتها “في حقيبتي سترة واقية من النوستالجيا: يوميات مع الغجر السيغان على الدانوب”، “أنا المادة والاسم صورتي بينكم – حفل شاي لابن رشد: يوميات عمّان”، “الكتّاب فاشيست اللحظة المارقة: مع جان كوكتو”، “ثقافة الجدران: سيمياء القطيعة بين المواطن والوطن: يوميات بغدادية”، “يوميات الهلع والدمار – ساعتان ما بعد التقويم: يوميات بغداد”، و”تدوينات عن أسواق بغدادية”.
كل ذلك كتبته لطفية الدليمي في بوح شاعري جريء، التقطت فيه جماليات الأمكنة ببصيرة روائية وذائقة شعرية، كما لاحقت المصائر والأفكار وإبداعات الفن والأدب وموضوعة الحب “بين المدينة ومتحفها: أبديّة خادعة وزوال دائب”، “الباب: شفرة النجاة”، “الجسد- غواية الليل ومكر النهار: الرسام السويسري فرديناند هودلر”، “الفن يشتهي الحياة والتاريخ يعيقها: نيتشة والفن والنساء”، إلخ.
تدوّن غدير أبوسنينة في كتابها “إخوتي المزينون بالريش”، الفائز بجائزة ابن بطوطة للرحلة العربية المعاصرة عن فئة اليوميات (2016)، مشاهدات وملاحظات وأخبارا من قلب تجربتها اليومية في أميركا اللاتينية مع الناس، عاديين ومثقفين، باعة وتجارا وكتّابا بعضهم من بيئة المهاجرين من أصول شامية، وغيرهم من السكان الأصليين في نيكاراغوا حيث تقيم الكاتبة، وكذلك في كوبا وبورتوريكو والمكسيك وهندوراس وغواتيمالا والسلفادور وكوستاريكا، حيث أتيحت لها فرصة السفر والاحتكاك بالناس في بلدان تلك القارة الأميركية، خاصةً في أميركا الوسطى.
في كتابها "إخوتي المزينون بالريش" تدوّن غدير أبوسنينة مشاهدات وملاحظات وأخبارا من قلب تجربتها اليومية تعرِّفنا أبوسنينة في هذه اليوميات على عوالم مدهشة تفيض بصور البساطة والجمال والأسطورة، فهي تنقل ما أثارها وعلق في ذاكرتها، خلال إقامتها وتجوالها، من مجريات حياة الناس هناك بثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم بدقة وشغف ووعي بقيمة الاختلاف الحضاري والتمايزات الثقافية، من دون أن تهمل تتبع العناصر المستجدة على تلك المجتمعات التي حملها إليها المهاجرون الشوام من فلسطينيين وسوريين ولبنانيين ممن تحول بعضهم إلى أبطال وأيقونات وطنية في القارة اللاتينية، فكانوا، إلى جانب نجاحاتهم الاقتصادية، كتابا وشعراء وموسيقيين مرموقين ومناضلين وطنيين، بذل بعضهم دماءه من أجل أوطانهم الجديدة، وبرز من بينهم أيضا زعماء سياسيون كبار وشخصيات اجتماعية شهيرة.
إنها يوميات ممتعة تقرن الأقاصيص اللافتة والأخبار الطريفة والمؤثرة بالمعرفة الذكية بالمجتمعات التي تتكلم عنها، وهي كتابة تعكس صدق التجربة التي خاضتها الكاتبة عبر سنوات في عالم الاغتراب اللاتيني، وحرارة اللقاء الإنساني بين الجماعات المختلفة.
أما المهندسة المعمارية العراقية فاتن الصراف، فإنها تدوّن في كتابها “شجرة البمبر: يوميات امرأة عراقية”، وهو أول كتاب لها صادر عن دار الحكمة في لندن (2017)، تجربتها الشخصية، بأسلوب سردي يجمع بين اليوميات والمذكرات، ويوثق أهم المراحل التي مرت بها، منذ الطفولة في مدينتها البصرة، مرورا بمرحلة الصبا وما تركته الحرب العراقية الإيرانية من أثر كبير على حياتها وقراراتها بسبب النزوح، إضافة إلى إصابتها جراء القصف وفقدانها لبيتها.
كتاب الصراف فيه سرد ليومياتها أيام كانت طالبة في كلية الهندسة ببغداد، ومن ثم مسيرتها المهنية في العراق والتحديات التي واجهتها بسبب الحرب والحصار، ولكونها فتاة تعمل في مجال يعتبره الآخرون حكرا على الرجال فقط، وصولا إلى محطات مهمة في عملها خارج بلدها (الإمارات وأستراليا).
تتطرق الصراف في بعض فصول الكتاب إلى تجربتها كفتاة وامرأة تواجه تلك التحديات في مجتمع ذكوري بامتياز، وفيه بعض المحطات التي تحكي عن الحب والألم والأمل، وعن يومياتها كمهندسة وزوجة وأمّ، وعن أحلامها التي لا تزال تسعى إلى تحقيقها.
في بعض صفحات الكتاب سرد مشوّق عن البصرة وبغداد، وتوثيق لأهم الأبنية التي أسهمت في تشييدها فاتن الصراف، مثل برج بغداد، جامعة بغداد في الجادرية، وحملة الإعمار التي أعقبت حرب الخليج الثانية.
 
* كاتب عراقي، المقال عن " العرب" اللندنية. واللوحة المنشورة بعنوان " العالم بعيون نسائية" للرسامة الأردنية هيلدا الحياري.