"ولي خطوات في فلسطين" لنجاة البكري: قول في ما خفِي

بسمة الشوالي*

 

في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة تسلّمه لجائزة "القدس الدوّلية" وصف ميلان كونديرا إسرائل بأنها " قلب أوروبا الحقيقيّ، قلب غريب وضع في ما وراء الجسد"، جسدها الخاصّ، أين؟ في قلب الشّرق الأوسط، فلسطين "أم البدايات" لأنّ عينها على الشّرق الأوسط المتصدّع والّضعيف والغارق في المديونيّة والتبعيّة الاقتصادية والاستبداد السياسي الذي ترعاه هذه الدّول بذاتها سرّا وعلانية، ولأن ذلك سيكون ذريعتها الدّائمة، مثلما هو ذريعة الولايات المتحدة الأميركية على نحو علنيّ فظّ ووقح في كثير من الأحيان، للتّدخل السّياسي والاقتصاديّ والعسكريّ في المنطقة فضلا عن النّهب المنظّم لثرواته من جهة وعن كونه سوقا استهلاكيّة ضخمة، وبلا حرّاس فعليّين لما تنتجه هذه الدّول أو حتى لما تريد أن تتخلّص منه من أسلحة وأدوية وممنوعات، وإيديولوجيات قاتلة وتنظيمات غير مرغوب فيها أو جماعات متطرّفة عنيفة ترعرعت في أحضانها وتحت أعينها على غرار الصهيونيّة، والقاعدة، وداعش.. ثمّ تهديده بالحصار الاقتصادي والتجويع في حال تجرّأ على اتخاذ موقف مناوئ لسياساتهم في المنطقة كما فعل ترامب مؤخّرا في ما يتعلّق بقراره الأخير بإعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيليّ. إسرائل بهذا وغيره "دولة غربيّة" استعماريّة عنصريّة انتهجت برعاية أميركية مباشرة وأوروبيّة مراوغة سياسة التدمير النفسي والمجتمعي والحضاري لفلسطين، وسخّرت كلّ إمكانياتها العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة لتكريس ضعف الشعب الفلسطينيّ، ورعبه وتخلّفه وتمزّقه الدّاخلي وتآكل أنسجته الحيويّة وتردّي الوضع الاجتماعي والحقوقي لفئاته الهشّة خاصّة فيما يتعلّق بالمرأة الفلسطينيّة لإحكام السيطرة على مقدّراته الحضاريّة والطبيعية والبشريّة وإرهاق المقاومة على الصّعيدين الدّاخليّ والخارجيّ، ذلك أنّ "منظومة الاحتلال المتعاقبة على الأرض الفلسطينيّة بكلّ ما تضمّنته من وسائل محاصرة جعلت منها خندق حرب دائم وهو ما منع عنها رياح التّغيير." (ص7)، ومن أين قد تدخل رياح التغيير والاحتلال الإسرائيليّ قد حوّل المدن الفلسطينية إلى علب سجنيّة مغلقة شديدة الإنغلاق على نفسها وعاداتها وتقاليدها المتزمّتة وموروثها العشائريّ عبر ما أقامته من بوّابات للعبور العسير كثيرا ما تغلق لأوهن الأسباب ودوريّات تفتيش كثيرة مريعة ومداهمات مستمرّة، واعتقالات يوميّة لا تستثني أحدا وكذا عبر المخيّمات الرّهيبة التي قلّعت المواطن البسيط من أرضه وبيته ومعيشه اليوميّ وألقت به في علبة جداريّة ضيّقة ومكتظّة حيث "لا تُوجد خصوصيّة داخل البيوت ولا خارجها" وحيث " لا مفرّ من الالتصاق المرضيّ الذي جعلنا ندمن النّميمة" بحسب ما روى أحد سكان مخيم بلاطة للكاتبة زميلتِه في العمل هناك. 
 
إنّ كتاب " ولي خطوات في فلسطين"، ( صدر عن دار مومنت للنشر بلندن في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017)، للكاتبة التونسيّة نجاة بكري، ليس مجرّد سيرة ذاتيّة لامرأة تونسيّة غادرت تونس لتعيش رفقة زوجها في الأراضي الفلسطينية المحتلة  أو "أرض الرباط" كما تحبّ أن تسمّيها، بل هو رصد دقيق للواقع الفلسطيني، لجراحه العميقة التي انفتحت بأظفار أهله، لما لا نراه على وسائل الإعلام من حقائق ومواجع ومظالم تزيد معاناة هذا الشعب إلى جانب معاناته اليومية المستمرة من الاحتلال الإسرائيلي الجائر المتجاوز لكل الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية..  تقول الكاتبة: "حين أقمتُ في الأراضي الفلسطينيّة، سواء كان ذلك في نابلس أو في غزّة، اكتشفت الكثير من التفاصيل الميدانية التي لا يمكن للأخبار أو الأبحاث أن تنقلها، لأنّ معايشة الأحداث ومشاهدة تفاصيل المكان هما فقط الكفيلان بإعطائك الصّورة الحقيقيّة للحياة وحيثياتها في هذا المكان الضيّق بإطاراته المتعدّدة والشاسع بما يدور فيه من أحداث" ( ص 88)، و قبل ذلك كتبت: "كُلّما مرّت الأيّام وطالت إقامتي في فلسطين، انفصلت صورة الواقع تدريجيّا عن تلك الصُّورة المثاليّة التي تشكّلت عن بُعد في ذهني وهي ذات الصُّورة التّي تشكّلتْ في ذهن كلّ عربيّ عن فلسطين وعن علاقة كلّ فلسطينيّ بقضيّته، هي صورة تكلّلت بالقدسيّة حتى أني توقّعتُ، كما يتوقّع أغلب المتابعين من العرب، أنّ كلّ فلسطينيّ هو مجنّد وأنّ كلّ واحد منهُم لا يتوانى عن مُواجهة الاحتلال وأن رسالته "المقدسة" جعلته ينأى بنفسه عن كلّ ما يشغلُه عنها أو يُدينه..أو هكذا أردا  له أن يكون، فبحثْنا عن رمز يجمّل واقعنا ليجعلنا نرتمي في أحضان من يحتاج لمن يحتضنه ويخلّصه من شباك المحتل !" (ص 26). 

ما الذي رأته المرأة التونسيّة في الأراضي  المحتلّة خاصّة فيما يتعلّق بالمرأة الفلسطينية؟

 

بأسلوب أدبيّ ونزعة استقصائيّة بحثيّة  - ساهمت فيها طبيعة عملها "في مجالي الأبحاث والدراسات من ناحية  والإعلام من ناحية أخرى "- سردت الكاتبة سيرة خطواتها في الأراضي التي "كبّلها الاحتلال" بدءا بـ "تلك البوابات التي فرضت تلقائيّا نظام المحاصرة بوجهيها المادّي والمعنويّ والتي أوجدت ثقافة اجتماعيّة اتسمت بالانغلاق والمحافظة" ( ص 27) انغلاقا تجسّد في احتكام الفلسطيني في علاقته بابن بلده إلى عقليّة "الأنا المناطقيّة"، والنزعة الجهويّة الإقصائيّة، والطبقيّة الفادحة التي وسمت مختلف شرائح المجتمع في شقّي الوطن المبتورين: غزّة والضفّة الغربية وما بينهما وفيهما وحولهما من مخيمات فاقمت من تردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وعزّزت من الانغلاق وضيق الأفق، وخنقت إماكنات التغيير والتحديث والقطع من سلطة العادات الخانقة كالتمسّك بـ " فكرة الأخذ بالثأر والاستغناء عن المنظومة القضائيّة المتآكلة" ممّا جعل "مسلسل الاقتتال يستمرّ بين العديد من العائلات على مدى الحياة وكثيرا ما ينال من نسيج الأسرة الممتدّة فيتلفه" ( ص 28).  أشكال كثيرة يُقتل بها الفلسطينيّ في بلده ففضلا عمّا يمارسه عليه الاحتلال من سياسة "إبادة" ممنهجة وطويلة النّفس والمدى قد يُقتل أيضا بيد أخيه الفلسطينيّ فحملة السّلاح ليسوا دائما من المقاومين، واللثام، خاصّة بعد الانتفاضة الأولى، قد يخفي قاتلا محترفا يتصيّد فريسته لأسباب شخصية، يزهق روحها بدم بارد يرفع حرارة الرّوع والدّهشة في قلب زائرة تونسيّة كانت تظنّ كما نظنّ جميعا أن حملة السلاح هناك لا يوجّهون فوّهات أسلحتهم إلاّ إلى صدور العدوّ، هذا العدوّ الذي يطلق الرصاص على طفل رماه بحجر ويغضّ الطرف عن أسلحة تباع في وضح النهار في ساحة عمومية لمدينة محتلة أو في سوق شعبية على مرأى من الجميع. يسرّ العدوّ أن يقتتل الأخوة ويخفّفوا عنه مشقّة تصفيتهم الجسديّة بالقتل أو تغيبهم بالسّجن في ظلّ سلطة محليّة غائبة أو ضعيفة القبضة مقابل سلطة المقاومة التي تتولى بنفسها حماية المنخرطين في صفوفها ومن هم في دائرة ذويهم أو معارفهم أو أصدقائهم بقوّة السلاح ضدّ المواطن الأعزل والضعيف والمسكون بالخوف من استبداد بني وطنه  الساكن بين جنبيه، واستبداد الاحتلال الشنيع المحيط به..
في ظلّ هذه الأوضاع الصعبة والمعقّدة، تعرف المرأة الفلسطينية من الحيف الاجتماعيّ في واقعها اليوميّ المعيش ما ينوء به كاهلها المثقل بالمتاعب والأطفال، هذا الواقع الذي "يقع على مسافة كبيرة من تلك الصّورة التي يسعى الإعلام المحلّي، وتلك الأدوات المغرّدة خارج السّرب أن يوظّفها"، والذي يحتكم تشريعيّا إلى " قصور القوانين البالية الّتي تعود معظم نصوصها إلى عهد الهيمنة العثمانيّة والبريطانيّة وأخرى إلى عهد الوصاية الأردنيّة والمصريّة لشطري الوطن بعد حرب 1967(والتي) لم تُمكّنها من أدنى حقوقها وجعلها تتكبّد عناء الموروث.." (95)  

 

" لا أخفي أنّ معايشتي للمرأة الفلسطينيّة جعلني أتألّمّ لوضعها رغم ابتسامتها واقتناع الأغلبيّة أنّهنّ بخير وأنّ ما تقوم به لإرساء قانون لعبة العرف السائد هو من بطولاتها"، تقول الكاتبة. 
ففي منظومة تعدّد الزوجات الذي غالبا ما يكون عقابا للمرأة على أدنى تقصير منها أو نكاية في أحد من أسرتها، وأمام ما يتهدّدها من معضلة الطلاق المبنيّ على كلمة قد تلقى ذات نزوة أو حالة مزاجية عابرة للزوّج أو رغبة من أمه المتسلطة، وما ينجرّ عنه من قسوة وسوء تقدير ومذلّة من الأهل والمجتمع وحرمان من الحقوق الاجتماعية والماديّة في أبسط مظاهرها، من العاديّ جدّا أن تكون المرأة - أو تلك "المرا" بما في العبارة من تحقير للذات الإنسانية فيها وتعال ذكوريّ سلطويّ - أُمًّا "في الخامسة عشر من العمر أو أدنى تعتني بثلاثة صغار والرابع على الطريق"، وجدّة في الخامسة والثلاثين " تهتّم تلقائيّا بتربية الأحفاد وتتقمّص دور الأمّ التقليديّة التي تتفانى في تكريس نفس أساليب التربية التي نشأتْ عليها في تربية أبنائها كما يروق لها دور الحماة من سيطرة على زمام أمور أبنائها، وزوجاتهم بنفس الأسلوب الذي عانت منه الويلات وشربت من علقم كأسه" وهو ما يمثّل، في مفارقة عجيبة، غاية المرأة الفلسطينية وهدفها الوحيد من الحياة إلاّ "إذا ما استثنينا بنات العائلات الأرستقراطيّة اللّواتي يحتمين بجاه أسرهنّ ويعتمدْن على مراكز سلطة ذويهنّ أو بعض النّساء اللّواتي نشأْن في بيئة أسريّة نيّرةالعقل وهنّ أقليّة" ( 95). والكاتبة تروي قصص بعض الفلسطينيات اللاتي يبلغن درجات عليا في التعليم أو ينلن وظيفة محترمة ثمّ يتنازلن عن كلّ نجاحاتهنّ لأنّ "الزّوج بدّو هيك" أو لأنّ أمّه بالأحرى تريد ذلك "لأنّ الزواج هو أهم شهادة في حياتها" وإن كان امتياز الشهادة العلميةّ لا يغيب حين يدور الحديث عن مهر هذه الفتاة".

عديدة هي قصص النساء الفلسطينيات المقموعات الواقعات تحت سلطة ذكوريّة محكمة القبضة يسطّرها الذّكور، وتعمل النّساء جاهدات على ترسيخها جيلا من بعد جيل عبر تربية أبنائها وبناتها وفق قوانينها العرفيّة الجائرة، وتجريع من تقع تحت طائل سلطتها من زوجة أو زوجات أبنائهنّ وحتى بناتهنّ من نفس الكأس المريرة التي شربت منها وأكثر. قصص سردتها الكاتبة من وجهة نظر مقارنة تتلمّس الفروق الكبيرة بين المرأة التونسية المثقفة والعاملة والمستقلّة اجتماعيا وماليّا ممثّلة بالكاتبة نفسها نجاة البكري وبين المرأة الفلسطينية التي عاينّا معها بعضا من ظروفها المعيشيّة القاسية إلا في ما ندر. غير أنّ ذلك لم ينزع عن هذه المرأة صفة المقاومة والتحدّي والبطولة متمسّكة بالأمل في غد أفضل وبلد مستقلّ وحياة أرحم، مما يجعلها على حدّ الاختلاف مع أيّ امرأة أخرى تعيش أوضاعها نفسها وربما أقسى لكن في دول مستقلة وذات سيادة مما يجعل المشكل النّسوي على الصعيد العربيّ مفتوحا على الدوام.

* أديبة من تونس.