وجهة نظر حول دور النشر السورية في القرن العشرين

صالح الرزوق*

 

بدأت صناعة النشر في دمشق بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية. ولم يكن للمستعمر الفرنسي، أي أثر يذكر. وذهبت الفلسفة الوجودية بما عرف عنها من نزوع فرداني وليبرالي إلى بيروت، وحملت أعباءها دار الآداب للنشر. بينما ظهرت في دمشق داران متنافستان.الأولى هي (اليقظة العربية). وتخصصت بترجمة ونشر أمهات وروائع الأدب السوفييتي، و بشرت بلغة إشتراكية عن مستقبل أممي، ودعمت هذا التوجه "رابطة الكتاب السوريين"، وهي مؤسسة خاصة ومستقلة ضمت بين أعضائها مجموعة من أفضل كتاب سوريا في الخمسينات، وعلى رأسهم سعيد حورانية وشوقي بغدادي ونصر الدين البحرة، والأخوان مواهب وحسيب كيالي، إلخ.....وكانوا في كتاباتهم يدعون لدعم نضال الشعوب في التحرر من التبعية لأميركا والغرب بشكل عام.  
غير أن دار (اليقظة العربية) لم تنشر لأعضاء الرابطة، واكتفت بتقديم الدعم المعنوي لهم. وكان من أهم منشورات هذه الدارأعلام الأدب "التقدمي" في العالم مثل غوركي ورومان رولان وبوريس غورباتوف وإهرنبورغ وروزينبرغ، مع ذخيرة من النماذج الإنسانية المعروفة بعدائها لسياسة التوسع، سواء في عصر الفتوحات الكبرى أو عصر الفكر الفاشي. ومن بين هؤلاء أوسكار وايلد وبلزاك وشاتو بريان وبرناردشو وتولستوي وجورج ديهاميل. فقد كان لهذه الأسماء حساسية ثقافية من التفكير الشمولي وإحساس متميز بالطبيعة النقية التي لم تلوثها أدوات الحرب والدمار. ولكن لم تستمر (اليقظة العربية) في هذا التخصص، وانفتحت لاحقا  على منشورات دار النهاراللبنانية، وبدأت تتسرب نماذج من أسماء لبنانية بارزة. وكانت بمجملها تدعو لمحاربة الطائفية العمياء ،وتشجع دون تردد على تحرير لبنان وسوريا من أي نفوذ أميركي وغربي. وبدأت تظهر مع مؤلفات غوركي وبليخانوف أسماء لبنانية بارزة منها هشام شرابي وألبرت حوراني ويوسف الحكيم ويوسف السودا وأسد الأشقر. وهي أسماء لها مشروع محدد المعالم ومعروف عن إعادة الثورات العربية لسياقها التنويري. ويبدو أن إدارة الدار وجدت في العقل الحضاري رديفا للفكرة الأممية، ولا سيما أنه عقل نخبوي يعتمد على القرائن التاريخية لإنشاء نواة أمة عابرة لحدود سايكس بيكو. وبدا أن التحدي الأساسي لكتّاب هذه الدار كان يتلخص في شبح غرب أوروبا، وما تمثله من مخاطر لمفهومنا عن اشتراكية محلية، أو يوتوبيا تحركها الأخلاق، وتشحنها الرغبة بالتحرر. 
كان الغرب في تلك المرحلة لا يؤمن بحقوق الشعوب ويدعو للفضيلة، ويرى أن أقصر طريق لها يكون بالتوسع ونقل شعوب الشرق من النظام البطريركي المتخلف، لنظام أمومي ديمقراطي يغلب عليه الحنان والرعاية. لكن من دواعي الأسف والحزن أن (دار اليقظة العربية) لفظت أنفاسها مع منعطف عام 2000، وتراجعت لمصلحة (دار ميسلون) التي انتهت الى النهاية نفسها وتوقفت عن العمل والنشر نهائيا بعد أن قدمت أفضل نتاجات حنا مينة في عصره الوسيط. والمقصود مرحلة مؤلفاته الروائية (الياطر) و(الدقل) ، بما تمثله كلتاهما من تمجيد للرجولة ومغالبة للظروف، وبما تحملانه من قدرة على تعريب نماذج تكفلت بها دور النشر في بيروت وأهمها كازانتزاكيس (أدب الشاطئ) وأمادو (أدب الأزقة والخرابات). ويمكن القول إن مينا كان في نهاية السبعينات أسطورة أدبية، وعملت مكتبة ميسلون على أسطرة شخصياته المحببة لنفوس القراء. وقد دخلت لأدبنا العربي فكرة تعايش الخيال الواقعي مع الواقع الخيالي، كما فعل من قبل ميشال زيفاكو بسلسلة رواياته عن باردليان. عموما أصبحت مكتبة ميسلون في فترة لاحقة مفصلا هاما من مفاصل إنتاج الكتاب السوفييتي أو رديفه، ومحطة ثقافية من محطات دمشق. ولا سيما أنها تقع على محيط دائرة تضم مباني مجلس الشعب السوري، وحديقة ومنتدى ضباط الجيش، والملهى الليلي المسمى (كريزي هورس) بلافتته الضوئية البراقة الحمراء ومدخله المظلم. وإن توقفت هذه المكتبة عن العمل واستمرت بقية العلامات في مكانها، فهذا يدل (إذا استعرنا لغة بارت) على مأساة ما بعد الحداثة. وأقصد بذلك بروز المجتمع الرأسمالي بوجهه السافر، ومارافقه من عطب لحق بالطرفين: القارئ الذي أصبح واحدا من أدوات تدمير الثقافة "الحقيقية"،  والكاتب "الميت" أصلا حسب افتراض بارت.
الدار الثانية التي بدأت منذ الخمسينات هي (دار دمشق).
وإذا كانت دار اليقظة في شارع فرعي بجوار ساحة الشهداء، وعلى مقربة من مكاتب المركز الثقافي السوفييتي (الروسي حاليا)، فإن دار دمشق كانت بزاوية أساسية من المدينة التي حملت اسمها، على مسافة عدة ياردات من الجسر الأبيض أو المعروف باسم جسر فكتوريا. وعلى مرمى حجر من أحد فروع نهر بردى، ومباني وزارة الداخلية. وتخصصت بنشر وترجمة أهم مؤلفات الأدباء الصينيين، وفي مقدمتهم مؤسس الرواية الصينية "لو شين".  أضف له بعض النماذج لأدباء اوروبيين شرقيين منشقين، ومن أهمهم البلغاري نيقولاي خايتوف. وكانت (دار دمشق) مضيفة لمنشورات جامعة القاهرة، وقد وفرت لعدة عقود مراجع أساسية في الأدب والعلوم التي استفادت من سياسة الضباط الأحرار في مصر، وعملت على توفير كتب أكاديمية محايدة بأسعار رمزية. ولكن نشاطها الأهم كان في طباعة كل ما يتوفر عن الثورة الصينية، وشخصية ماو، والجوانب الإيجابية لعلاقة الإنسان بالأرض، سواء بمعنى البيت في المدينة أو الحقل في الأرياف. ويمكن أن تجد الجانبين في أدبيات شين. فهو الأب الحقيقي للواقعية السحرية (بدءا من روايته "القصة الحقيقية لآه كيو")، وربما لم يسبقه في ذلك غير الكاتب الفرنسي المعروف بشذوذه، الماركيز دو ساد. لكن لوشين أنسن العالم الداخلي للشخصيات، وكان جواب آفاق، ومبغضا للجانب الحالك من الحياة. واستطاع أن يسجل سبقا فنيا بروايات وقصص الخيال العلمي التي كتبها عن السفر للقمر، وانعتاق الإنسان من الطرف المادي والمهلك للواقع، وضرورة أن يكون فكرة كما هو مادة، وأن يكون حالما بقدر انغماسه بحياة الندرة والروتين. 
ولم تتأثر لا (دار اليقظة) ولا (دمشق) بسيطرة اتحاد الكتاب ووزارة الثقافة على سوق الكتاب. وتمكنتا من الاستمرار حتى دخول الإنترنت لحياتنا وانتشار الكتاب الإلكتروني. أضف لذلك إنشاء الهيئة العامة للكتاب التي كانت مدعومة بأموال وتبرعات من اليونسكو. ثم انحياز الشارع للكتاب الديني، وبكل تأكيد بدعم من المال السياسي، وهكذا غربت الشمس عن أعرق وأقدم مطابع دمشق. 
ويمكن الاستنتاج أن الكلمة في عقد الخمسينات والستينات كانت بشكل أساسي للواقعية الاشتراكية. ولم يسبق لسوريا أن حضنت مؤسسة أميركية تخدمها رؤوس أموال تهب منها رائحة النفط، أو ما بات يعرف باسم البترودولار.  وكانت الساحة مغلقة تماما أمام مؤسسة مثل  فرانكلين التي نشطت في مصر. وإذا كان للحداثة الوطنية وجود فيمكن أن تجده من خلال دور نشر صغيرة مثل (أجيال) و(مؤسسة الفن العالمي الحديث). وكلتاهما كانتا ضمن "الجو"، وداخل إطار رابطة الكتاب السوريين التي رعت الفكر التحرري بكافة أشكاله دون تمييز، وكانت جبهة وطنية تقدمية حقيقية، وليس مجرد مكاتب وشعارات. 
 
تشرين الثاني 2018 
 
* أديب ومترجم سوري.