.. وأنا أحيا

صباح اليزغي*
 
علمت من الجيران أنك رحلت، حين إذن ادركت سبب الباب الموصد والنافذة التي كانت دائما منشرحة الصدر تستقبل الزوار.إنها  مغلقة هذه المرة، لم أستغرب، لأنني كنت أعلم بحلول هذا اليوم في حياتي، أعددت احتفالا باذخا له، كنت أتسلح به كلما مررت بالمنزل وتوقعات بانسحاب إطلالتك بغتة كانت تنتشر بدمي في لحظات، فيكتسي فؤادي مسحة من الغضب فجأة، وينقلب إلى ألم ينخر سائر جسدي، لذلك كنت أعيش فقدانك كلما ارتفعت عيناي في لهفة إلى النافذة لاستطلاع حضورك، فأجدها مشرقة على مصراعيها، وخيالك يتوسطها بين رواق أبيض شفاف كعروس ملفوفة في زيها المبهرج يوم عرسها، وأنت جالس على كرسيك تنتظر قدومي في تلك الساعة التي عودتك عليها وغروب الشمس يخبر بدنو وداعها للقاء يتجدد بها في اليوم الموالي، فأتوقف في عقبة الطريق المنحدرة إلى البيت لأتأمل منظرك. المشهد الذي كان ينسيني ما تركته خلفي، أثبت على مكاني باسمة  فتسبقني هزة من رأسك إلى التحية وظل يديك شامخ. في تلك العقبة التي كانت تفصل بيننا كنت أشعر بروحي ترتفع، تطير وتسبح في الفضاء فتقترب من القمر ، وضوؤه يغمرني بسعادة شاسعة. كنت أحس بروحك أيضا تسمو فرحا لدقائق، فكانت تحسب علينا بأعوام، تلك ما كانت تعلن عليه نظراتنا في ابتسامتنا النقية. كم كنت أهوى تلك اللحظة، فهي الوحيدة التي ظلت بعد رحيلك أتنفس على ذكرها لأعيش ما تبقى لي بعدك. هل أقول الذكرى السعيدة أم الأكثر ألما  على أحشائي؟ فأنت ظللت كسهم مغروس بصدري، لا آتي على التنفس إلا وذكراك تثقل كتلة الهواء بين أضلعي، فأطيل الشهيق.. علني أتخلص من الغصة التي تقف في صدري، لا هي تهبط ولا هي تتدفق إلى الخارج وتخلصني من قرحتها المؤلمة.
 سكنت أعواما بداخلي، كما كنت أسكن في نظراتك التي كانت تنتظر  زياراتي إليك، لم أخلف الوعد لك وأنت أيضا لم تخلف الميعاد. لم تفارقني في أبسط الأشياء التي أقوم بها في يومياتي التي اعتدتها  دون ابتسامتك، والتي كانت كل زادي الذي منه أقتات في يومياتي بعدك. لا تخف أنا ما زلت عند وعدي، أقيم لك محفلا كلما اختليت بنفسي، أشعل شمعات في قلبي ، وأترك العنان لروحي كي ترقص كيف شاء لها القدر  أن تصرخ.. 
 
* كاتبة من المغرب.