هواجس الذات الساردة وأفق اللعب الفانتاستيكي في قصص مغربية *

د.محمد المسعودي*

وهي: علَّق القصة وغلَّق الباب، لعبد الواحد كفيح،

إلى صديقي باشلار، لإسماعيل بويحياوي،
خيبة...، لعبد الحفيظ مديوني،
زوبعة فنجان، لليلى مهيدرة،
الشبيه، لعبد الغني صراض.
فأين تتجلى هواجس الذوات الساردة في هذه القصص؟ وكيف يتمثل اللعب الفانتاستيكي فيها؟ وكيف يعمل هذا البعد الجمالي على تشكيل قسمات القصة؟ وهل ينجح هذا المكون الفني في تصوير هواجس الذات وتعرية التباس علاقتها بالواقع كما تتمثله وتنظر إليه؟
انطلاقا من هذه الأسئلة سنقارب هذه القصص ، ونرجو أن يكون هذا التناول قد لامس بعض الخصائص الفنية لهذه النصوص السردية.
في قصة "علَّق القصة وغلَّق الباب" يشكل القاص عبد الواحد كفيح عالمه المتخيل استنادا إلى افتراضات وتهيؤات تخص بطل قصته وراويها. إننا أمام شخصية كثيرة السفر والسكن في غرف الفنادق، تجد نفسها، يوما، وهي تحلم أثناء إغفاءتها بنماذج إنسانية مختلفة، ربما نامت في الفراش ذاته الذي تستلقي عليه، وتحركت في مجال الغرفة نفسها. وعبر هذه النماذج المختلفة يقدم السارد لعبته الفانتاستيكية القصصية، ويبلور نظرته إلى ذاته منظورا إليها من خلال الآخر. وعن طريق هذا اللعب السردي يتمكن من تصوير التباس علاقته بالواقع الذي يتخبط فيه، وتسليط الضوء على ضجره من طبيعة الحياة التي يحياها. إننا أمام ذات تهجس بالسأم والضجر، وترى في نمط اليومي الذي تعيشه حالة غريبة، ومن ثم تجعل من حكايات الآخرين المفترضة أفقا للسخرية وتعرية الذات وتعرية عفن الواقع. وهكذا يتحول اليومي، والمبتذل فيه، إلى نوع من الغرابة. وبهذه الكيفية يخرج اليومي من بعده الأليف ليصير حالة شاذة عبر لعبة الفانتاستيك. وهكذا يجعل متخيل القصة من معيش هذه الشخصية مرآة للآخر، ومن معيش الآخر مرآة للذات. ولعل مكر الكتابة يجعل من هذه الحالة الفردانية حالة عامة عن طريق التداعي وإمكانية التكرار. وبهذه الشاكلة يتمكن البعد الفانتاستيكي من تحويل المألوف إلى حالة ملتبسة محملة بالغموض والغرابة. وعن طريق الوقوع بين تخوم الواقع والمتخيل، والأليف والغريب يتمكن النص من تحقيق جماليته السردية الخاصة، ويتمكن السارد من تعليق قصته على مشجب القلق والسأم، والتدبر في أحوال الذات وذواتها المضاعفة، وفي الآن نفسه يسعى إلى غلق بابه، لكن الأشباح والأرواح القصصية تقتحم عليه عزلته، وتقلق نومته، ومن ثم تجعل قصته حركية حية لا يمكن ركنها أو تعليقها.
أما قصة "إلى صديقي باشلار" فيبني كاتبها إسماعيل بويحياوي أفقه الفانتاستيكي من خلال خطاب موجه إلى غاستون باشلار الباحث الفيلسوف والناقد الفرنسي المعروف، كما نفترض، لكن هذه الشخصية التي يستحضرها الكاتب تظل في الظل، وفي خلفية المنطوق القصصي لأن السارد يكتب ذاته، ويبوح بهواجسه وانشغالاته. وحضور باشلار بهذه الكيفية كان حافزا على الحكي، وطرز خيوط النص القصصي بعوالمه الفانتاستيكية وتداعياتها. إن استدعاء باشلار يتم عن طريق استحضار حديثه عن شعرية النار وطقوسها. وسارد القصة أو ذاتها الفاعلة الأولى تخلق طقسا خاصا للاحتفاء بالذات، والهروب من عالم لا ترغب فيه، ولا في العودة إليه. وتصبح الكتابة باعتبارها اشتعالا للذات واحتراقا في أتون لظاها المدوخ المسكر عالما فانتازيا بديلا تجد الذات الساردة فيه ذاتها، وهي تسترجع لحظات طفولية ترتبط بمتعة إضرام النار، والتلذذ باشتعالها بعيدا عن الآخرين، عن الرقباء. يقول السارد مصورا تلك اللحظة:
"ولما يستقر في روعي أنني بلغت ذروة فراري، أثقل الخطى ثم أجمع حطبا، وأرتبه في مكان لا تطاله الريح. أخرج من جيبي علبة عود الثقاب التي سرقتها من بيتنا، أنظر مليا للأسد الأصفر المكشر في وجهي، وأقدح العود تلو العود حتى تشتعل لي نار صغيرة مثلي. وعندما تكبر وتزهر. وهي طبعا صغيرة يا صديقي مثل النار التي في أسفل هذا النص، أقف أمامها جامدا كأنني في طقس لا أفهمه. أتحول إلى شخص جميل جدا، وساكن جدا، ولطيف جدا. شخص أعرف أنه كان يختبئ في جسدي، ويتحين فرصة التحرر المؤقت مني. ربما هو من يدفعني للهرب من الناس، ربما هو من يخطفني مني مرة مرة. كانت تستيقظ في دواخلي أفكار قادمة من زمن بعيد ضارب في الغموض، زمن بسيط ودافئ يشملني ويمدني بالفرح كأنني جمرة سعيدة بين إخوتها الجمرات التي سلخها البرد والصقيع عن لهبها. لا أعرف ماذا يقع بعد ذلك، لكن حين تخبو الجمرات وتفقد لهيبها، يعود إلي الطفل الهارب من الناس". (القصة، ص.94/95).
هكذا ترقى لغة السرد عبر هذا الاسترجاع، وعبر الأفق المتخيل المستنِد إلى مخاطبة باشلار إلى مستوى بين من الشاعرية الثاوية طي سرد هادئ، متزن، تصويري/ مشهدي، غير أنه يلتهب، ويشتعل في ذاكرة القارئ ليشكل تداعيات لصور متعددة الألوان، متنوعة الأشكال في سياق لا يخلو من غرابة، ومن فانتاستيكية تقتضيها لعبة الكتابة، التي توحي بطقس وثني/ بدئي، وهي تنفتح على متخيل النار وتشكلاته في الشعرية الإنسانية، وفي ملاحمها الكبرى.
أما قصة "خيبة" لعبد الحفيظ مديوني، فتذهب إلى مسار آخر من مسارات الفانتاستيك. إنها تحكي عن خيبة بطلها الميت، تحكي عن شخصية نال منها هازم اللذات ومفرق الجماعات. ميت خاب أمله في كل من حوله حتى وهو ماض نحو قبره محمولا على الأكتاف. تستعمل القصة ضمير المتكلم، وهو ضمير يرتبط بالراوي، أو الشخصية المحورية في متن النص، ومن ثم يجعل من محكيها محكيا ذاتيا بامتياز يتمركز على هواجس هذه الذات الساردة ومعاناتها حية وميتة. وعبر الأفق الفانتاستيكي نكتشف مكامن داء هذا الفقيد وسر أزماته, وعن طريق طاقة المتخيل في تشكلاته الغريبة غير المألوفة نقف على المألوف الذي فاق غير المألوف غرابة وفجائعية. كان البطل يحسب أن لأياديه البيضاء على أهل قريته تقديرا واحتراما، ومن ثم كان يظن أن جنازته مهيبة تليق بما أسداه من خير لأهل بلدته، لكنه حينما أطل من ثقب في كفنه، لم يجد في موكبه سوى ثلة من الرعاع، من بينها شخصيات طفيلية في قريته، منها الفقيه والسمسار والبقال. وهي شخصيات تغتنم الفرص كلما مات أحد، إما لتتخم طعاما أو لتحمل مالا (حال الفقيه)، وإما لتمتص مال أسرة الفقيد وتتاجر في إرثه (حال السمسار)، أو لتغوي الأرامل وتوقع بهن (حال البقال). وهكذا حينما طلب الميت من أحد حامليه أن يسرعوا به إلى قبره، وقد امتعض ممن يرافقه، وازدادت خيبة أمله في الدنيا؛ وإذا بالمرافقين يلقون بالنعش على الأرض، ثم يولون الأدبار. ولما عاد الميت إلى بيته، وجد زوجته تعد الكسكس للمعزين، وتملأ الصحون بقطع كبيرة من اللحم، ولم تبد الزوجة استغرابا كبيرا من حضور زوجها، غير أننا من خلال سؤالها نستشف خيبة أملها، ولا شك، كما نلمس خيبة أمل الميت العائد من كل الناس. يقول السارد:
"لم تثر عودتي عندها أكثر من نظرة استغراب خاطفة. وسؤال يشي بالتبرم والاستخفاف من حاصل الأمر، قالت: "لماذا عدت يا رجل؟ ما الذي جرى؟" شعرت بحزن شديد وأنا أكتشف أن كل القوم، بمن فيهم أقربهم إلي، قد خاب ظني فيهم".(القصة، ص.97/98)
هكذا تسرد هذه القصة عبر لعبتها الفانتاستيكية هاجسا من هواجس ذات ساردها/ بطلها في إحساسه الفادح باختلال العلاقات الإنسانية في مجتمعنا المعاصر وتراجع كل القيم أمام مغريات الحياة: الطعام والمال والجنس. وهكذا نرى أن لعبة الكتابة كانت لعبة تعرية واقع من خلال التركيز على بوح ذات مضت إلى أقاصي الغرابة لتقف على هول ما يقع ويجري من حولنا.
ويتخذ فانتاستيك القاصة والروائية ليلى مهيدرة من زوبعةٍ في فنجان قهوة منطلقا لتشكيل متخيلها في خفته، وفي عمق إشاراته إلى وقر الواقع وثقله. وهو اشتغال آخر على الأشياء والتداعيات المرتبطة بها، كما وجدنا عند إسماعيل بويحياوي في توظيفه لمتخيل النار أفقا لتشكيل نصه القصصي. وفي قصة "زوبعة فنجان" يمضي المتخيل في رحابته الفانتاستيكية إلى تخوم بعيدة من الحلم، ومن الرؤى التي تغرق فيها الذات الساردة والشخصية المحورية في القصة، بحيث تبدو الذات في علاقتها بالعالم الخارجي على غير وفاق، وتبدو الأشياء في منظورها ذات أبعاد مسخية: إن الفنجان يصبح مشخصا، يرصد تحركات السارد ويتربص به. بل إن هذا الفنجان العادي الذي اشتمل على قدر قليل من القهوة يمتلك طاقة هائلة على التحول إلى طوفان يُغرق كل شيء من حوله، وهو يمارس تحولاته وتعدداته عبر مرايا متخيل غريب ينظر إلى أغوار الذات الساردة من زاوية فانتازية، ويشي بنظرتها الرافضة الشاجبة لما يقع من حولها في عالم الواقع. وبهذه الشاكلة تبني القصة رؤيتها، وهي تشخص ما يعتمل في أعماق الذات الساردة من خلال اتخاذ أشياء العالم (هنا الفنجان) معادلا موضوعيا، وبؤرة لتشكيل متخيلها القصصي. تقول الساردة في مقطع دال من القصة:
".. بدأت الفناجين الأخرى تكبر أكثر في تسارع مع القهوة بداخلها. كانت القهوة أكثر تسارعا في التزايد. الفناجين تكبر. والقهوة تسيل. المرايا المعاكسة تحولت لشلالات سوداء. الزبائن غارقة في حواراتها. علا صوت الشلال في اللحظة التي ارتفع فيها صوتي لتنبيههم. لا أحد اهتم لصراخي. الرجل صاحب البذلة الرمادية يقلب جريدته ولا يكترث لركبتيه الغارقتين في السواد. المرأة التي تحاول إقناع رفيقتها باقتناء أدوات التجميل من مجلة إشهارية لم تنتبه لانجراف عربة صغيرها بهذا السائل الأسود. أنا أيضا أحسست بذلك الدفء يتسلل لحذائي. حاولت اقتلاع قدمي من الأرض. لم أفلح. صرخت لكن صوت الشلال كان أقوى. كان الصوت يشبه هدير الطائرة. تحسه يتغلغل إلى أذنيك ليمنحك إحساسا بالصمم. مالي والعالم، لأنقذ نفسي من طوفان السواد.." (ص. 100)
بهذه الشاكلة تبني القصة عوالمها الفانتازية السوداوية الطابع لتصور برمزية شفيفة انتشار السواد والمسخ في واقعنا المعاصر، بل وتلح على تصوير حالة اللامبالاة وعدم الاهتمام أمام صرخات التحذير مما يجري الآن وهنا، ومما يقع من حولنا وفينا من تشوهات. وبهذه الكيفية كانت القصة إدانة لواقعنا الفظ الثقيل بمتخيل خفيف الإيقاع، شفيف الرموز.
ويستدعي القاص عبد الغني صراض في قصته "الشبيه" لمحات من الكرامة الصوفية، وإشارات من طقوس هندوسية، ويبني متخيلا رحبا في قصته، وهو يصور معاناة بطله/ سارده. ويركز على إبراز ارتياب هذه الذات الساردة في قناعات كانت تؤمن بها، بحيث تتساءل في بداية النص، طارحة سؤالا إشكاليا كان الشرارة التي انطلقت منها الحكاية وتشكلت في أفقها عوالم النص الفانتازية:
"أية حماقة تجعلني أومن بأن كل الأشياء لا تشبهني؟" (القصة، ص. 101)
بهذه الصرخة الرافضة المحتجة تنكر الذات الساردة تفردها وتميزها عن العالم، وتؤكد شبهها بأشياء العالم، وبمخلوقاته الظاهرة والخفية جميعا: الأرض، السماء، الإنس، الجن، الملائكة، والعفاريت وكل الأشياء التي تحوم حول هذه الذات وتحتلها، هذه الأشياء التي تشي بالرعب والوجل..
وانطلاقا من الحديث عن التشابه، وعن تكرار أحاديث المقهى، والروتين اليومي يعرب السارد عن أمنية التماهي بالولي الصالح "مول المزمار" كي يتحرر من علبة واقعه، ومن شرنقة ذاته، ليصير صاحب كرامات، وموزع بركات على الراغبين فيها. غير أن هذا لم يتحقق له، بل إنه ينتهي إلى أن وهم تشابهه مع ما يحيط به محض وهم وخداع، وأنه في خوفه ووحدته وخيبته، فهو وحيد في العالم المحيط به، وأنه من غير شبيه.
بهذه الشاكلة يشكل النص عوالمه القائمة على المفارقة بين ما يقع خارج الذات، وبين ما تستبطنه هذه الذات من أحاسيس وخواطر ومشاعر. ومن خلال هذا المتخيل الذي يغوص في كشف الحالة المضطربة لبطل القصة تتمكن القصة من صنع عوالمها الفانتازية التي تستدعي، كما أشرنا في بداية قراءتنا لهذا النص، الكرامة والخرافة والأسطورة لبناء عوالمها.
انطلاقا من كل ما سبق نتبين أن ما هيمن على الاشتغال القصصي في النصوص التي درسناها هو هواجس الذوات الساردة، وما يقلقها ويشغلها في حياتها اليومية. وقد اتخذت هذه الذوات من الأفق الفانتاستيكي إمكانا سرديا يمكنها من الكشف عن معاناتها وهمومها وانشغالاتها الحياتية، وعبر هذا الأفق تمكنت من تقديم نظرتها إلى الواقع كيفية تمثله، ومن خلالها استطاعت تجسيد موقفها مما يجري الآن وهنا، وفي العالم.
 
* كتاب جماعي، القصة القصيرة (قريبا من النص)، إعداد محمد العتروس، منشورات ديهيا، أبركان، 2018.
** قدمت هذه القراءة في ملتقى أبركان الخامس للقصة القصيرة، وكان تحت شعار: القصة القصيرة: قريبا من النص، 24 و 25 مارس 2018، وتم الاشتغال على النصوص الخمسة قبل أن يشملها الكتاب، ودعت ظروف نشر القراءة الإحالة على صفحاته لمن رام قراءة هذه القصص. 
 
* محمد المسعودي ناقد من المغرب/ طنجة.