هنا كما لم أكن!

يوسف البرودي*

 

تجولتُ في شوارع الحسيمة حوالي ساعة. عند باب الملعب الكبير لاحقتني كلبة فرتّ من قبضة صاحبها، كان واقفا عند عمود إنارة وقد رمى نظره خلفه في إلتفاتة مثقلة، وكان قلبي يخفق باستمرار إلى أن لذتُ بثلة نساء كنّ واقفات أمام حانوت المثلجّات ينتظرن دورهنّ في "تبريد القلب". لمّا إلتفت ورائي رأيت الكلبة تنط إلى أعلى كأنها تقبّل وجه صاحبها وهو يمرّر يده على ظهرها ببطء وحذر.
حين خرجتُ إلى الشارع الرئيسي كانت أشعة الشمس تسقط على رأسي حارقة كلهيب جمرة. أمشي وأتخاصم مع نفسي في صمت. لماذا فررتُ من الكلبة؟ أسأل نفسي صامتا وأمضي. الناس والسيّارات وواجهات المحلاّت أحملق فيها دون أن أعير لها إهتماماً. أنظر إليها وأمضي كأنها سقطت خلفي ولن تعود. هكذا إعتبرت الأشجار الواقفة على قارعة الطريق ، تسقط ولن تعود، حين تفوتها الحافلة التي سافرتُ فيها أول مرة. إلى أن رجعت من رحلة السفر فرأيت الأشجار واقفة وأن ماكان يسقط خلفي فقط هو لحظات من عمري التي مرت ولن تعود. 
سائح أجنبي، أشيب الشعر طويل القامة أحمر الصدر يشبه رجال الهنود الحمر، معه سيدة شقراء يطل نهديها المترهلين من قصميها الأبيض الشفاف، يسألان شرطيا بلغة لم يفهمها الشرطي ورد عليهما بلغة الإشارات فودّعاه، وراح السائح ينفض عنه حبات الرمل التي إلتصقت على ساقيه وأخمص قدميه الحافيتين.
الآن.. أميمة الخليل تغني "عصفو طلّ من الشباك".. أحببت أميمة منذ أن رأيتها على غير بعيد من مرأى عينيـ وهي واقفة بشموخ على منصة ساحة الشهداء بالحسيمة، أتذكر يومها أني كنت طفلاً لم يركب مقطورة الرابعة عشر من قطار عمره بعد، سرقت علبة سجائر"وينستون" وصديقي سرق ورقة عشرين درهما، إشترينا "بيرتان" وقصدنا الساحة لنشرب نخب العصفورة وهي تطل بخجل على الساحة.
أكاد أختنق في الغرفة أشعر كأنها معزولة عن الهواء. أحسّ بتنمّل في ساقي. أصابعي ترتعش دونما سبب وكأن يدي تغرس فيه آلاف الإبر ولا تنغرس. لي رغبة في الشرب ولا أشرب. لا أصلح للرقص ولا الغناء. حين أسكر أبول على نفسي وأتذكر حياة الكلاب.السكارى الرائعون والسكارى الشياطين كلهم يسكرون ويبولون على أنفسهم أو على سراويلهم.
سأصعد إلى السطح، أنظر إلى بحر السواني وأكسر الأضواء المشعة في هذا الليل الكئيب. وأنشد لدرويش:
"نلتقي بعد قليل 
بعد عامٍ
بعد عامين وجيلْ.. "

 

 
* قاص من المغرب.