هادي العلوي..عرفانيّة نقيّة

د. عـبدالقادر حسين ياسين*

 

 
في 27 أيلول 1998 . غـيـَّب الـمـوت المفكر العراقي الكبير هادي العلوي... 
نحن في رحاب رجل درس الأمس لمعرفة اليوم ، واخضع قيم اليوم لمحاكمة تجارب الأمس، 
تعامل بوضوح صوت ونقاء فكرة، 
لم تمنعه عقيدة انتماء من قول الصدق ،الذي يتوافر عليه في درس آو بحث ان تأمل، 
اخضع ثقافته إلى المساءلة، واشتغـل في الفلسفة كؤرخ، وفي التاريخ كفيسلوف، 
اهتم بالتراث الإنساني والعربي خاصة ، وقرأه قراءة معاصرة .

 

عاش هادي العلوي متغربا بين دمشق وبيروت والصين، 
عفيف اليد واللسان، صوفي السلوك والأهواء، 
لم تغره مكانته على استغلالها لمصالح شخصية، ولم يبحث عن الأضواء والشهرة .

 

ذلك هو هادي العلوي، الذي ولد في بغداد عام 1932، وتوفي في دمشق في 27 أيلول 1998 . 
تخرج من كلية الاقتصاد  جامعة بغداد عام 1956، 
نشر أول بحث له في مجلة "المثقف" عام 1960 ، في موضوع عن أبي حيان التوحيدي. 
كان غزير الإنتاج، يقف على أعتاب التراث ويحاكم الواقع. 

 

كان العلوي مثقفاً كونياً ، رفض رفضاً قاطعاً العلاقة مع السلطة  ، متجها إلى التوفر الهائل عن أسباب المعرفة وشروط المعرفة. 
كان معجباً بكل الشخصيات الثورية ...

 

وأنت تطرق باب بيته الخشبي المتواضع في دُمـَّر، تواجهك كلمات بالصينية تحمل اسمه ومنديله،
بما معناه سليل الحضارتين، 
وحين تدخل صومعته الصغيرة، منزله الأليف ، تراه يرتدي الدشداشة العراقية ويجلس وراء طاولته ،
التي علتها العديد من الكتب والقواميس والأوراق والملفات ، يطالع بنهم أو يواصل أبحاثه ودراساته المعمقة والمتنوعة ومشاريعه المهمة .
يسافر إلى الماضي البعيد ويستلهم منها ما هو جديد ومفيد، ويستنطق تلك الشخصيات الفذة ،
التي تركت بصماتها واضحة على مرّ التاريخ والعهود .

 

كثيرة هي الحلقات التي أقامها العلوي، "الفصل بين الدين والسياسة"، و "الفصل بين الدين والدولة". 
لكن الأشد وطأة على النفس والمشاعـر هو "تصوفه" الثوري الشامخ، 
عرفانيته المستزادة من المعارف، في نقد الأصول، 
والتشكيك بالجذور، ومسألة الهوية. 
فليس غريباً ان يُنفى ويُقصى من العقل العربي. 
فهذا الصنف من المفكرين والمثقفين الجذريين، هم مقصيون على امتداد التاريخ المديد والمعاصر. 

 

تمكن العلوي من إفراغ حمولته الأساسية، وربما لم يسعفه العمر بالمواصلة التي لا تنتهي، 
لكنه ترك وعياً عميقاً في استنطاق الموروث، فترك حمولة صدامية، وأسئلة توقظ نومنا، 
وتقصي اطمئناننا على الحاضر النائم، وانعدام القدرة على النقد.

 

 مثقف جذري بالوفاء للصوفية تبدى وكأنه وفاء للحلاج، 
إشكالية ما بعدها إشكالية بين المثقف الجذري والحاكم، 
عرفانية نقية خالصة : 
"أجوع مع الجائعين، فذلك هو شرط المعرفة، 
وألتحف المنافي، فذلك هو شرط الحرية." 

 

أثاث منزله البسيط: صورة لماركس، أخرى للينين، غيفارا، وصورة افتراضية لكونفوشيوس، 
قصائد وكتابات مبرْوَزة، طاولة ونظارات سميكة، 
عدسة مكبرة، معاجم ، أوراق ، مراجع ، رسائل، 
هي بمجموعها كناية عن إرثه للأسرة، الزوجة التي تقاسمت معه المخاطر وشظف العيش والذكريات، 
والفرح المسروق من زوايا الفقر والالتزام بالحياة ، 
قاسمته الحياة والوفاء، وقاسمته حبه اللا محدود للفقراء والجياع. 
كان شعلة متوهجة ، يكتب ويهمش ويبدي الرأي في الكثير من القضايا المطروحة. 
كان ينتج وكأنه في سباق مع الزمن، وكان يريد أن يخلّف لنا شيئاً من روحه وقد فـعـل. 
 
(الصورة المنشورة لهادي العلوي)

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.