نيبول.. الـشعور بالدونية تجاه الغـرب

د.عـبدالقادرحسين ياسـين*

في الـحـادي عـشـر مـن آب أغسطس المـاضـي غـَـيـَّـبَ الـمـوت الـكـاتـب والروائي الهندي الأصل البريطاني الجنسية المولود في ترينيداد والحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2001، فيديادار سوراجبراسـاد نيبول Vidiadhar Surajprasad Naipaul عن 85 عاما.

وُلــدَ نيبول في 17 آب عام 1932 في جزر الهند الغربية البريطانية، في بورت أوف سبين، عاصمة ترينيداد، لأسرة من المهاجرين الهـنود لأب يعمل في الكتابة والصحافة، وجـدٍّ يعمل في قطع قصب السكر. ونال منحة ليدرس الأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد، قبل أن تستقـر به الإقامة في بريـطـانـيـا عام 1953.

أمضى نيبول جزءًا من حياته في السفـر والترحال، وأصبح رمزًا للتفـلـت من الجذور في المجتمع المعاصر، وأسهمت رحلاته الاسـتـكـشافية في تطوير مهاراته البحـثية، فـتميز أسلوبه باللغة المباشرة، ووصفه الدقيق المراقب للشخصيات والأحداث في رواياته.
عُرف أسلوبه المميز في كتاباته بمزجه المشوق ما بين الخيال والواقعية، ونجاحه بكتابة الـسيرة الذاتية في آنٍ واحدٍ، ومن دون أي فـصل بين هذه الأنواع الأدبية الثلاثة.
بدأ نيبول بـالكتابة في فـترة الخمسينيات من القرن الماضي، وحصل على جوائز مهمة في الأدب خلال مشواره الطويل الذي كتب خلاله روايات مهمة في الأدب العالمي كان من أشهرها وأكثرها مبيعًا: "في دولة حرة" و"في منعطف النهر".
أما أولى رواياته فكانت رواية "عامل التدليك المتصوف" عام 1955، التي لم تحظَ بنجاح يذكر في بداية نشرها، لكنها في العام التالي لنشرها حظيت باهتمام كبير، وحصل على أولى جوائزه الأدبية عنها، وهي جائزة تمنح للأدباء الشبان الجدد.
ومن أبرز أعماله رواية "منزل السيد بيسواس" الصادرة عام 1961 التي وصفت بـ "التحفة الأدبية الفـنية"، وتتحدث عن استـقـلالية وهوية رجل هـندي يعيش في ترينيداد، والكثير منها مستلهم من تجارب والد وجد المؤلف.
ينبع الكثير من كتابات نيبول مما وصفه بانعدام الجذور؛ عدم رضاه عن الفـقر الثقـافي والروحي لترينيداد، واغـترابه عن الهـند، وعدم قـدرته على التأقـلم في بريطانيـا مع "القيم التقـليدية" لما كانت ذات يوم قـوة استعـمارية.
وقد نشر أول أعماله "المدلك المحترف" عام 1957 والتي تحولت في ما بعد لفيلم سينمائي، لكنه حقق أولى خطواته الحقيقية التي حققت له الشهرة من خلال روايته التالية “منزل للسيد بيسوس”A House for Mr Biswas ومن اعماله البارزة ايضا “في دولة حرة”In a Free State  و “لغز الوصول”،The Enigma of Arrival ... 
ويعيد نيبول، ربما بدون وعي، إحياء كتابات تشارلز ديكنز في القرن التاسع عشر مثل "قـصة مدينتين" و "أوقات صعبة"، وهـذا من خلال تأثره الواضح بأسلوب ديكنز. فهو يميل دائما لخلق الشخصيات الكوميدية التي تستطيع كشف نقاط الضعـف في الروح الانسانية، والشخصيات عندهما دائما عاشقة للبقاء ومهمومة به، ومستعدة للكذب والخيانة وحتى القتل لتبقى مرفوعة الرأس.
 ومن اروع الشخصيات التي صورها نيبول شخصيات الهنود الذين يعيشون تحت الحكم البريطاني في المستعمرات في افـريقـيا والبـحـرالكاريبي الذين يملكون دائما حيلا غريبة يستخدمونها من أجل البقاء. وهم دائماً غير أمناء ومنافـقـون وأحيانا خـونة، ويبدون كمن يشكون من شرخ أخلاقي يمنعهم من تحقيق الثقة بالذات، التي يريدها الأسياد الأوروبيون. فـقـد تضحك حتى الدموع على إحدى شخصيات نيبول الكوميدية، لكنك في النهاية تشعر بطعـم المرارة في فمك. فهذه الشخصيات تعاني من الاحساس بالدونية والتعـقـيـد، لذلك تحاول أن تـُـقـنع نفسها بالتعالي على الشعوب التي تستعمرها وبخاصة بالنسبة للبريطانيين.
وهكذا فـنـيـبـول يعبر عن امور اصبحت تاريخية ولم تعد قائمة، فـقـد أصبح اليوم هناك توازن في السلطات بين أوروبا وبقية دول العالم ، بحيث أصبحت السلطة في يد غير البيض. لكن الظروف المأساوية التي نقـل فيها البريطانيون ملايين الهنود للعمل كعـبـيـد في الاتجاهات الاربعة لم تظهر كما يجب في أعمال نيبول ، فهو لم يفهم أن الشخص الذي تمتد جذوره للبنغال لا يمكن أن يستقـر في سيراليون.
شخصيات نيبول المحلية دائماً كوميدية ومأساوية في الوقت نفسه ، لأنها لا تعرف الطريقة التي تصبح بها غربية، وهي بذلك تتناقض مع شخصيات جوزيف كونراد الأوروبية التي عاشت في الظروف الاستعمارية ، وفقدت إنسانيتها. فإحدى شخصيات كونراد وهي اللورد جيم مثلا تحولت الى النموذج المحلي للمستعمرة، وهي بذلك إنتحرت ثقافيا. لكن شخصيات نيبول تحلم بأن تصبح أوروبية، غير أنها تـفـتـقـد للشجاعة. 
في رواية كونراد "قـلب الظلام"The Heart of Darkness  نرى الكابتن الأوروبي الذي يبحر بسفينة حربية في نهر الكونغـو يمطر الساحل بوابل من القنابل ، بدون حتى أن يعرف على ماذا يطلق قنابله أو لماذا؟ وهي صورة تكشف أكـذوبة ان الهدف كان هو "إدخال النور لقـلب الظلمات الافريقية" [كــذا....!!!]. وكأن كونراد يريد القول للأوروبيين : إبقوا بعيدا عن أراضي أولئك الناس وإلا قد تفـقـدون أرواحكم. لكن نيبول يريد أن يقول للغربيين: أنقذوا العالم كله بغزوه ، وإن لم يكن ذلك بالمدفعية فليكن بالقيم العالمية... وكونراد لم يكن الوحيد الذي تعرض لتأثير الاستعمار على المستعمرات والمستعمرين، فروايات غراهام غرين "قلب الظلام" و"رحلة بدون خرائط" و"الأميركي الهادئ" كلها سارت في الاتجاه الذي يخاف منه نيبول. ومن المفارقات الساخرة أن نيبول نفسه كان يعيش بشكل متناقض مع إدعاءاته الكاذبة ، فهو أحد أفضل كتاب النثر بالانجليزية ، وهـذا في حد ذاته دليل على أن ذوي الأصول الهندية يمكنهم تحقيق النجاح بدون اللجوء للألاعيب والخيانة ، وهو مدرك لعـقـدته وإحساسه بالدونية، لذلك هو يحاول تحويلها الى تهويلات أدبية.
وقد بدأ ذلك بتأكيده أن هناك نظاماً قـيمياً عالمياً يتجاوز حدود العـرق والثقافة والديانات. ولكن المشكلة هي ادعاؤه أن الغرب، وبالذات الأميركيين، هم الذين يـُمسكون بهذا النظام العالمي، وبعبارة اخرى فهو يريد القول إنه إذا كان الأميركيون يتمتعـون بحضارة عالية فذلك ليس لأنهم بيض، أي أن الإرتقاء هنا ليست عرقياً، ولكن لأن لديهم قيماً عالية.
وحتى التلفيقات التي كان يقوم بها نيبول وحشية جداً وصارخة، فهو يقول مرة تلو المرة إن ما يُسمى بالدول النامية ما زالت تطفو على السطح، بفضل التراث الذي تركته لها الدول التي استعمرتها[كذا....!!]، فالهـند بقـيت لأن بريطانيا تركت لها خدمات مدنية فعالة ، مثل السكك الحديدية وشبكات الطرق وبالطبع اللغة الانجليزية. وحتى إيران التي لم يستعـمرها الغرب أبدا "لم تغرق في بحر حماقاتها بفضل الاشياء الجيدة التي تعلمتها من احتكاكها مع الغرب" [!!].
وفي العديد من كتب نيبول، الأشرار دائما من الشيوعـيين والإشتراكيين واليساريين الذين حرَّضوا على الحرب العالمية الثالثة بعدائهم للغرب. وهو يريد ان تقع الحرب الثالثة بسرعة لمزاياها "الطيبة"، وهي "القضاء على الشيوعيين واليساريين الذين عادوا الغرب".
ومع إنهيار الإتحاد السوفييتي وتنامي المدّ الاسلامي في العـديد من الدول وجد نيبول عدواً جديداً للجنس البشري هو الاسلام. ففي كتابه "بين المتدينين"Among the Faithful  زار نيبول عدة دول اسلامية وحاول أن يثبت أن جميع مشاكل تلك الدول سببها الاسلام، ثم تلا ذلك كتابه "خلف العـقـيدة" Behind the Faith وكتب فيه عن زيارات قام بها مؤخرا لدول اسلامية أخرى مثل إيران وباكستان وإندونيسيا وماليزيا.

 

الإسلام والعـنـف 

وفي ذلك الكتاب حاول نيبول إثبات نظريته التي تدعي أن الاسلام "لا يولـِّد إلا التعاسة والاحباط والعنف"  وقد أضاف زاوية جديدة حيث يقول إن الآثار السلبية للإسلام سببها أنه" دين العرب" . فالعرب ، بالنسبة لنيبول،  "مهيأون وراثياٌ لتحويل أي مكان يسكنونه الى صحراء قاحلة"، ولذلك فهم" يـُبـيـدون أي ثقافة تعترض طريقهم". وايران مثلا كان لديها حضارة عظيمة قبل وصول الاسلام اليها، وكذلك باكستان التي كانت يوما ما جزءا من الحضارة الهندية، وكذلك ماليزيا والارخبيل الاندونيسي فقد" فقدت هذه الدول  ثقافتها الآسيوية، والحضارة الهندية والصينية مهددة غالبا بالمدّ الاسلامي"،ويقول أن "من بين كل انواع الامبريالية فإن  العرب كان لهم التأثير الأخير والمدمر" [كذا....!!].

ويفسر نيبول الفقر والتعاسة والعنف في المجتمعات التي زارها بطريقة واحدة فهو إختار إيران وباكستان وماليزيا واندونيسيا، وجميعها عانت عبر عـقـود من الزمان من المشكلات الاجتماعية والثقافية، باستثناء ماليزيا التي استطاعت تحقيق نمو إقـتـصادي، وجميع الدول التي اختارها تعاني حاليا من الفقر اكثر من أي وقت مضى. والسؤال هنا عن درجات التأثر الكارثي التي لاحظها نيبول سواء في ما يخص الاسلام أو بما أسماه "المرض العربي".
وشخصيات نيبول التي نقابلها في أعماله ذات بعد آحادي وطابع كوميدي اشبه بالكارتون، وليس من بينها ما يمكن إعتباره المواطن المثالي بالنسبة لمجتمعه أو حتى طبقته الاجتماعية أو تخصصه. وهي دائما شخصيات مشوقة لكنها فاقدة للبصيرة ولا يمكنك أن تجد لها نماذج في الواقع حتى في المجتمع البريطاني الذي يعشقه نيبول.
وهو يسخر من شخصياته لأنها نسيت جذورها وتبنت الأسماء العربية والاسلامية، أو ما أطلق عليه "الإذلال العميق": لكن هذا الشيء لا ينطبق على المسيحيين الأميريكيين والاوروبيين الذين يتحدث عنهم نيبول بإعجاب، وهو ينسى أن تلك الدول التي اختارها للبحث لم تتحول للاسلام بسبب الفتح الاسلامي لكن بعد قرون طويلة من الدعوة، والعرب لم يـُجبروا أحداً في إيران على دخول الاسلام لأن غير المسلمين مطلوب منهم دفع جزية ، وهو ما كان يضمن دخلاً ثابتاً للدولة الاسلامية. وأكدت الابحاث التاريخية أن الايرانيين إعـتـنـقـوا الاسلام بعد إعتناق الأسرة المالكة له عقب خروج العرب، وتجربة شبه القارة الهندية شبيهة بالتجربة الايرانية، وكذلك الأتراك والمغول لم يتعرضوا أبدا للغزو الاسلامي بطريقة منتظمة، بل أن التحول الحقيقي للاسلام من جانب الهنود كان خلال حكم التاج البريطاني.
والشيء نفسه يصح على ماليزيا واندونيسيا فلم تتعرضا أبداً لغزو إسلامي لكنهما إعـتـنـقـتا الإسلام عن طريق التجار المسلمين والمبشرين والصوفيين. وبكلمة اخرى، لم يفرض الاسلام عقيدته بالطريقة المسلحة قط ، بينما نجد أن القارة الاميركية، مثلا، اعـتـنـقـت المسيحية بقوة السلاح. لكن نيبول يتأسف على الباكستانيين الذين منعوا عاداتهم الهندية رغم انهم هـنود بالعرق. وما لا يعلمه نيبول أن الهندوسية دخلت شبه القارة الهندية بالغزو عبر الغزاة الآريين الذين أجبروا السكان المحليين على إعتناقها. ولكن الفرق هو أن ذلك حدث قبل 1500 سنة من ظهور الاسلام. وحتى البوذية التي يفترض أنها ديانة غير تبشيرية، لكن انتشارها يعود لجيوش الامبراطور آشوقا الغازية. ولو كان مطلوبا من العالم كله أن يحافظ على جذوره لأصبحت أوروبا الآن تعبد الآلهة الإغريقية وتقـدس جبل الأوليمب.

 

مـُغالطات تاريخية 

نيبول الذي يرى الإسلام على انه مجرد "تدخل عـربي" يتجاهل الحقائق التاريخية، فالاسلام ليس فقط ديانة ، لكنه ثقافة أيضاً وحضارة وطريقة حياة تعـتـنـقـهـا دولُ عديدة عبر قرون طويلة. لكن توجيه النقد للاسلام كمشكلة دينية أصبح هو الشغل الشاغل للكتاب والمراقبين. انهم يعتبرون الاسلام "منطقة الظلام"، أو على الاقـل يعتبرونه الدين الأقـل تحرراً عن أي دين آخر، مما يجعل الانسان المؤمن به خارج النظام العالمي، ليصلوا في النهاية لنتيجة مؤداها أن الاسلام هو المسؤول عن مشاكل العالم وتعاسته، غير أن هذا، في الحقيقة، صراع سياسي وليس دينيا. ولكن هناك أوقاتا احرق فيها الفلاسفة أحياء باسم المسيحية .

وبـعــد؛
إن الايمان ، سواء كان سيئاً او جيداً،  هو مسألة تخص صاحبها. لكن المشكلة اليوم هي أن أغلب المسلمين ، وخاصة الصفوة المتنفذة ، يتم التعرض لها بطريقة سيئة، والسؤال هو: لماذا؟ لكن كراهية نيبول للاسلام والعرب أعـمـته حتى عن طرح هذا السؤال.
 
* أكاديمي وكاتب فلسطيني مقيم في السويد.