نوفمبر البعيد

سعد عباس*
 
ليس لديَّ من أراسلُهُ، أيّها الكولونيلُ، سواكَ. أطمئِنُكَ، باديءَ ذي بدءٍ، بأنّ مكتبَ البريدِ مغلقٌ للصيانةِ منذُ نوفمبرَ البعيدِ، ذاكَ الذي ورطّني فيه ماركيزُ برفقتِكَ الكئيبةِ.
يحدثُ الآنَ: النوارسُ تسرقُ أفكاريَ، والنهرُ سعيدٌ. يضحكُ ملء شدقيْهِ. وأنا بخيرٍ، مع ذلكَ. أتدري؟، يحدثُ غالباً: أغادرُ سريرَ يقظتي بجسدٍ متحفّزٍ للوثبِ. لكنَّ رأسيَ كالطبلِ.
كما تعرفُ، أو لعلّيَ أخمّنُ ذلكَ (إذْ ليس بوسعي التذكّرُ ما إذا كنتُ كتبتُ في رسالةٍ سابقةٍ، لم تصلْكَ بعدُ) أنَّ فورانيَ اللاهبَ بدأ مبكّراً جدَاً.
الخمرةُ امرأةٌ، أيّها الكولونيل. وفبرايرُ البعيدُ، كذلك. أما نوفمبر، فقد اعتزل التسكّعَ في الأزقةِ الضيقةِ، منذ ورطّني ماركيز بكتابةِ انتظاراتي.
أحاولُ، تذكّرَ الحوادثَ السعيدةَ، بالطبعِ. أدندنُ لأتذكّرَ. أحفظً اللحنَ عن ظهرِ قلبٍ، لكنّه يخرجُ مرتبكاً من بينِ شفتيَّ. النشازُ ارتباكٌ مزمنٌ، أيّها الكولونيلُ. وحدَها امرأةٌ بمذاقِ أمّي، بوسعِها إعادةُ ترتيبِ فوضايَ. نسيتُ أن أخبرَكَ: لقد رحلتْ. حسناً، ما الذي يُبقيني على قيدِ انتظارِ امرأةٍ بمذاقِها؟. أعرفُ ما تنتوي قولَهُ، أيّها الكولونيلُ، أعرفُ ما تصمتُ عنه، حتّى.
ذاكرتي تهطلُ ببطء
فبرايرُ البعيدُ عن أصابعي، يُحدّقُ بي
الأغنيةُ ذاتُها، أيّها الكولونيلُ، تنقرُ نافذةَ مكتبِ البريدِ المغلقِ للصيانةِ منذُ فبرايرَ البعيدِ عن أصابعِ امرأةٍ بمذاقِ أمّي:
في يومٍ ما، أقربَ مما تظنينَ،
سأموتُ،
وأحملُكِ معي الى الجحيمِ، أيّتُها الرسائلُ الحبيسةُ في صدري.
أخمّنُ، وفي مقدورِكَ أنت كذلكَ أن تُخمّنَ أيّها الكولونيلُ، ما سيحدثُ حين يسقطً الضبابُ
لا امرأةً تموءُ في فبرايرَ، ثانيةً
لا أحدَ يعرفُ أحداً في الطرقاتِ
لا صديقَ يقترحُ النعاسَ حينَ يضبطُني متلبّساً بالذبولِ
كم جميلٌ لو لم يكنْ هذا الضبابْ
كانتِ الحياةٌ مضيئةً، يا نوفمبرَ البعيدَ
والعالمُ مليئاً بالأصدقاءْ.
 
* شاعر عراقي مقيم في كندا.