نقرات حذاء على سلم حلزوني

حسن بوفوس*

منذ ساعة وهو ينتظر نزولها. لا يخفى على وجهه شعور بالقلق ، لأنه يكره الانتظار ولو لمدة قصيرة. بل يشعر كأنما المارين أمامه يرمقونه بنظرات تستصغر حاله، لأنه واقف وواقف فقط، عليه أن يتحرك. لقد طال انتظاره. هذا الوقت الفارغ الذي يضيع منه من سيخلفه له؟ ربما كان ضياع المال أقل كلفة من ضياع الوقت. إنه لأمر صعب أن يقف الإنسان كما هو واقف الآن جامدا كالتمثال؛ أحس بالأوقات الفارغة التي لم يستغلها وكأنها سيل جارف يحاول عبثا الصمود أمامه. أو قاضٍ يُسَائله عنها تارة ويُحَاسبه عليها تارة أخرى..

مرت سيارة فخمة بسرعة جنونية فأربكته، فيما كان يشعر به أو يفكر فيه. استهواه منظر غير معتاد: ارتمى هِرّ بخفة على عنق هرة وعضها ،ولما تمكن من قبضته ركبَ عليها، رماهما صبي صغير بحجر فتفرقا، طفق الهر يجري خلفها. اختبئا ثانية تحت سيارة بمحاذاة الرصيف. انطلق هدير محرك السيارة بقوة. فرّا ثانية، الهر يتقفى أثر الهرة بعناد...
نقرات على السلم.. 
أخيرا نزلت. إنها هي؛ النقرات تحدث صدى غامضا وصَامتاً في أحشائه. غرائزه تتهيج فكأنما تلدغه خطى نمل صغير يمشي فوق أطراف جسده. تبادرت إلى ذهنه صورة عن أنثى قابعة في أعماق نفسه. تتبادر إلى ذهنه كذلك الصورة نفسها حينما يرمق حذاء أنثويا أو سروالا أو قميصا ما زالت بادية عليه أثار النهدين. لا تفصله عنها سوى بضع خطوات. يا له من فرق عظيم ومثير للعجب ما يميز مشيته ومشيتها الانثوية. أحس بفرح يغمره. أنفك من الافكار والتساؤلات المحرجة ليحل محلها شعور بالقوة والانتصار.
همس لها ما كان يريد قوله لها. سألها، أجابته، تحدثا طويلا، مَدَّ يده على كتفها مطولا، شارحا، مستفسرا. شفاهه تتحرك بسرعة ثُمَّ تتوقف.. لتنصتا إلى جواب أو تتأملا أثر ما تركتاه على المستمعة.
ملامحها توحي بأنها اقتنعت بما كان يحكي لها، وقد وظف للحكي جميع جوارحه وحواسه. فتارة يزوي ما بين حاجبيه، وتارة يبتسم كالذئب حين يبرز أنيابه ،وتارة يفرك عينه اليسرى أو لحيته التي طالت زمنا دون حلاقة. ثم انصرفت عنه راجعة إلى الدار بعد أن ودعها وتوارى للتو خَلْفَ المنعرج.
إنها تعرفه جيدا. وتعرف أيضا بأن ما يتفنن في نسجه من حكايات من المستحيل أن يُقنعها أو يُزعزع رأيها عنه. لا شك أنه ضرب موعدا... نعم. موعدا مع خليلة من خليلاته العديدات. يُريد أن يحصل ويحقق بكل بساطة مالا يمكن أن تجود عليه الطبيعة به، أو يقبله أي مخلوق من على وجه الأرض. يريد أن يأكل من الملذات جميعها وأن يَغْوِي من النساء ما اشتهاه قلبه أو ما مالت إليه نفسه.
كلا! هذا ما لا يمكن أن يكون. ليس وحيدا في هذا الكون. ليس هذا العالم مُسخرا له لوحده. فكغيره من الناس عليه أن يلتزم بما التزم به غيره ويقنع بما قنع به من هو دونه درجة أو أكثر منه قيمة. أي نعم! العالم ليس مسخرا لأي كان، قال. هو مُلكٌ للجميع. فمن غير المعقول أن يدعي البعض ملكه لأي شيء أو استعباد أي كان.
كان ينبغي له أن يكون حاضرا حتى يسمع لحنا جديدا وموسيقى عذبة صاغتها نقرات حذاء طالما هو مشتاق إلى سماعها مرات متعددة:
 تيك. تيك. توك. تيك. تيك...
وقَفَتْ قليلا وسط البوابة لعلها تصادف سيارة «تاكسي صغيرة». من الرصيف المقابل تبدو ،وكانت السيارات والشاحنات تحول دون الناظرين إلى الاستمتاع بجمالها الأنثوي.
 أخيرا استقام رأيها على ضرورة مواصلة السير مهما كلفها ذلك من تبعات أو نظرات جامحة أو استفزاز بعض المستهترين..
بين الأصوات الصاخبة وضجيج المارة والراكبين تتبادر إلى الأذن نقرات حادة، أنثوية، ملفتة:
 تيك. تيك. توك. تيك. تيك...

 

* قاص من المغرب.