نظرة على محكيات "مثل صيف لن يتكرر" لمحمد برادة

عبد الصّادق السراوي*

"مثل صيف لن يتكرر" لمحمد برادة هي محكيات يسرد تفاصيلها "حمَّاد" باعتباره الذاكرة الحاملة لهذه التفاصيل، والقناع الذي يسرد من ورائه الكاتب تجربة حياته الطلابية والعلمية. وتشكل مصر -بمختلف أمكنتها- الفضاء المحتضن لهذه التفاصيل، والمسرح الذي تجري فيه أحداث هذه المحكيات التي توثق تفاصيل الحياة الدراسية التي قضاها "حمّاد" بالديار المصرية منذ السابعة عشر من عمره حتى حصوله على الإجازة، ثم زياراته الموسمية لها في مناسبات مختلفة.

وإذا كانت ذاكرة حمَّاد تحتفظ بالكثير من التفاصيل الحافلة بموضوعات كثيرة وقضايا متعددة؛ منها السيّاسية والثقافية والاجتماعية، فإن الملفت للنظر فيها هو شخصية "حمّاد" باعتباره شخصية تشكل صورة الطالب الأنموذج التي شحذتها الظروف الاجتماعية والذاتية، والتي جعلت منه طالبا وباحثا ناجحا ومتميزا.

لقد تضافرت مجموعة من العوامل التي جعلت من "حمّاد" طالبا بما تحمله الكلمة من معنى؛ الطالب المتفوق، الطالب المناضل، الطالب المثقف المتعطش للعلم والمعرفة، الطالب الملتزم بواجباته والمنظم لحياته والواثق من نفسه. وهذه العوامل كثيرة ومتعددة سنقف عندها بشيء من التفصيل. 

العامل الأول والأساس الذي أسهم في تكوين شخصية حمّاد هو السفر. فالسفر والتنقل يفتح خيال المرء ويوسع رؤيته الضيقة للعالم والأشياء؛ فقد كان سفر "حمّاد" إلى مصر في السابعة عشرة من عمره، عوض دمشق لظروف ذاتية، نقطة تحول بارزة في حياته. كان هذا السفر اضطراريا أملته الظروف التي عاشها المغرب تلك الفترة؛ "لأن التعليم بالعربية في المدارس الحرة التي أنشأتها الحركة الوطنية يتوقف عند الباكالوريا، ولأن تضييق السلطات الفرنسية لم يعد يسمح بتوسع هذا التعليم" (ص08). ولهذا اختار "حمّاد" أن يسافر إلى القاهرة بمصر ليتمم دراسته في المرحلة الثانوية ثم الجامعية بعدها، ولم يكن اختيار القاهرة عوض دمشق بسوريا - باعتبار جامعاتهما أكبر مستقطب للطلبة المغاربة وقتها- عبثيا؛ بل جاء نتيجة أسباب مرتبطة بذاكرته التي خزّنت مجموعة من المشاهد الكثيرة؛ بفضل الأفلام المصرية التي شاهدها، ومن استماعه للأغاني الكلاسيكية لعبد الوهاب والأطرش وأسمهان وأم كلثوم وغيرهم، وكذا من اطلاعه على كتابات الأدباء والكتّاب المصريين أمثال طه حسن والمنفلوطي وتوفيق الحكيم ولطفي السيد. كانت لهذه الذاكرة التي كوّنت لدى حمّاد صورة أولية عن مصر، حافزا لاختيار القاهرة فضاء لتكوين شخصيته وشحذ تجاربه، وانفتاح ثقافته على أشياء جديدة.

يرتبط العامل الأول بعامل ثان وهو المحيط؛ ونقصد به الثانوية في مرحلة أولى، ثم الجامعة في مرحلة ثانية. فقد كانت لمرحلة الثانوية أثرا واضحا في تكوين شخصية حمّاد الفكرية والمعرفيّة؛ أسهمت في تكوينها الظروف الاجتماعية في بلاد الغربة؛ حيث فرض عليه ذلك الاعتمادَ على نفسه منذ سن مبكر في تدبير حياته وشؤونه الشخصية، أثناء إقامته ببيت المغرب الذي يحتضن طلاب البلدان العربية، ثم طبيعة التعليم النظامي الذي تلقّاه هناك، والشخصيات البارزة التي تلقى من أفواهها العلم والمعرفة الرصينة، وهم أساتذة أكفاء مثل عبد السميع أستاذ اللغة العربية؛ الرجل الطيب الذي كان يحفّز طلابه على حفظ النصوص وضبط القواعد والتعبير من غير أخطاء (ص15)، وعبد المحسن أستاذ التاريخ؛ الذي تأثر حمّاد بطريقته في إلقاء الدرس (ص: 16-17)، وكذا روح التنافس التي كان تسكن أصدقاء حمّاد داخل الفصل وخارجه في البحث والتحصيل، ممّا انعكس إيجابا على شخصيته.

ويستمر مسلسل تكوين شخصية حمّاد ونموّ ثقافته ومعرفته، وانفتاح فكره، باستشرافه للمرحلة الجامعية، بعد نجاحه المتميز في المرحلة التوجيهية؛ يتجلى ذلك أولا في تلقي العلم والمعرفة من أفواه أعمدة الأدب العربي أمثال شوقي ضيف، وشكري عياد، ويوسف خليف، وسمير القلماوي، وإبراهيم حمّودة، وغيرهم، ومعاشرته لأعمدة الأدب المغربي كعبد الله كنون، ومحمود المسعدي، ويوسف إدريس. وثانيا في تنوع الجنس البشري الذي يتوافد على الجامعة المصرية من أقطاب مصر، والمغرب، الجزائر، وتونس، والسعودية، والأردن، وماليزيا، وسوريا، وغيرها من البلدان الأخرى، وهو ما جعل شخصيّة حمّاد تنفتح على ثقافات أخرى مختلفة ومتنوعة بفضل هذا التلاقح، وبفضل الانفتاح على شعب أخرى؛ كشعبة علم الاجتماع، وشعبة الأدب الفرنسي، وشعبة الفلسفة، التي تضم مجموعة من الصحافيين والشعراء والكتاب، ذكورا وإناثا (ص:53)، مكنه ذلك من توسيع مداركه بقضايا أخرى خارج دائرة النقد والأدب العربيين.

العامل الثالث ضمن هذه العوامل الأساسية هو الرفقة؛ فنظرا للسن المبكرة التي سافر فيها حمّاد إلى القاهرة، فرضت عليه البحث عن أصدقاء وأقران يشاركونه حياته، فتعرف خلال ذلك على مجموعة من الأصدقاء من المغرب، خصوصا ببيت المغرب الذي يوفر السكن والإيواء للطلبة الوافدين إلى مصر من المغرب وتونس والجزائر، أهمهم نبيه وعلاء وبرهوم. وتستمر علاقة الصداقة بين أصدقائه خصوصا علاء وبرهوم طوال مسيرته الدراسية؛ حيث كانت تغمره روح المنافسة والتعاون، ليُكوِّنوا "عصابة ثلاثية" تلتهم الكتب وتبحث في المصنفات ولا تقتصر -كبقية الطلاب- على المقررات والمحاضرات والتحضير للامتحانات، ويخلقون ضجيجا معرفيا بمداخلاتهم ونقاشاتهم ونقدهم البناء، وعدم تقبل القضايا إلا بحس نقدي، خروجا عن طبيعة التعليم التلقيني الذي ترفضه هذه "العصابة". بالإضافة إلى ذلك، لم يكن حمّاد وأفراد عصابتة حبيس الكلية والمكتبة، بل خلقت لها أنشطة موازية للحياة الدراسية، لا تقل أهمية عن التكوين الذي تلقاه في الجامعة؛ حيث كان يحضر السينما والمسرح والندوات واللقاءات الأدبية، والأمسيات الشعرية التي تعقد في المراكز الثقافية والصالونات الأدبية وفي المعارض الفنية، وفي بيوت الشعراء والنقاد والكتاب والصحافيين (ص73)؛ كالزيارات التي يقوم بها حمّاد وأصدقاؤه إلى بيت عباس محمود العقّاد، وزيارتهم لنجيب محفوظ، وتعرفه على شعراء كبار كصلاح عبد الصبور، ومخائيل نعيمة، وعبد المعطي حجازي، وحضوره لإلقاء قصائدهم. ثم انفتاحه على الفنّ، حيث كان يرتاد رفقة صديقه برهوم مقهى "التوفيقة" الذي يجتمع فيه عشّاق أم كلثوم وفيروز، ومعارض الفنون التشكيلة. 

بالإضافة إلى كل ذلك، انخرط حمّاد في الحياة السياسية التي كانت حاسمة خلال تلك المرحلة، باحتضانها لأحداث تاريخية كفتح قناة السويس من قبل جمال عبد الناصر، والاستعمار الفرنسي للمغرب، وحدث الاستقلال؛ حيث التقى بزعيم الحركة الوطنية علال الفاسي، الذي كان يدعو الطلبة إلى اجتماعات لتناول الشاي والاطلاع على أخبار البلاد وهمومه وقضاياه، فأدمن حمّاد على الاطلاع على الجرائد والصحف المغربية والعربية. 

مكّن حمّاد هذا الانشغال وهذا الانفتاح على تجارب أخرى من بناء شخصيته باعتبارها شخصية تحمل سمات الطالب الأنموذج الحقيقي، طالب مثقّف صاحب رؤية وحامل لقضايا، وأن يحقق أهدافه التي سطرها؛ حيث تفوق بين أقرانه في مسيرته الدراسية الجامعية، وشق طريق الكتابة والإبداع في مجال القصة والرواية، كما مكّنه ذلك من تجاوز كل المعيقات التي كانت تقف حاجزا أمام مساره الذي يشقّه نحو طموحاته بكل ثقة، رغم (إخفاقه) في كثير من الحالات؛ كتلك العلاقات الملتبسة العابرة التي كانت له بطالبات كثيرات، والملاهي الليلية والسهرات التي يحضرها بين الفينة والأخرى كما يفصّل في فصل "علاقات ملتبسة" (ص: 89- 102). 

إن هذه المحكيات، بغض النظر عما تتضمنه من قضايا وموضوعات ذات بعد ثقافي وسياسي واجتماعي، تقدم صورة للطالب الأنموذج الذي كانت للظروف المحيطة به الأثر البالغ في تكوين شخصيته وفكره وثقافته. وهذه الصور للطالب الحقيقي هي ما نفتقدها اليوم بجامعاتنا المغربية بله العربية؛ حيث بدأ التعليم العالي يشق طريقه نحو الهبوط، وتراجَعَ المستوى الثقافي للطلاب بالجامعات في ظل الأزمات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها طالب العلم وسط هذا المجتمع المضطرب، وتخرّجه من مؤسسات تعليمية عقيمة تخرج أفواجا من الطلاب بشواهد عليا وبدون كفاءات عالية. تجعلنا هذه المحكيات نقف وقفة تأمل فيما ينبغي على الطالب أن يعمله ليغطي - ما أمكن- هذا النقص، بخلق فرص لبناء ثقافته، وفتح أبواب على عوالم ثقافية أخرى، إنها المبادرة الذاتية والعزيمة والإرادة القوية التي تصنع شخصية الطالب الحقيقي، في ظل واقع تعليمي متردٍّ، وواقع ثقافي هش.

 

* كاتب من المغرب.