نشيج روح تأكل ما يتردد فيها

Printer-friendly versionSend to friend
أروى الزهراني.*

"ما تبحث عنه يبحث عنك". جلال الدين الرومي.
 
لسنوات طويلة، تمسكتُ بمبادئ بلورتها المواقف،
وانبثقت من الذات،
مبادئ نفسية وعاطفية وروحية،
 لا علاقة لها بالأسس والأخلاقيات،
صنعتها أثناء مكوثي في صومعتي وأحلامي تحوطني،
 
اخترعتُ خططًا كثيرة وأسلوب حياة أسلكه 
في كل مجالات الحياة التي يمكن
 أن تسلك ميادينها امرأة مثلي،
وكان الأمر أَشبه بالطريق الذي لا يمكن أن أسلك غيره
 أو أن أنعطف للأقصر من باب التخفيف 
أو أن أبدل الوُجهة،
التزام صارم وقناعتي به شديدة التعقيد،
 
حتى بما يخص أَحلك الأحداث 
والتي لا تحتمل الصمود على الخطط ذاتها ؛
 كنت أواجهها بما هو محفور في روزنامتي من توجيهات،
وكان الأمر عسيرًا أحيانًا وشاقًا ويحزنني،
حيث أن بعض مفاجآت القدر
 لا تجدي معها السلوكيات المدروسة،
وبالطبع كنت أفعل، مع أكثر الأمور شاعرية ووهجاً 
والتي كانت لا تحتمل قولبتها أو تحجيمها 
ومع هذا فعلت!.. 
 
وكأن الأمر كله عقاب، وجلد للذات، 
وكأنني كلما استغرقت في البحث 
وخابت توقعاتي أعود لأنتقم من توقعاتي 
بالصمود الأليم على المبدأ ذاته  والفكرة نفسها!.
 
 
أما ما كنتُ أفتش بضراوةٍ عنه، 
فقد بحثت في الأماكن التي وجهتني ذاتي للبحث فيها
دون سواها، وكأنه لا سواها،
طمست تمامًا من نظري وفكري وتوقعاتي 
كل المنافذ الأخرى،
مع أن المنافذ موجودة وشاسعة ووفيرة
ولكنها رغم كثرتها لم تسلبني انتباهي
 ولم تعطني الأسباب الجديرة 
لأتنازل عن قناعاتي الصارمة ولا مرة! ..
 
أحد هذه الأمور التي تُشكل في روحي
لذعات مُلحّة كثيرة بضرورة الكفاح لاستحقاقها:
 المحبة - الصداقة - 
الاصطدام بـروح تلتحم فورًا معي -
 الهوى في صورة عفيفـة إثر التقاء ضفتين 
بدون فرضيات الجسر والاجتهادات،
وأمنيات كثيرة يمنح تحققها لقلبي الخلاص بالسلوى.
 
 
لفترة طويلة كنت أقف أمام أبواب عديدة،
أمشي وأنتظر شيئا ما، يسلب انتباهي في أحد الشوارع،
بقيت مشدوهة أمام شخوص تمشي ولا تتوقف 
ولم يتوقف عندها انتباهي،
تأملت لسنوات في العابرين والأقربين والغرباء،
علّ نجمة قلبي الفزعة تَتشبث بأكتافهم 
فتضيء قلوبهم بفعل قلبي!
كنتُ حالمة جدًا وبيضاء 
في ما يخص هذه الزاوية من عواطفي،
كنتُ جديرة وبعيدة جدًا عن كل آمالـي،
والزمـن عسير جدًا، على امرأة ترفض أن تتطوع 
لأي مبادرة، طرائقها سمجة وعادية جدًا!
 
ما حدث، أن نجماتي تكاثرت بلا سماء تحتويها،
تومض تلقائياً، وتنطفئ 
ولا يلاحظ أو يتضرر أحد،
وصدري بات هاوية لكثير من الارتطامات والفواصل،
ولم تلتصق بي من هذه التأملات المخلصة كلها 
سوى وقع الخطوات العابرة والصدى 
وضوضاء حوارات لا تعنيني فتلطختُ عبثا بلا دواعٍ،
غير أن بعض العبور كان يمنحني الصفاء لوهلة،
ويلونُني كثيرًا لدواعٍ مهيبة وطيبة.
 
لم أفكر لو لمرة أن أشطب هذه الخطة 
وأبدأ بالبحث في أمكنة أخرى،
أو أن أرخي صرامتي وأتوقع مثلًا 
على سبيل الممكن أنني قد أحظى بما أبحث عنه 
في أي مكان وحسب، 
لم أتراجع عن التفكير في المكان ولا لمرة 
لتتركز الفكرة في ماهية الشيء الذي أبحث عنه، 
كانت فكرة المكان والكيفية تضجّ ساكني،
تكشر في وجه خيالاتي كلما أصبحت مرنة 
وتناست مبدأ المكان'
كنت حينها أشعر باليأس والسأم فأتوقف وأتهدّن 
من فكرة أنني سأجد أحدًا أو أن أقبض على شيء ما، 
مثلما رسمته في رأسي،
تصبح عندي كل الأمكنة سواء،
مادمت لن أجد أحدًا، ولم أعد آبه..
 
سلّمت أحيانًا بكوني لن أحظى في مسيرتي كلها
بصديق واحد، أو فلنقل توأمًا لروحي 
مثلما صنعته قناعاتي،
اقتنعتُ بأني سأبقى على هذا القدر من الوحدة
 والتوحد في أشياء تسكنني،
 دونما أي انبثاقات تؤثثها الحياة،
آمنت بأني دائمًا سأكون صديقة الجميع، 
توأمًا لأحد ما، عابرة مقربة لشخص،
 عزيزة للكثرة، وأنني بفعل هذه الألفة تجاهي سأبقى،
دونما القبض على شيء يخصني وحدي،
ويعنيني وبمقاس الحلم واللهفة..
 
قال لي صديق ذات مرة ضاحكًا: 
"فلتتوقفي عن الحلم وعن التوق للحب،
هو سيجيء من تلقاء نفسه،
سيجيء حين يتوقف قلبك عن الرغبة فورًا"
 
سخرنا مني وقتها، ومن مسألة الحب برمته 
والعواطف ومن أحلامنا البسيطة والممتنعة في  الوقت ذاته، 
ولكن صدى تلك العبارة بقي عالقًا في رأسي،
إذ تصورت فورًا بأنه من الممكن جدًا 
أن يحدث كل شيء في اللحظة 
التي أفقد فيها الأمل من كل شيء،
خاصةً أنني ممن الذين لا تهبط على أراضيهم
 النجاة إلا في اللحظة الأخيرة قبل الوقوع بخطوة،
ومسيرتي كلها تشهد على ذلك،
فكرت أن أتنحّى تمامًا عن البحث والأماني 
التي تطوف حول فلك العاطفة،
قررت أن أتشاغل بما في يدي وقلبـي من مُفارقات القدر وتبعات الحياة، وفعلت حدّ أنني نسيت بأن لي قلب!
على أمل أن يتبعني ما لحقته كثيرًا ولم أجده.
 
إن الهروب من جزء مؤلم وعالق في الذات 
الى جزء أشد إيلاما في الذات ليس بالأمر اليسير،
لكن سرعان ما تعتاد النفس،
على فكرة تغييب جزء والكفاح في آخر 
لأنه على سبيل الضرورة معنيّ بحيواتنا واستمراريتها،
 
بيد أني لطالما شعرت بفجوة فظيعة،
تشدني من أعماقي نحو أعماقي
 كلما توقفت لوهلة أستريح فيها من النضال
 على ضفة أناي المغيّبة والحلم،
فأضطر للتعب حتى وأنا أستريح،
 أنشغل في هذا الشتات الذي لم يحتوهِ أحد، 
ولستُ أستطيع هدهدته بأي وعود..
 
غالباً ما تساءلت، أيهما أخف وطأة،
أن أتفرغ لأغرق أكثر في جزء ذاتي 
الذي يُعنى بذاتي ويُفسرها،
أم أتأمل الأنقاض في الجزء الآخر 
وأنشغل في ترميم الممكن وتأبين العزيز 
وتحوير المهم لأقاوم الهزيمة وأعيش؟
بينما " الأنا" مُثقلة بعبءٍ أبديّ،
يُترَك مهمّشًا بكثرة لأن سياقاته لم تتخلق بعد!
 
أشعر  أن التحدث عن أشياء مستبدة وأبدية،
يشبه ترديد المنفيّ لأغنية الوطن الذي لن يزوره أبدًا!
 
لقد أوليت هذه الأحلام العناية والحنان 
وأمضيت فيها حياتي كلها،
إن لم تكن هي في الأصل حياتي!
تلقّيت الفراغ كجرح، واجهت خيبة توقعاتي الحالمة
 بالصمود،
تنرجستُ لأُقبل على استحقاقي 
كشيء لم يظفر لأول مرة إلا بنصفـه..
 
يتعذر بذل المزيد من الحلم، وصياغة سياقات 
في زمن متهالك،
وبما أنني ككيان حين أغدو امرأة بكل طبيعتها وأناها، 
يحتويني الهامش، ويُفسرني، وتُغدقني الهوامش،
وتجعل منـي مشحونة بتفاصيل كثيرة،
 إثر انتباهي وسكوني وبقائي على ضفافها،
لن يحدث بعد هذا الوقت الطويل كله أن أنتقل للنقيض،
فقط لأن اليأس يطاردني، 
أو أن أجعل من حياتي جحيمًا لأنها مفتوقة كجُرم سماويّ 
لن يستقر ولم يسقط بعد،
أقبل بالجحيم، أرتضي العدم، 
يؤلمني هذا التخبط وتفزعني الهاوية،
 لكنـي أؤمن بقضاء العاطفة، وقدر العاصفة، 
وحكمة الله، ولا بأس بذلك..
 
تتجلى أحيانًا العناية الإلهية في أرق أشكالها،
حين يكون المعني به،
صدر امرأة عفيفة جدًا وَحالمة بغلو في زمن سريع جدًا وَسخيف،
كمكافأة ربما، كهِبة، كثواب الصبر الطويل والعُسر،
 وفي ذروة هذا التهميش، وفي خضم أنقاض كثيرة وعتمة تخفي وراءها رموز كثيرة،
يحدث أن تُثير السياقات الغثيان لدى شخص 
مؤمن بسطحيتها أحيانًا،
يحدث أن تُشعل السطور فيه فتيل السأم 
من قراءة المضمون نفسه والحِبكة ذاتها،
فيهرب نحو الهامش، يستريح في ظلمة تومِض قليلًا 
لم يعبأ بومضتها أحد، 
بحدسه، وعمق استشعاره، 
يُعزز العتمة ويعبأ بالومضة،
فتصبح خلاصه،
ويُولي ذاك المكان عنايته،
لتظهر في مداه الرموز كلها وبلا قصد يلتحم بها،
فتفيض في مداه مياه محتبسة يتشرّبها
كالخلاص!
 
فيكون من أبحث عنه قادمًا من أنقاضي،
ومن أمكنة لم تكن يومًا ضمن مخططات بحثي،
من نافذة لم أُولِها كل هذا القدر من الإيمان 
بكونها قد تكون بابًا أصله شجرة !
مع أنني لطالما وهبتها محبتي الخالصة 
في كثيرٍ من الأحايين..
 
ما كنت أبحث عنه لم أجده وأنا أبحث،
وجدني، حين كنتُ أُعيد صناعة قلبي بقلبي..
لا الباب ولا النافذة ولا السياق ولا العابرين،
من الأنقاض، يجدني كشظية تجرح نفسها بنفسها،
بينما كان يسترجـع فيها أنقاضه!
 
كشظيتين التقتا صدفة على شفا هامش،
وصيّرتهما الأنقاض: سياق!
على هذه الشاكلة سيرممني لأول مرة سقوطي..
 
* كاتبة من السعودية.