موعد مع الغروب

حسن بوفوس*

 بدت ابتسامة الحياة وكأنها تنمحي شيئا فشيئا من جبين الأرض حين غروب الشمس، مثل شمعة، استنفذت معظم قواها، تقف بزهو وتحد أمام النسيم العليل، لكن ترددها بين الصمود والإستسلام أضعف من مقاومتها، فكان أن ضمها النسيم بين أحضانه بقوة،  فاستشعرت بين ثناياه  اطمئنانا يجل عن الوصف.
  بدت الشمس كأنها ياقوتة حمراء متوارية خلف حجب صفيقة، متباينة الألوان، متناثرة في السماء، هنا وهناك، زادها روعة انعكاس سيل أشعة أنهكها الإعياء، فلولها الأن تستعد لمغادرة قاع الوادي.
  تتبدى الأروقة التي تتخفي وراءها الشمس، كما لو كانت أحجارا من الماس مختلفة ألوانها، يتخللها بياض ما فتئ يقاوم بقوة وصلابة، اللون القاتم الذي شرع يكتسح الآفاق، بكبرياء واستخفاف.
  ها هي ذي الشمس تنحدر ببطء مخافة أن تثير أشجان الأنام ،أو توحي لهم بذكريات منسية، فكأن احاسيسهم  بركة ماء تنعكس عليها نبضات السماء.
  قبل أن يلتحق بعمله، ليلا، لحراسة السيارات ،كان الشيخ  يتردد دائما  لمتابعة مشهد غروب الشمس.  يجد سعادة جليلة وهو يتأمل الكون الشاسع . لربما استئناسا به يزيح عنه ثقل النهار الموحش، أو يرى فيها ما يخفف من وطء سكون ليل تتخلله من حين لآخر نقرات الأمطار على وجه الإسفلت ، أو زمهرير برد قارس أو هما معا.
  ما زال وفيا للموعد الذي يضربه مع الغروب.  
مضى لحدود  الآن على وفاة زوجته عشر سنوات.  لقد كان وقع الداء شديدا عليها، لكن تكاليف الدواء باتت أشد عليه ، لأن الدريهمات التي يقدمها له بعض الموسرين باستخفاف وبلا مبالاة، لا تدفع عنه ضائقة الفقر واليأس والداء جميعا.
  فرك لحيته بعض الوقت. أمسك بعصاه ثم قصد  الحي حيث يحرس السيارات، مطمئن النفس، مرتاح البال. 
  على حين غرة لمح بعيدا زميلا له أقرضه منذ أشهر قدرا من المال .   
  اضطرب الشيخ لرؤيته ثم هرول مسرعا لكي يتوارى خلف السور. دقات قلبه تتسارع بشدة. يترجى الله أن يخفف عنه قدره المكتوب. وفجأة... مثل الزلزال جذبته من الخلف يد شيطانية .
سخر الشاب من لعبته الصبيانية قائلا:
هيا.. هيا يا شيخ.. لقد تجاوز الزمان حيلك.
الرحمة ..ألا تشفق على سوء حالي. من قال لك اني تخفيت.  كنت فقط...
كنت ماذا؟ قد طال زمن الانتظار وحان الوقت لاسترد مالي. فأنا أيضا عرضة لسخرية ونقمة  الآخرين.. ومن يمهلني، أنا؟ ومن يرحمني، أنا؟ تعطيني مالي وإلا أتيت على حياتك ..أسرع ...هيا، أسرع.
    ولما تبين له أن الشيخ عاجز عن الاستجابة لطلبه كتمثال أصم، شرع يفتش جيوبه. عثر على ورقة ملونة بمثابة خلاصة شهر من العمل. حينذاك ارتسمت على وجه الأمرد  ابتسامة الفوز والغلبة. قهقه عاليا ثم انصرف راكضا، تاركا المُسن في حيرة من أمره.
   لم يستطع الشيخ فعل أي  شيء عدا الاستسلام لبكاء أخرس. استقام واقفا.  مرّر تمريرا خفيفا على دموع ذرفتها عيناه ثم شهق مصمما: «لن أستسلم للعجز ولليأس ينهش عظامي. سأعمل بجد».
   وبينما هو كذلك يوقد شعلة آماله الخبيئة  بشتى الأماني، أبصر الشاب عائدا. اضطرب الحارس لرؤيته وظن أنه سياتي على ما تبقى له من مال  أحكم طمره وراء السور. لقد فطن اللعين لحيلته. ربما رآه يكثر التردد على مخبئه ذاك. لقد عقد العزم لا محالة لكي يسطو على ثمرة جهد جهيد، رغم أنه استخلص ما كان مدينا له به من مال.
   وما  كان في وسعه إلا أن يوسع عيناه دهشا. فقد تقدم إليه وقبل يده الفتى بحرارة. اعاد له ما أخذه منه عنوة ثم رجع إلى حيث أتى دون أن ينبس بكلمة.
ما تخيله ! 
أكان يحلم ؟  
ربما... لأنه نائم! 
   هبت ريح المساء. أطفأت ما تبقى من أشعة الشمس. اسودت جنبات السماء.أفزع ذلك الأشجار والورود، فطفقت تلوح بأغصانها وأكمامها للشمس التي توارت ولتودعها الوداع الأخير. إنها لا تتحمل اكتئاب السماء فأرادت أن تخفف ثقل الظلام الذي مافتىء رويدا رويدا يرهق الأفق. 
  هدأت ثائرتها بعد أن استأنست بأضواء المدينة التي بدأت تشع في الفضاء الدامس. انغلقت أكوام الورد بدلال وكبرياء ثم استكانت إلى الرقاد. 
    وهو ما فعله أيضا العجوز كعادته.
 
* أديب من المغرب/ طنجة.