موت بارد في كل مكان (ثلاثة نصوص)

حسن حصاري*

صَنوبَرُ ضوْءٍ.. يُعقمُني 

أتعثرُ يَا أنا ..
 كلمَا دُستُ 
على رأسِ ظلٍ يتبعُني،
فلسْتُ أدرِي 
إنْ كنتُ أحسبُ بيقينٍ 
وأنا في كاملِ لياقتي
نبْضَ الخُطواتِ،
إنْ كانتِ الطُرقُ تسيرُ بي
تفتحُ عَينيَّ نَحوَ الجِداراتِ،
 أوْ تدفعُني مُبتسِمَة  
كغبارٍ أسوَد
نحوَ مرافئ العَتْبِ والنَّحِيبِ،
أمْ أنا طريقٌ في طريقٍ
 غيرُ مكتملِ الإشاراتِ.
وَحينَ أنظرُ إليَّ 
في مِرْآة الليلِ،
أسَافرُ بصَمتِ الحيرَةِ
 إلى رِحابِ مَسافاتِ زمنٍ
 يَشيخُ بِجُنونٍ. 
كمْ هِي مُلتهبة يَا أنا ..
 تِلكَ المَسافاتِ
 وَدائِرةٌ حَولي ببُرودَةِ الموتِ،
وأشكو بَعد انْحلالِ أزرَارِ الوقتِ
فرَاغ غَيْمٍ، 
مِنْ نَدى
 أشجارِ صَنوْبرِ ضَوِءٍ،
يُعقمُني، 
مِنْ ظِلٍ أشبهَ
 بِدُودِ الترابِ ..
ترَاب الأرضِ المَيتِةِ. *

مَوْتى .. بأعيُنٍ جَاحِظةٍ  

وَحدهُم المَوتى 
يُدركونَ اليومَ سِرَّ الحَياة،
الحياةُ .. 
حتى وإنْ كانتْ سَحابة عابِرَة 
مُبللة بالرغباتِ، 
تتقاطرُ منها النوايا والأجْسادُ
فهيَ حياة تتسعُ لِكلِّ المقابرِ المُتنقلةِ
بِلا أكفانْ.
لمِ يعُدْ بمقدورِ مَوْتى بأعينٍ جَاحِظةٍ
 الاسترْخاءُ
في بُطونِ حُفرٍ مُظلمَةٍ 
في انتظارِ دُعاءِ الصَّالِحينَ،
وَلا البَحث عَما يُثقلُ ميزانَ حَسناتِهمْ 
فِي الصَّبرِ عَلى الشدائدِ
ولا عَلى تحمُّلِ صَدقة عَويلٍ
تُذكرُهُم بِأن مَوتهُمْ
 حَقيقة لا تُغتفرْ.
هَا المَوتُ الباردُ في كل مَكانْ 
يُوزعُ شهوةَ رُعبِهِ الآسِرِ عَلى القلوبِ.
والقلوبُ الحَّية 
تحْيا بِالموْتِ
إذا كانَ مُفعما بِالحياةِ 
لا قبراُ يتسعُ لكلمَاتِ اطراءٍ
بشاهدٍ منِ حَجرْ.

رقصٌ .. على" الوحْدة والنصْ "

كطحلبٍ صغيرْ
أصارعُ يرقاتِ البحرِ المُتسخةِ
عَلى البقاءْ،
كلما عاكستُ تياراتِ مائهِ الباردِ
تلتصقُ بي كطفيلياتٍ عنيدَة، 
تمتصُّ أملاحَ مفاصلي الهَشة
عند جُدورِ صخرهِ المُتآكل.
البحرُ..
بزُرقتهِ الآسِرةِ ..
 بصخبِ ايقاعاتهِ ..
 مَرقصٌ كبيرٌ
 لِحيتان بأفواهَ شرِهة.
أكانَ لا زما عليَّ
 أن أكونَ طحلبا برأسِ سمكةٍ 
وأنتظرُ الخلاصَ ..؟
خلاصٌ منْ حِيتانٍ
تلتهمُني
كلما زادتْ شراهَتها 
 لرقصِ ..
  رقصة :
 " الوحْدة والنصْ "
 
* أديب من المغرب.