من الواقعي إلى الافتراضي :امتـدادات العـالَم المُـحـايِث 

سعيدة تاقي*

نحيا الحياة في عالـم يتجدَّد ويتحوَّل بوتيرة متسارعة. لم يعد احتساب الأجيال يحتاج إلى عتبة تتجاوز العشرين سنة، قد تكون حاليا خمس سنوات حاسمة في تشكيل الهوة الجيلية بين المنتمين للعقد الزمني ذاته. لا شك أن الحياة الإنسانية ما زالت تعاش بسرعات متفاوتة نظرا للاختلاف الطبيعي والصناعي والمختلَق بين التقسيمات الاقتصادية الجيوسياسية والإثنية والثقافية. لكن العالم بأكمله ـ واعياً وغير واعٍ ـ يسعى جاهدا في أنساق المنظومات الاستهلاكية والتقنية والرقمية والافتراضية إلى الانتماء للحظة، تلك اللحظة المنفلتة من عمر البشرية.
 
1 ـ خيالات الإعلام وخريطة القيم 
 
المصداقية والتضليل:
يذهب جان بودريار الفيلسوف والمنظر عالم الاجتماع الفرنسي في "وهم النهاية" إلى أن الخبر يحوِّل كل شيء ضمن الشاشات إلى موضوع مشكوك فيه، فهو مثير للارتياب بشكل متواصل. و مادام الخبر يقدَّم مثل أي فرجة أخرى، فهو غير قابل للتحقق إلا داخل الشاشة.  فالأحداث لا تشير ـ عبر وسائط الإعلام ـ إلى الواقع بوصفه متحقِّـقاً بشكل عيني، بقدر ما تشير إلى زيفه. تتساوى في ذلك الأحداث الماضية بالأحداث المستقبلية. فما نعايشه أو نتابعه مثلا على نشرات الأخبار من أحداث أو حروب أو نزاعات لم يعد يحدث في الواقع مثلما هو في حقيقة الحال، بل يحدث في الافتراض الذي تبنيه الصورة التلفزية أو الإعلامية بأشكال التحديث المختلفة التي تنتهجها في خططها التحريرية.
لقد عوَّض الشكُ معاييرَ الحقيقة في المجتمعات ما بعد الحداثية. وغدا ـ وفق بودريار ـ المبدأَ الأوَّلَ للخبر يكتسح الأحـداث والـصور والتسجيلات والـتاريـخ. وعندما يحقِّق العقلُ الإنساني دحض الشك بالبرهنة والاستدلال، فإنما يتم ذلك ضمن مقولات الافــتراضي التي تجعل الواقع المتقلِّب والمتناقض والمنسرِب واللايقيني موضوعا استهلاكيا بشكل مباشر للافتراضي.
لقد اقتضت استراتيجيات الوسائط الإعلامية لكي تضفي المزيد من "المصداقية" على أحداث حرب الخليج مثلاً، المزايدةَ على عدد الموتى. وعبر التحكم في الخبر وفي استعراض القوة العسكرية الأمريكية نزع الأميركيون المصداقية عن الحرب والخبر في الآن نفسه.
هكذا اكتسح التضليلُ العالَم السمـعي البـصري و استـطلاعـات الرأي ووسائط الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي؛ بحيث عبر صيرورة بناء الحدث/الخبر تسحب الصورةُ الإعلامية المصداقية عن الخبر، ويسحب الحدث بدوره المصداقية عن الصورة. 
 
الإعلام وتسيير الكارثة:
لقد تلاشت مصداقية الخبـر و مصداقية الصــورة الإعـلامية ضمن منـظومة تسيير الكارثة التي يسعى عبرها العالَم المتقـدِّم/المنتِـج إلى تقوية السيطرة على الــعــالم بأسره بما يتضمنه من استهـلاك وتبـعـية وانقياد مفارِق.  والعالَم المُستهلِك يعي وقوعَه تحت سلطة "الإمبراطورية". (بمفهوم إيـمي شوا أستاذة القانون بجامعة يال في كتـابها "عصر الإمـبراطـوريـة: كيف تـتـربع القـوى المطـلـقة على عـرش العالم، وأسباب سقوطها" 2007/ نقله إلى العربية منذر محمود صالح محمد) لكن هذا الـوعي يتسم بـتـضـارب الـمواقـف يتـداخل فيه الإعـجاب والحسد بالكراهية والحقــد. فـبينما يعُـدُّ الملايـين في كل أنحاء العالم أن أميـركا متعـالية وجشعة وواعـظة منافـقـة، إلا أنها المكان الأول الذي يرغـبون في التـوجه نحوه و الحياة فيه إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا. و تؤكد في هذا الصدد إيما شوا ـ وهي الأيمركية من عرق "الهان" الصيني ـ أن "الانتشار العالمي للأسواق الحرة و للديموقراطية و للمنتجات الأميريية، و للعلامات التجارية والثقافة الاستهلاكية الأمريكية لا يعني أنه سيفضي إلى "أمركة" الأمم الأخرى أو إلى رغبتها في الانضواء تحت الزعامة الأميركية". و"يظل ساذجاً تصوُّر أن العراقيين "المحرَّرين" سوف يقابلون القوات الأمريكية بالحلوى و الورود. فلا يتخيلن أحد أن الفلسطيني الذي يعتمر قبعة بيسبول ويشرب الكولا يمكن أن يتحول إلى أميركي."
 
الإخفاء والادعاء والاصطناع:
جان بودريار كان قد حدَّد سابقاً في كتابه الشهير  « Simulacres et simulation» الصادر سنة 1981 عن دار جاليلي، ( كتاب يستعصي على الترجمة منذ عنوانه. وكل محاولة ـ هنا والآن في هذا المقال ـ لترجمة بعض مقاطعه هي تداخل واهِم و مُوهِم بين الاصـطـناع والادعاء و والمحاكاة والتمثيل و التظاهر...) أنَّ الحجْب/الإخفاء يعني التظاهر بأننا لا نمتلك ما نملكه بالفعل، بينما الادعاء/التمثيل هو التظاهر بامتلاك ما لا نملكه. فالأول يحيل على الحضور، والثاني يحيل على الغياب. لكن الأمر ـ وفق بودريار ـ ليس بهذه البساطة؛ لأن الشخص الذي يتظاهر بمرض ما بإمكانه أن يلزم الفراش موهِماً المحيطين به بأنه مريض بالفعل. بينما الشخص الذي يدَّعِي/يمثِّل مرضاً ما سنلحظ عليه بعض أعراض ذلك المرض. هكذا فالتظاهر أو الحجب/الاخفاء يتركان مبدأ الواقعية سليماً واضحا، لأنه ما زال موجــودا خلف القـنـاع. أما الادعـاء/التمـثـيـل فإنه يخـلخـل الاخـتـلاف بين "الحقيقى" و "المـزيَّف" و بين "الـواقـعي" و "الخيالي". لأجل ذلك ربما يستعصي علينا في عالم تمتد شبكاته الرقمية بين كل القارات تمييز الخبر الزائف من الحقيقي عند تلقيه العفوي.
 فهل المدَّعي/المُمثِّل مريض أم ليس مريضاً؟ يجيب بودريار  قائلا: موضوعياً نحن لا نستطيع معالجته بوصفه مريضاً، و لا بوصفه غير مريض. فالطب وعلم النفس معاً يتوقفان عند هذا الحد أمام حقيقة أن المرض بدءً من اللحظة غير موجود. وإنْ كان أي عرَض مرضي قابلاً للاصطناع/للإنتاج، و لا يمكن بموجب ذلك أن يتم تلقيه بوصفه أثراً طبيـعـياً، فإن كل مرض حينها سيعَدُّ ادعاء وتمثيلاً، و يفقد الطب معناه. لأن الطب لا يعرف سوى معالجة الأمراض "الحقيقية" بالنظر إلى مسبِّباتها الموضوعية. فالمرض العضوي الناتج عن أسباب نفسية يتطور بكيفية مراوِغة لمحدِّدات أصل المرض. ويحوِّل التحليل النفسي حينها العرض المرضي من النسق العضوي إلى نسق اللاوعي: وهذا بدوره يفترض أن يكون "حقيقياً" ، بل حقيقياً أكثر من الآخر. ويتساءل بودريار: لماذا الادعاء يتوقف عند أبواب اللاوعي؟ لماذا عمل اللاوعي لا يمكن أن يُنتَج/يُصطنَع بالكيفية ذاتها لأي عرض مرضي للطب الكلاسيكي؟
 
صورة ثلاثية الأبعاد:
"أستطيع أن أرى حدود الكون بالتلسكوب، و أستطيع أن أرى النشاط داخل المخ عن طريق جهاز المسح بالأشعة، و لكنني لا أستطيع أن "أرى" داخل عقلك. نحن جميعا نؤمن بأن العالم الذهني متمايز تماما عن الواقع المادي، ولكننا رغم ذلك معنيون ـ في حياتنا اليومية ـ بعقول الآخرين، مثلما نحن معنيون بالواقع المادي. إن غالبية تفاعلاتنا مع الآخرين هي تفاعلات بين عقول و ليست بين أجسام."
يتخذ كريس فريث، الطبيب و أستاذ علم النفس العصبي بمركز ويلكوم ترست التابع لجامعة كوليج لندن، هذا التحديد منطلقا للإجابة على سؤال "كيف يخلق المخُ العالَم؟" في كتابه «Making up the Mind: How the Brain Creates Our Mental World» الصادر في طبعته الأولى سنة 2007 عن  Wiley-Blackwell (ترجمه شوقي جلال إلى العربية بوسم "تكوين العقل: كيف يخلق المخ عالمنا الذهني" ضمن إصدارات المركز القومي للترجمة  لسنة 2012).
يؤكد فريث أن التمييز بين ما هو عقلي و ما هو فيزيقي تمييز زائف. إنه وهم من خلق المخ؛ فكل شيء نعرفه سواء عن العالم المادي أو الذهني مصدره المخ. غير أن صلة المخ بالعالم الفيزيقي للأجسام ليست صلة مباشرة. فالمخ البشري يخفي جميع الاستدلالات اللاواعية التي يصنعها. بيد أن كل مانعرفه عن العالم الفيزيقي بما في ذلك ما نعرفه عن أجسامنا يأتينا عبر المخ. فالمخ لا يقتصر دوره على مجرد نقل المعرفة إلينا، و إنما يصنع بنشاط و فعالية خلَّاقين صور العالم، و قد تكون تلك الصور أحيانا زائفة تماما، بالنظر إلى الكم المحدود و القاصر من العلامات التي تزوده بها حواسنا. فلئن كانت الصور البصرية المنعكسة على شبكية العينين مثلاً صوراً ذات بعدين فحسب، فإن المخ يخلق خبرة مفعمة بالحياة عن عالم الأشياء المرئية و يجعلها منتظِمةً في صوره في تشكيل ثلاثي الأبعاد.
 
"نحن نتعلَّم التنبؤ بالمستقبل":
أكدت تجارب إيفان بتروفتش بافلوف بسانت بلاسبرج، أن المنبهات الإشراطية وحتى الاعتباطية تتحول إلى إشارات دالة على الإثابة بظهور الطعام تقود الحيوانات إلى إفراز اللعاب وإلى الاقتراب من المنبه، أو دالة على المعاقبة بالصعقة الكهربائية تقود الحيوانات إلى تحاشيها. ويؤكد قانون المؤثِّرات الذي وضعه إدوارد لي ثورندايك بنيويورك، أن احتمال تكرر الاستجابة لاحقاً مرتبط بالنتيجة التي تحققت عنها، فالاستجابات التي تتبعها نتائج إيجابية، يزداد احتمال حدوثها، بعكس الاستجابات التي تكون نتائجها سلبية، فيتبدد احتمال حدوثها فيما بعد.
 ولأن المخ في عملية تعلُّم مستمرة، عليه في كل لحظة أن يستكشف هوية الأشياء من حوله؛ هل هي قريبة أم بعيدة، ضارة أم نافعة، هل يتعين عليه الاقتراب منها أو تجنبها؟. يرى كريس فريث أن التعلُّم عبر الإشراط أو عبر المؤثِّر آليتان مهمتان لاكتساب المعرفة في العالم، نحتاجهما للبقاء على قيد الحياة. فهذا التعلُّم يحدد كل المنبهات المفيدة في العالم الخارجي، التي تطلعنا على ما سيحدث في المستقبل. نتعلَّم عبرها تمييز الأشياء المحبَّبة من الأشياء الكريهة، و نتعلَّم كذلك ماذا علينا أن نفعل للحصول على ما هو محبَّب و نتجنب ما هو كريه. فنتعلَّم أن إشارات معيَّنة و أفعالاً محدَّدة ستكون سبباً في حدوث أخرى في الزمن المستقبل. و هكذا يغدو بإمكان المخ أن يتنبأ بما سوف يحدث، وفق ما أثبته التقدم المتحقق في دراسة الخلايا العصبية و تسجيل النشاط العصبي أو الكيميائي في هذه الخلايا...
 
* كاتبة وناقدة، أستاذة مبرزة / جامعة الحسن الثاني ـ الدارالبيضاء، باحثة جامعية في تحليل الخطاب والدراسات الإنسانية.