من أنا لأحتفلَ بذكرى مَوْلِدِي؟

محمد بدازي*

وحدي في البيت. الساعة جَاوَزَت مُنتصف اللّيل بقليل. على الطّاولة، أمامي مباشرةً، مِنْفَضَةُ للسّجائرِ بها خمسُ سجائر أَتَت عليهم النار. في الجانبِ الأيسر للطّاولة، علبةَ سجائر وزجاجة خمرٍ أحمرٍ ورواية "نوميديا" للكاتب المغربيٍّ طارق بكاري. نافدةُ البهوِ المفتوحة عن آخرها، تكشفُ  عما خلفَها من ظلامٍ مُتَجَهّمٍ، وأمطارٍ تبدو مُترددةً في السّقوط. وتكشفُ، كذلك، عن ريحٍ تُداعبُ بلا مللٍ ولا كللٍ الستائر. خلف النافذة، هُنالِك حيثُ الظلام والرّيح والمَطر والنجوم وأشياءَ أخرى لا تُرى بالعين، يَستوقِفُكَ الخواءُ والصّمتُ اللّيليّين، والسّمو اللّيلي الذي يصلُ حَدَّ الغطرسة. وتستوقفكَ تلكَ المعاني اللّيلية التي لا معنى لها، أو قُلْ، لا معنى لها بالنسبةِ إلى الكثيرين مِنَّا.

ثمة أشياءٌ كثيرة في الحياةِ تحتاجُ منّا قليلاً، أو ربّما كثيراً من التَّأَمُّلِ والاندهاش. والوجود الظّلاميُّ، هذا الذي أراهُ الآنَ خلفَ النافذةِ، أَحَد هذه الأشياء. َمُلغزٌ حقاً هذا الكون الذي نعيشُ فيه. فلا شيءَ فيهِ، حسب ما رأيتُ وعِشت، يَسيرُ بكيفيةٍ عشوائية. بل إنه، وهذا إنْ يُطمئن البعضَ منا، خاصة أولئك المؤمنين غير المُصابين بلوثة التساؤل، فإنه يُحيرني أشدّ الحيرة.
إنهُ اللّيل. الزّمن الذي يقومُ فيهِ المرءُ بأشياء مغايرة عن النّهار. يُمارس الحُب، يُبدع، يَحْلُم، ويُفكر. اللحظة التي ينتبهُ فيها المرءُ إلى ذاتِهِ، تلك الذات المقذوف بها في هذه الحياة العبثية، ويتساءل عن معنى وجودِهِ، والغاية من هذا الوجود، وكذا الدور الذي يلعبه، كذات في الحياة.
ما معنى أن أُوجد؟ هل لوُجُودي غاية أو حكمة أم إنه مَحْضُ صُدفة عبثية؟ هل لي دورٌ ألعبهُ في هذه اللعبة؛ لعبة الحياة، أم إني مجردُ عابر سبيل؟ وإذا كان لي دور ألعبُه، فهل هو أساسيٌّ أم ثانوي؟ وهل أنا الذي أبتكر الدور الذي ألعبه أم إنه محبوكٌ لي سلفاً؟
هل أنا حرٌّ في القولِ والفعل؟
هكذا أتساءل دون طمعٍ في جواب.
بعدَ لحظة سهوٍ قصيرة سافرتُ أثناءَهَا بعيداً، عدتُ إليَّ لأجدني ما زلت في البهو. أخذتُ سيجارةً من العُلبة، أشعلتُها واتصلتُ بِهِبة كي تأتي وتكملُ معي ما تبقى من اللّيل، وتحتفلَ معي بعيدِ مَولدي الثّلاثين.
لقد كبُرت إذن. ثلاثون سنة في هذا الوجود. لكن، قلتُ لنفسي، لمَ  أحتفل؟ ماذا قدمتُ وماذا أخرت؟ ماذا حَقَّقْتُ لي وللعالم حتى أحتفل بذكرى مَولدي؟
لم أجد جواباً عن هذه الأسئلة. ارتشفتُ قليلاً من كأسي وأطفأتُ سيجارتي التي أتتِ النارُ على جزءٍ كبيرٍ منها، ثم أعدتُ الاتصال بهبة التي قالت إنها في الطريق إليَّ.
تعرفتُ على هبة في شمالِ المغربِ حينما كنا، بعض الأصدقاء وأنا، في سفرٍ. دعاها أحدٌ مِن الأصدقاء هي وصديقتُها وداد لشربِ فنجان قهوة. بَدَت يومها متغطرسةً ومتكبرة، من نوع النساء اللّائي  لم يقرأنَ كتاباً في حياتهن، أولئك اللواتي يتّكِلْن على نهودِهن وأردافهِن وسيقانهنّ من أجلِ إثارة من يُحيط بهن، ومن أجل ابتياعِ بعض لوازم الزِّينة.
لكن ذلك لم ينطبِق على هِبة.
أشعلتُ سيجارةً أخرى ووضعتها على شَفَا المنفضة، بعدما نَفَثُّ بعضاً مِمّا دخل إلى صدري من دُخان. أخذتُ ورقة وقلما وشرعتُ أكتب. كتبتُ: "في ذكرى مولدِكَ، يحدثُ، في الغالبِ، أن تستحضِرَ الماضي، كلّ الذي كانْ أو جزءاً منه على الأقل. تَتَوقفْ، ثم تشرَعُ في النَّظرِ إلى الوراءِ مُتَمعناً في المَسَارِ الذي قَطَعْتَه. ومن مكانٍ قَصيٍّ تظهر لكَ الطفولة، فتقولْ بعدَما تلحظُ المسافة الفاصلة بينكَ الآنَ وبين طفولتِك، آهٍ، لقد كَبُرت. لقد تجاوزتُ رُبْعَ قرنٍ بخمسِ سنوات".
أهٍ، إنها الطّفولة، طفولتي. هذا ما أقولُهُ لي بعد تلك الأسطر. اجتـرَعْتُ ما تبقى من الكأس وملأت نصفه من القنينة.
عدتُ إلى الورقة والقلم وأضفت: "أين أنا الآن من أنايَ الذي كان؟ أَيْنَنِي من الذي كنتهُ؟ أنا الطفل؟ ألا يجدرُ بي الآن أن أعود، ولو ذهنيا، إلى ذلك الطفل الصغير الذي كنتُه؟" توقفتُ لبرهةٍ كأني أبحث عن أجوبة ممكنة، لكني أتممتُ الكتابة: "قبل ثلاثين سنة، في عام ألف وتسع مائة واثنان وتسعون، ولدتُ من رحمِ أمٍّ هي الحياة، والحياةُ هيَّ، وعلى أرضٍ هي جزءٌ من الذَّاكرة". ارتشفتُ قليلاً من الشّراب ودخنتُ،  ثم استأنفتُ الخاطرة، أو الطريق إليَّ. كتبتُ: "في الطريقِ إليَّ، تتزاحمُ الصُّور في ذهني. أمكنةٌ ما زال بعضُها كما كانَ والبعضُ الآخر انهَدَمَ جزئياً أو كلياَ، أشخاصٌ، الأحياء منهم والأموات، أراهُم ولا يَرَوْنَنِي، أحداثٌ كثيرة..." تأتيني، وأنا أكتب، صوّر كثيرة مُزدحمةً. فأَضْطَرِب. أُواصلُ الكتابة أو الطّريقَ فيزيدُ اضطرابي.. أرتجِفُ. أُدَوِّن: "كُلَّمَا تقدمتُ، كلما قارنتُ بَيْنِي أنا الآن، وبيني أنا الذي كان. وأقولُ لي بنوعٍ من التَّهَكُّمْ: ومن أنتَ في آخرِ المطاف؟ لستَ أكثر من لحظةٍ عابرةٍ جمعت والدَاكَ. كانَ مِنَ المُمكنِ ألا تكون، وأن ينقُصَ العائِلة ولداً هو أنت الذي يكتبُ الآن هذه الحُرُوف. ثم من أنتَ بعد تلك الصّدفة العابِرة التي قد تُسميها قدراً؟ لستَ إلا فتىً عاش طفولتَهُ تائهاً طائشاً. في مرحلةٍ مع الجدّين من الأب، وفي مرحلةٍ ثانيةٍ مع الجدّين من الأم، وفي مرحلةٍ ثالثة مع العم، ثم في مرحلةٍ أخيرةٍ مع الوالدَين. لكنكَ، في الحقيقةِ لم تكن مع كل هؤلاء. كنتَ وحدَك."
 أُضيف: "ركِّز معي.. تَمَعَّنْ جيداً، طفولتكَ، أو قل طفولتُنا، مجردُ تيهٍ، وحرمانٍ، وعشوائية. تَذَكَّر أنك ما كنتَ لتشرعَ في الدراسة مِثْلَ أقرانكَ لولا الصُّدفة. أو قُلِ القدَرُ إنْ شئتْ. وبعد أن كبرت، هل تعتقدُ أنكَ فاعلٌ لأمرٍ جَلَلٍ"؟ أضيفُ، لكن هذه المرة بقسوةٍ مُمعنةٍ في القَسَاوَةِ: "خرجتَ من تيهٍ لتدخلَ في آخرٍ أعمق منه. تيهُ الوجود والمعنى. تائهٌ أنتَ بين أن تكونَ أنتَ الذي كانْ، أو أنت الذي عليه الآنْ. لا تعرفُ هل تُقْبِرُ الأول وتعيشُ الثاني، أو تجعلُهُما يعيشانِ فيكَ معاً رغم تناقُضِهِما. على الأقل كنتَ في تيهِكَ الأول مرِحاً، فَرْحَاناً، لكنكَ الآن قلق، شقي، تعِس، نكِد".
فعلاً أنايَ، أَرُدُّ على ما كُتِب،  أنت على صواب. إني الآن يأِس. قَلِقٌ. نعم، لم أكن، وأنا ذلك الطِّفلُ الصَّغيرُ الذي يجري حافيَّ القدمينِ، ويسرقُ الجواربَ المنشورة على حبل الغسيل، ويطرقُ باب الجيرانِ في اللَّيالي الظَّلْمَاء، ويفعلُ أشياءَ أخرى بمرحٍ غامر، لم أكن أعتقد أن ذلك سيعقبهُ هذا الشقاء، وهذا القلق. هذا اللاشيء الذي أحياه.
كتبتُ أسفل الورقة: "الدار البيضاء، 6 يونيو 2022". ثم ألقيتُ بالقلمِ فوق الورقةِ بانفعالٍ غريب، وهَمهمتُ بنوعٍ من السخرية:
من أنا لأحتفلَ بِذكرى مَوْلدِي؟
أنا لا أَحَد.
جرسُ البيت يَرِن. وَصلتْ هبة.
 
* كاتب من المغرب.