منصور راجح 15 سنة وراء القضبان: لا اؤمن بشعرٍ محض!

حوار وتقديم: زهير فخري*
 
واقعيٌّ جدًّا، لكنّهُ فِي الآن ذَاتهِ مُتطرِّفٌ في الْحُلُم. مَسْعاهُ أنْ يُتوَّج بوِسَام الشَّرَف مِن درَجَة "سَارِق" حتّى يَحظى برَمزِيةِ برُومِيثيُوس. تَخلَّقتْ ذاتُهُ الشاعِرَةُ فِي جُزءٍ كَبيرٍ مِنهَا، دَاخلَ سُجونِ اليَمَن في عَهدِ عَلي عَبد الله صَالح، حيثُ مَكثَ فِيهَا أزْيدَ مِن خَمْس عَشرةَ سَنةً. أَصرَّ عَلى الإقامَةِ في الشِّعر، لتَبدِيد هَوْل الإقَامةِ في الأَقبيةِ البَاردَة. كانَ الشِّعرُ آليتَه الأَثِيرةَ للمُقاوَمَة، وبُرهاناً علَى أنَّه حيٌّ حتَّى وَهُو في "خيْمَة الإسْمَنت" القاتِلَة؛ وَبالشِّعرِ كانَ يُحوِّلُ السِّجنَ إلَى فَضاءٍ لمُمَارَسة الحُرِّية... 
في الحِوَار التَّالي تحَدَّث لِي مَنصُور رَاجِح، الشَّاعِر النَّرْويجِي المُتَحدِّر منَ اليَمَن، عَن مُقتَضَياتِ الكِتابَةِ دَاخلَ السِّجْن وضَرُورَاتِهَا، وعَنِ المَرأَة التِي يَعتَبرُها "كَثافةَ الحَيَاة" والَّتي كَانَ "يَهْزمُ بهَا أمْسِياتِ العَذاب" كَما يَقُول، وعَن شِعْر الأَسْر بِاعتِبَارهِ بَاباً منْ أَبوَابِ "شِعرِ الْحَرْب" أو شِعْرَ "المُقَاوَمَة الإِنسَانِيَّة الْخَالدَة". تحْضُر اليَمَن بدَورِهَا في هَذا الحِوار كَـ"ذاكِرةٍ موْشُومَة"، وَكرَحمٍ تشَكَّلَ فيهِ وَعيُهُ وَترَادَفتْ فِيهِ تجَاربُه الحَياتِيةُ الَّتِي كانَتْ أقْسَاهَا تَجْربةُ السِّجنِ. 
 
 
 
*حتَّى لا نُقلِّبَ المَواجِع، لنْ نَتحدَّث عنْ سَنواتِ السِّجن الطِّوَال الَّتِي قَضيتَها بِاليَمن، وهوَ مَا قِيلَ فيهِ الكَثيرُ طبعاً؛ لكنْ لِنطرُقْ باباً آخَرَ متَّصِلاً بِهذِهِ التَّجرِبَة، وَأسْألك عنْ تِلكَ الآليَة العَجِيبَة، آليَةِ مُقاوَمَة أهْوَالِ السِّجن التِي نُسمِّيها الشِّعر...إلَى أيِّ حدٍّ أنْتَ مَدينٌ لِهذِهِ الآليَة؟
 
 ـــ مقاومة السجن مسألة أعقد وأكبر من طاقة الشعر ما لم نقرأه (نكتشفه ونكتشف أنفسنا في سياقة قولا وقراءة) كحقل من حقول ممارسة الحرية وتجلٍّ من تجلياتها، أو جوهر من جواهرها. هو حرية المرء في ذاته، حرية المرء في ذاته هذه التي هي الأساس في مجمل المقاومة، وإن دخل في عداد ما أسميته أنت بمقاومة السجن بالمعنى المباشر من زاوية طبيعته، أو انتمائه إلى المخيال! ثمة خيال ضروري لتجاوز السجن كحالة قاسية وهو الأمر الذي يصل بنا إلى المجاز (الشعر بعد أن يكون قد تحول من شعور إلى لغة) فضلا عن أن قول القصيدة، بما هي جمال، يؤدي إلى تحرير الشاعر من احتقانات السجن. ثمة إحساس بالانتماء إلى الحرية، ثمة إحساس بالانحياز إلى ما هو أبقى: الجمال والحياة. ثمة إحساس بالإنجاز؛ إنجاز القصيدة. ثمة ما يساعد على التماسك في مواجهة السجن كقسر وخوف وهوان أكثر من كونه أصفادا أو حيطانا. ولما كانت حرية المرء في ذاته، أو الحرية عموما، لا معنى لها بدون تفعيلها، بدون ممارستها، فإن هذا التفعيل\ الممارسة يوصلنا إلى مسألة في غاية الأهمية وهي مسألة تحويل السجن إلى موقع لممارسة الحرية؛ ومن هنا تجيء مسألة الشعر وقوله، أو بالأحرى ممارسته فقط كآلية لمقاومة أهوال السجن كما ورد في سؤالك. 
 بالنسبة إلي، من نافل القول إنني قد زُجّ بي في السجن في وقت كنت قد أصبحت متكونا ومتملكا لأدواتي، أدوات ممارستي للحرية، يدخل في ذلك أيضا تملكي لملكة الشعر وأدوات قوله أو التعبير به وعبره، وعليه فلقد وجدت نفسي من أول لحظة أرى ما حولي بعيون الشاعر، حتى لو تعلق الأمر بحفلة تعذيب! ثمة طرفة أو صورة أو كلمة توحي أو تعلق بالذهن إلى أن تستدعي قصيدة أو صورة إبداعية. لم يكن من الممكن الكتابة في الأشهر الأولى سوى في الذهن! حاولت التمسك بالكتابة، ما أمكن وبكل قوة، في الذهن، مفكرا حتى في النقش بالظفر على الحائط كي أحافظ على ما يتوارد في ذهني، قبل أن يتوفر لدي القلم ومعه أشياء يمكن الكتابة عليها كأوراق السجائر، مثلا، أو الملابس ذات الثوب الذي تسهل الكتابة عليه (فقط للإمساك باللحظة) وهكذا دواليك، وصولا إلى أن أصبح من الممكن أن أكتب بعد أن توافر لي القلم والورق. بالنسبة إلي أصبح الكوجيطو الذي أتبناه هو التالي: "أنا شاعر إذن فأنا موجود". إنه إحساس رائع ونحن نتكلم عن مقاومة السجن، ثمة أوضاع وحالات لا يمكن أن تُفهم أو تعالج (ذهنيا على الأقل) منطقيا وبأدوات المنطق، بل فنتازيا أو شعريا وأنا أنطلق من طبيعة المعتقل الذي وُضِعتُ فيه، حالتي بالتحديد التي، في كثير من الأحيان، ما كان من الممكن تجاوزها سوى بالمجاز وعبر الشعر تحديدا، علما بأن مقاومة السجن، أيا كان، لا تكون إلا بتجاوزه حتى وإن كُنت في واحدة من زنازينه التي تحت الأرض (قبر)؛ بل إن الأمر قد كان كذلك، وهو ما كنت أعنيه حينما تكلمت في مواضع كثيرة عن مسألة أراها في غاية الأهمية، هي مسألة تحويل السجن (المعتقل) إلى موقع لممارسة الحرية. هنا حجر الزاوية: تجاوز السجن ممكن فقط بالعمل على تحويله إلى موقع لممارسة الحرية، وليس هناك أقنوم من أقانيم الحرية لصيق بها إلا الشعر، لنقل، ومسألة السؤال المركزية هي الشعر، التفكير بآلية الشعر، إنتاج القصيدة كأداة للجمال وللخيال في مواجهة المعتقل كبوتقة للقبح والكراهية والتحجر بين أو تحت أقدام سلطة العار، لا سيما للذي يتمكن من أدواته الإبداعية في مقاومة الموت والمعتقل. لقد كان السجن استنزافا للمنطق وشلا لأدواته فكان لابد من الكتابة.
 
 
*هَل يُمكنُ القَولُ إنَّ ضَرورَة الشِّعر، وَتسَاوُقاً مَع مَا سَبق، تَكمُن فِي تَحْرِير الشَّاعِر مِنْ قيدٍ مَا، أوْ في تَخلِيصِه مِنْ مَأزقٍ مَا قدْ يكونُ نفسِياً، أوْ فِي الرَّغبَةِ فِي تقاسُمِ التَّجربَة الإنْسَانِيَة مَع الآخَر؟ 
 
ـــ الشعر(وقوله) ليس مرتبطا بضرورة ما حسب التعريف الضيق للضرورة. فالشعر ضرورة، في حد ذاته، من ضرورات الحياة نفسها. الشعر تعبير عن حرية المرء في ذاته (قولا أو قراءة)، وهذه الحرية جوهر من جواهر الحياة التي بدونها يصعب حتى تعريف الحياة نفسها مثلها مثل الحب. فالشعر مثل زقزقة عصفور أو اخضرار شجرة أو تفتح وردة أو حتى زئير أسد؛ مثله مثل الموسيقى، تيار من تيارات الوجود، فهي تبدأ همهمة أو دندنة طالعة من رحم الوجود، وكأنها لغته قبل أن تتحول عبر الحنجرة والفم إلى غناء أو عبر الأنامل إلى موسيقى، أو عبر الجسد إلى رقص، بحيث يصبح هذا التيار أنيسا لأي من الحواس، مُسْتَوعبا من قبل الإدراك. هكذا يجب أن تكون الإجابة على سؤالك وإلا فسوف ندخل في معمعة مادية أو معمعة الوجود الاقتصادي للكائن بما يمثله من ضرورات وإمكانيات وأدوات لتلبية هذه الضرورات.
فقيمة الشعر الحقيقية هي في كونه ليس ضروريا بالمعنى المتداول للضرورة؛ وإلا فسوف نتساءل أيضا عن ضرورة الحب وضرورة الجمال والحرية، وصولا الى التساؤل عن ضرورة الحياة نفسها، وهذا ما أرادت وتريد الفاشية أن توصل الناس اليه.
إذا تعلق الأمر بالفنون فلا معنى للقول بتقاسم التجربة مع الآخر. الإنسان تجلٍ للكون وخاصة إن كان هذا الإنسان هو الشاعر، متوحدا مع الكون وليس منفصلا عنه إلا في الوهم. التعبير، وخاصة منه الفني أو الأدبي، هو تعبير عن كون مطلق، عبر كيان يعبر عن ذلك المطلق بما قد أصبح معروفا بالنسبي. لحظة كتابة الشعر يكون الشاعر فيها كلا، أي تكون ذاته ذاتا جمعية. 
إن ما يجعل الشاعر يسارع إلى كتابة القصيدة (الشاردة) هو موضوعيتها، فإن تماطل في كتابتها فسوف ينساها، لأنها لحظة تغادر سريعا. إن لم يسارع الشاعر إلى كتابة القصيدة فإنها سوف تجد لنفسها كوة أخرى تتجلى من خلالها ،عبر شاعر آخر يشعر بـاللحظة ويتمكن من التقاطها إلى حين تغدو قصيدة. ثمة أمثلة كثيرة لكن يمكن إيرادها في مقام آخر...
 
 
* دَعْنا نقِف عندَ ما يُسمَّى بـ “أدَب السُّجون”، ومَا كتبتَهُ يدْخَل، طبعاً، في هَذا الإطَار. هذا التَّوصِيف يُفضي بنَا مُبَاشرةً إلى التفكُّر فِي طبيعَة هَذا الصِّنفِ من الشِّعر. طبعاً لِهذَا الشّعرِ خُصُوصيتُه طالمَا هوَ مكتوبٌ في ظرُوفٍ غيرِ اعْتيادِية (مَكتُوب فِي حَالة اسْتِعْجَال كمَا يُقال): مَاهيَ بعضُ عَناصِر هذِهِ الخُصُوصيَة؟ ثمَّ كيفَ تردُّ علَى الذِينَ يَنتقِصُونَ مِنَ القِيمَة الأدَبيَّة لِهَذا الصِّنفِ منَ الأدَب؟
 
 ـــ من حيث المبدأ، فالشعر هو الشعر. ولكنه في السجن، في الأسر أو الحرب، ثمة مدافعة، ثمة نوع من المقاومة الضرورية التي تفضي إلى المباشرة،  ففي السجن والحديث هنا عن حالتي، أصبح الشعر في مواجهة القتل، إذ كان لا بد من المقاومة، والمقاومة تستدعي المجتمع ومعطياته، تستدعي الدفاع عن الحرية والحياة بكفية مفروضة؛ وبما أن المبدع حين يتكلم فهو يغترف من الخيال، فلا بد إذن من أن تتحول المخيلة نفسها إلى حقل من حقول المقاومة، والمبدع ليس له من ملكة سوى مخياله. 
الشاعر في السجن يكتب وهو مكبل بوجودٍ قاسٍ يحاول أن يواجهه، يقاومه، يتجاوزه، وبماذا؟ بأدواته! خاصة وأنه قد أصبح أعزل إلا منها … من هنا يجيء إبداعه: أسير يحاول التحرر أو يمارس الحرية، أسير حاجته إلى مقاومة السجن (القتل بكل المعاني حسب تجربتي) وفي هذه الحالة حتى الجلاد مثلا يصبح هدفا، إما أن تكسبه إلى صفك أو تفتته من داخله. وهنا لابد من خطابٍ شعري (أو شعر خطابي) يصل بدون عناء،أي أن يكون في متناول المتلقي. ومن هنا فإن الكتابة الإبداعية داخل المعتقل هي فعل مكابدة، إذ يجب التوفيق بين ممكنات الملكة و(وظيفتها) وما بين (ضرورات) الاستمرار في الوجود بمعناه المادي المباشر... يجب أن يصل القول (الشاعري) الذي لن يصل مالم يكن مفهوما أو قابلا للفهم بيسر، ومن قبل أي متلق حتى لو كان السجان نفسه أو الجلاد! من هنا تجيء المباشرة وإن كانت لا تخلو من تلقائية، علما بأن الشاعر في كل حالاته يظل سجينا حتى وهو خارج المعتقل، هو سجين العادة والتقليد والنظام السياسي وضرورات الحياة بكل المعاني الاقتصادية والاجتماعية بل والقيمية كذلك...إلخ. ومن هنا أيضا قلنا في أول هذه المقابلة إن الشعر هو شكل من أشكال ممارسة الحرية، أو تفعيلها بالمطلق وصولا إلى أن نقول هنا: أينما كنت حاول أن تفعّل حريتك في ذاتك،
ولو تعلق الأمر بشاعر قيد القتل فيجب أن يقاوم، ولأنه لا يمتلك سوى براءته ومخياله فيجب أن يشحنهما بكل ما يجعل منهما خطابا شعريا؛ الصورة موجودة والخيال موجود والجمال موجود، ولكن على الشاعِر أن يعبر بصيغة مفهومة علما بأن كلمة "مفهوم" يجب أن تكون غريبة عن الشعر وآليته، أي عن ميكانزمات قوله وقراءته أو الاستماع إليه. في كل الأحوال فالأمر خاضع للذائقة وللتناول النقدي علما بأن شعر السجون وشعر الأسر باب من أهم أبواب الشعر في تاريخه وعبر العالم كله، ولم يقلل أي كان من شأنه. بل إن أعظم الأشعار هي تلك التي قيلت في مواجهة السجن والأسر من زاوية كونهما يتناقضان مع الحرية والحياة. ويمكن اعتبار شعر السجن والأسر باب من أبواب شعر الحرب أو الملاحم أو شعر المقاومة الإنسانية الخالدة، مقاومة القسر والإكراه والمصادرة.. لا لم ولا يقلل أحد من قيمة شعر السجن أو الأسر بل إنه شعر يحتل حيزا مهما جدا في مجمل تاريخ الشعر وعبر العالم كله. وعموما فالشعر إما أن يكون شعرا أو لا يكون، وهذا بغض النظر عن مكان قوله لأنه في الأساس (زمن!). أما إذا كان هذا المكان ساحة حرب أو أسر أو سجن أو منفى، فإننا هنا يجب أن نقرأ شعرا عظيما!
ولا معنى للقول إن هذا الشعر شعر استعجال، أي أنه مكتوب على عجلة من الأمر، وإن كان الأمر يبدُو كذلك من زاوية صعوبة الاحتفاظ بالشاردة إلى أن تنضج، إذ يجب الإمساك بها فورا بشكل أو بآخر. القصيدة حين تأتي، تأتي مرة واحدة ودفعة واحدة والشعر حقيقة لن يكون شعرا ما لم يكن كذلك ومن هنا قالت الناس بالقريحة..
 
* مِن دَوَاوينكَ التِي تسَنّى لِي قِراءَتها «أوْجَاع الرمّاح" و"مدارُ السِّجن، مدارُ الحبّ" و"بَعيد: قرِيب" والكِتاب المُزدَوج "رَبيعُ الرِّيح"، وقدْ أثارَني فِيهَا تفاوُت مُستوَياتِ الكِتابة؛ هُناك مثلاً مَقاطعُ يَعلو فِيها سقفُ المَجاز وأخرَى تقولُ مَا تقولُ بلغةٍ عَاريةٍ غيرِ مُتكلِّفة...، مَا هيَ أوْلوِيتُك عِندَ الكِتابَة: هل تَنتصِر لمَوضُوعِك علَى حِسابِ اللُّغة أم هُناك مَقامٌ يَستدْعِي ذلكَ وربَّما آخرُ يدعُو إلى قولِ المَوضُوع بلغةٍ لا تبتعِدُ عنْ مُقتضَيات الكِتابَة الشِّعرِية؟
 
ــــــ الشاعر شاعر بفعل شعره وفي شعره طبعا، ولكنه لا ينطلق من فراغ ولا يتوجه بشعره إلى فراغ، وإن كان عليه أن ينتصر وعلى الدوام كشاعر للشعر. هناك على الدوام الوجود المادي المباشر (الحياة)، الموضوع وهو مُعطى سلفا. هناك الإنسان باجتماعيته، ثم هناك اللغة وهي ليست مجردة أو محايدة. فأنا إذن، الشاعر، لست موجودا في فراغ ولا أكتب من فراغ ،ولا أتوجه الى فراغ.
والمجاز بصفته أداة من أدوات الشعر، هو: تجاوز للموضوع، تجاوز للغة، وتجاوز للمقاومة بمعناها المادي المباشر. لكن هذا كله (الموضوع، اللغة، المقاومة) يبقى حاضرا موضوعيا أردت أم لم ترد. فالشاعر يحاول أن يتجاوز هذا ويحاول أن يتجاوز نفسه في الموضوع واللغة والمقاومة، أي يتجاوز ذاته كوجود موضوعي، حاضر ولكن قيد التجاوز، وهذا هو معنى وقيمة المجاز أساسا، وإلا سيتحول القول الشعري إلى ضرب من التهويم. 
إذن هناك الموضوع واللغة والمقاومة، وهناك أيضا المجاز... وهنا بالضبط تكمن قيمة القول الشاعري (شاعر في ساحة الإعدام)، أو الشعر عموما. وطبعا لي تحفظي من الشعر الصافي، أو ما قد بات معروفا بالشعر المحض. فهو ليس سوى شطحة كاذبة كأن نقول: إنسان محض أو جوهر! وحتى في الطبيعة لا وجود لعنصر محض أو نقي. العنصر النقي لا وجود له إلا افتراضا. لأنه في الحقيقة يشكل خطرا على الحياة كعنصر نقي، لأنه في الحالة هذه يكون عنصرا مشعا!..
أما في الشعر، حتى لو افترضنا أنه محض لغة، فإن هذه الأخيرة ليست محايدة. وحتى وأنت تطوعها كي تصبح شعرا (قصيدة) فإنك تلعب دورا أيضا في جعلها (أداة)، وبهذا فهي ليست محايدة بتاتا.
الجمال هو دور الشعر في الحياة، ولا شعر بدون حياة. ومن هذا المنطلق أرى أنك أحسنت جدا بقولك: أحيانا يعلو سقف المجاز، أحيانا لغة عارية... إن قيمة القصيدة أولا هي في انتمائها للحياة. إن القصيدة يعلو سقف قيمتها بقدر ما فيها من حياة، ويهبط هذا السقف بقدر ما (تهوم) فيما بات معروفا (ككلام فارغ من وجهة نظري) بالشعر الصافي الذي أرى أنه مجرد هُراء.
 
* "أغمدتُ فيكِ تكوينِي"، "أضبطُ نفسِي مُتلبِّساً بحُبِّكِ"، "أنتِ الْمَعنى الذِي أفتقدُه والجَمالُ الذِي لا يسْتوي بدُونه المَكان"، "هزمتُ بِها أمْسيَاتِ العَذاب"، "شمَّرتُ عَن شفتَيّ"، "خطُّ العمُودِ الفِقرِي فِي ظَهركِ"...إلخ. هذهِ وغيرُهَا كثيرٌ إحَالاتٌ على حُضور طيْفِ المَرأة الطَّاغِي في شِعركَ. المَرأة التِي ليسَ لكَ مِن سِلاحٍ سوَاها، هلِ المَرأةُ بِكُلِّ هَذا السِّحر حَتى "تهْزمَ بَها أمسِياتِ العَذاب" كمَا تَقُول؟
 
ـــــ الأنثى، خاصة بالنسبة إلى رجل، معتقل ومحكوم عليه بالقتل، هي كثافة الحياة. والحياة خصوبتها محتاجة دوما للتخصيب، أي للذكر. بل إن الأنثى هي أساسا الرحم، أي معمل إعادة إنتاج الحياة بكل ما يتخلق عنه أو منه من هرمونات ومشاعر. والحديث هنا ليس عن المرأة الجسد الاجتماعي للأنثى، مثلما الرجل هو الجسد الاجتماعي للذكر. المرأة، في ما يخص الشاعر، هي الحب وهذا هو الجوهر الخالد والأصيل للحياة. وهي أيضا الجنس وهو جوهر الحياة؛ ودعك من المثلية الجنسية فهذا شذوذ، والشاذ لا حكم له ولا يقاس عليه. والسجن هو من حيث المبدأ عزل للـشاعر عن فضائه الحيوي، فكيف يكون الأمر عندما يكون اعتقاله صبيحة زفافه من المرأة التي عشق.
بين يدي الفاشية أو تحت أقدامها (العارية) الحب يمثل سببا كافيا للتنكيل بك؛ فعليك إذن أن تواريه بعيدا عنهم، في القصيدة مثلا، قدر استطاعتك كي لا ينالوا منك ومنه، فإن هم نالوا منه فسيكون النيل منك أنت، من الممكن أن تموت بشكل طبيعي أو بالقتل تعذيبا أو إعداما، لكنهم إن استطاعوا إطفاء جذوة الحب فيك فسيكونون بذلك قد قتلوك أبشع القتل، يكونون بذلك قد حولوك إلى قتيل في الحياة!
والمرء إذا لم يواجه أمسيات العذاب والتعذيب بالحب وبكل طاقة الحياة داخله فبماذا عساه يهزمها؟ وهل تُهزم الظلمة، على سبيل المثال، إلا بالنور؟ وهل يمكن أن تُقاوم الكراهية سوى بالحب؟ وتكرارا أقول: أنا لا أؤمن بالحب المحض أيضا؟ أنا إنسان من لحم ودم، إنسان بوجوده الاجتماعي أساسا، وشغل الإنسان الشاغل هو التجسيد: الشعر قصيدة (لغة)، والحب: امرأة بعينها على سبيل المثال، الحرية (أي معنى)؟ حرية وتحرر مِن ماذا؟ فشغل الإنسان كإنسان هو إبداع المعنى، ذلك الذي يجعل الحياة مستمرة وجذوتها متوهجة. الأمر الذي أعيد على أساسه وأؤكد ما قلته سابقا: الشعر المحض أو الصافي مجرد هُراء.
وهو الأمر الذي يجبرني على أن أؤكد مرة ثانية، سمو قولك بـارتفاع سقف المجاز أو دنوه؛ فهذا التناقض، أو قل الترجرج أو التذبذب، أو الاختلاف في مستويات المجاز في القصيدة الواحدة هو الذي يمنح القصيدة حيويتها ومعنى كونها شعرا. فالقصيدة لا تهيم في فراغ ولكنها أيضا لا تغرق في تفاصيل الوجود المادي. من هنا قلنا بضرورة الشعر.
فالشعر ضروري فقط لأنه على علاقة بحياة الإنسان /الشاعر المادية، ووظيفته (لو نتكلم عن وظيفته) فهي السمو بالإنسان. ولكنه لن يسمو به بعيدا عن وجوده بل داخل هذا الوجود بحد ذاته. وهو على الدوام وجود مشروط بمعطيات سابقة وحاضرة ولا يمكن تجاوزها إلا بها. هنا تكمن قيمة الشعر وضرورته بل وحتى المعنى منه أي ما يحدد كونه شعرا.
الشعر الحقيقي هو شعر الحياة ،أي تلك الكتابة التي شاعريتها تتخلق من رائحة الحياة: تُشم من خلال القصيدة، تُطعم من خلال القصيدة، تُلمس من خلال القصيدة ... إلخ. فحتى ونحن نشتغل بـ(اللغة) أو فيها، فنحن نعمل على تجاوزها؛ وهذا هو المعنى الحقيقي للشعر، الشاعر مبدع للجمال وللجميل، ومبدع للمعنى الذي يجسده ماديا عبر الصورة \ اللغة، أيضا. وهذه هي قيمة الشاعر، علما بأن كلمة قيمة لا معنى لها سوى في ارتباطها بالحياة بل إنها من مفرداتها الأساسية.
ومحاولات تجريد الفن عموما من طبيعة ارتباطه بالحياة، كانت وما زالت محاولات لقتله لصالح الفاشية، أو الفراغ الذي تتولى الفاشية نفسها ملأه. الشعر جمال، والجمال لا يكون جمالا أساسا، بل تجميلا للحياة، أو بالأحرى كشفا عن جمالها ولجمالها على العكس من الفاشية التي تمثل القبيح، والتي تسطو بضراوة على الجميل وتحاول قتله، أي قتل الملكات الفنية في الإنسان عبر وأدها تحت وخلف عناوين فارغة كالشعر المحض! لا ولا، أعيد وأكرر، لا وجود لشعر محض، بل الشعر من الحياة ولها.
ومن هنا يجيء معنى "أغمدت فيك (الحياة) تكويني (أنا المُتكون) لأصيّرك (الحياة) تصيّريني (تجعلين من تكويني مرنا ومتحولا وفقا لمرونة الحياة وحركيتها على مدار اللحظة وعلى مدار مقتضيات حال المُتكون) هزمت بها (الحياة) أمسيات العذاب (القتل)"...
والمرأة هي الحياة، الحياة التي ليس لدي من سلاح سواها: (شمرت عن شفتيّ) (كشفت عن موطن القوة) (القبلة قوتي الحقيقية)، إني أحس بهذا تماما مثلما يقال شمَّر عن ساعديه، كناية عن القوة بمعناها المادي المباشر المنصرف للقوة الغاشمة. فـ (شمّرت عن شفتيّ) أي كشفت عن موطن الحياة المقدس حقيقة أو لنقل المطلق الشفتين. فالشفتان موطن الكلمة والقبلة، والقبلة قوتي الحقيقية. شمرت عن شفتي إذ عليّ أن "أرتقي خط العمود الفقري في ظهرك" بكل ما يحيل إليه العمود الفقري وبكل ما قد بات معروفا عنه
 
* حكاياتٌ كثيرةٌ حِيكتْ حولَ مُغامراتِ الكتابة داخلَ السِّجن. فأنْ تكتبَ يعنِي أنْ تَعرِّض ذاتكَ لاحتِمالاتٍ عِقابيةٍ إضَافية، هَذا إذا توَفَّرت لدَيك مُستلزَماتُ الكِتابة (منْ أوْراق وأقْلَام). كيفَ كنتَ تتدبَّر أمْرَ الكِتابة فِي السِّجن وهل يُمكنُ الحَديث عنْ طقوسٍ خاصَّة في الكتابَة في ظلِّ شرُوط اسْتثنَائية جدّا هِي شروطُ السِّجن؟؟
 
ــــــ الكتابة الإبداعية، عموما، مغامرة في حد ذاتها حيثما تكون، والكتابة داخل السجن لها تاريخها الطويل، وهي ما تزال حاضرة في الوقت الراهن. ثم إن كتابات السجن والأسر والحرب والحب هي من أعظم الكتابات، بما فيها تلك الأسفار الفكرية والروحانية والسياسية التي طلعت من السجن لكتاب وشعراء ومفكرين وروحانيين وسياسيين وجدوا أنفسهم (لقمة سائغة في المعتقل)؛ ثم إن أعظم المرافعات هي تلك التي ترافع فيها الضحايا أمام جلاديهم بل أمام القانون حينما يتحول إلى سيف مسلط على رقبة البريء  والشاعر والمفكر والسياسي، بعد أن يشحن بكل جبروت الفاشية ليصير أشبه بالشفرة التي يحاول بها الفاشستي أن يقطع وريد رقبة الضحية.
إن أعظم الكتابات في تاريخ الإنسان هي تلك التي تخلقت في الأقبية المظلمة وفي ساحات الوغى، أو تلك التي طلعت من أرواح من صفدهم الأسر. 
ليس ثمة طقوس خاصة بالكتابة سوى طقس الحياة كشفا عن جمالياتها، هذه الجمالية التي هي بدورها من (طقوس) مقاومة القاتل\ القتل. فإن كان ثمة طقس ما له بالفعل حضور كبير كطقس الكتابة في السجن، فإنه ليس سوى المقاومة: مقاومة الانكسار أو السقوط من الداخل، والباقي تفاصيل ليس إلا، أقصد شكل الكتابة وأدواتها أو كيفيتها قبل أن تتحول إلى مكتوب بالفعل بعد أن تكون مكتوبا بالقوة.
المعروف حتى الآن هي كتاباتي أو أشعاري ورسائلي في السجن ومن السجن. لكن ما ليس معروفا حتى الآن، والذي لم ينشر منه شيء سوى النزر اليسير، هو مرافعاتي أمام الجلاد وقد ارتدى بذلة القاضي/ القاتل! وقد احتل موقع رجل القانون.
خمسة عشر عاما في السجن لم تكن قليلة البتة. إنها مرحلة كاملة إن نحن قرأناها من زاوية تاريخ اليمن، فكيف يمكن أن نقرأها والأمر يتعلق بعمر إنسانِ فرد أعزل لم يكن يتملك سوى ذاته في مواجهة آلة القتل\ السلطة، وسوى براءته ولغته وحبه وجنون الكتابة. لقد جردتهم من كل أسلحتهم؛ (أعزل إلا من قلبٍ واسعٍ كالبحر أو عيون كالحياة في وجه الحبيب) كما هو وارد في قصيدة لي بعنوان "إقمر" (بمعنى عاند وتحمّل)، بما في ذلك إجبارهم على أن ينصاعوا لحقي في أن أكتب، دعك من السنتين الأوليين، فقد كان لابد أن أكتب انطلاقا وعلى أساس من شروط وضعوها هم لي في المُعتقل! أفحمتهم بهذا وصرت أكتب أولا على أساس مما أفحمتهم به، ثم صرت أكتب كممارسة لحريتي في ذاتي وإن كانت ممارسة محكومة بشروط قاسية: ظروف الحياة في المعتقل بما صاحب ذلك من تعذيب وتنكيل يومي. وكان أمر الكتابة يعنيهم مثلما كان يعنيني! ماذا سيكتب، ماذا يكتب، (من هو؟) ...
لقد تمكنت من تسريب (من أنا) لا كمعلومات داخل كل ما كتبته على أساسٍ مما سمحوا لي بكتابته (أو انتزعته كحق) مفحما إياهم من داخل شروطهم هم التي وضعوني فيها: شروط الاعتقال. (اعتقلوني ولفقوا التهمة ووضعوني في مواجهة ما زعموا أنه قانون ومحكمة وحكموا عليّ بالإعدام إلخ...).
طيب، عليّ أن أدافع عن نفسي من خلال قانونكم! صرت أكتب مرافعات. ثم عزلوني فصرت أكتب رسائل استمرؤُها في البداية، على أساس أنها ستمكنهم من الحصول على ما تعذر عليهم الحصول عليه في أقبية التعذيب من معلومات. ولكنني كتبت رسائل حب وغرام وصداقة لأناس معروفين ومشهورين بما فيه الكفاية يستطيعون فهم كتاباتي وما أودعته فيها، أي كل ما أردت أن أوصله لمن سوف يقرأ وعبره إلى كل الناس. وعندما اكتشفوا سر مكاتيبي حقيقة كان السيف قد سبق العذل، وكنت قد أصبحت مادة لرأي عام (ليس معلوما عندهم على وجه الدقة والتحديد). لم يعد بمقدورهم أن يمنعوني من الكتابة وإن كانوا قد منعوني مرارا قبل أن ينصاعوا. وضعتهم أمام خيارين أهونهما مُرّ: جردتهم من أدواتهم فأصبح عليهم، كي يمنعوني من الكتابة، أن يختاروا بين ما خيّرتهم به من أول لحظة: لتقتلوني كما هي عادتكم (القديمة)، أو فلتجربوا طريقتكم الجديدة في القتل! وكان عليهم أن يختاروا ما بين أن يهدوا بنية (بنيتهم الجديدة) ويجربوا طريقة جديدة للقتل، أو يواجهوني في الساحة التي أجبرتهم على أن يخوضوا صراعهم معي فيها ووفقا لشروطي التي بنيتها على أساسٍ مما كانوا قد اعتقدوا أنها مجرد ملهاة.
* تَكتبُ شعرَك بنفَسٍ قصِير إلاَّ في مَا نَدر. هذا مَا اسْتخلصتُه وأنا آتي على قراءَة أربعةٍ منْ دَواوِينك. كيفَ تفسِّر التعبير عَن حَياة فادِحة، هي حياتُك، بأقلِّ الكَلام أو بوَمَضات كِتابية أحياناً. ألستَ بحَاجةٍ إلى نفَس أطولَ لاسْتيعابِ مسيرةِ الأهْوَال التي اجتزْتَها؟ ألا يتطلبُ الأمْر، مثلا، عملاً رِوَائيا أو سِيرذاتياً يفِي تجرِبتَك حقَّها؟ (هل سَبق أنْ أودَعتَ "أسْرَارَك" جنِساً أدَبياً غيرَ الشِّعر؟)
ـــ في الشعر لا وجود لنفس قصير أو طويل: الشعر هو الشعر أكان على شكل قصيدة عصماء ملحمة، أو على شكل ومضة كافية بإيمائها لأن تُعتبر قصيدة. ورغم أنني أجاري السؤال، فثمة قصائد طويلة (بنَفَس أكثر من طويل)، وثمة القصيدة بالنفس الذي قد يتراءى كنفس قصير. ولكن، ما معنى النفس في الشعر؟ ثمة ومضات هي بالأساس مُحَصِّلَةٌ لمكتوب قد يكون بالصفحات تم تكثيفه على طريقة التكثيف الكيميائي وصولا إلى إنتاج البلورة المتوهجة باللمعان وبالخصوصية وبالمعنى عميق الأغوار.
الشعر هو الشعر كيفما كان حجمه وكمّه، مثلما قطرة الماء تحمل كل خصائص الماء. وثمة قول شعري مأثور منطوقه (الشاعر في كل حياته لا يكتب إلا قصيدة واحدة، والباقي تنويع على  الإيقاع نفسه) الأمر الذي يدفعني إلى شق سؤالك المتعلق بالسيرة الذاتية، إنها داخل وطيّ كل ما كتبته (وأكتبه) ونشرته حتى الآن شعرا ونثرا، ولكني أعبر عنها بطريقتي.  وقولي هذا لا يعفيني أيضا من الإجابة على سؤال السيرة الذاتية، تلك التي تكتب بنَفَس روائي أو حكائي.
كتبت كثيرا من النصوص الشعرية، وكتبت كثيرا مما يدخل في مضمار الحكي الروائي أو القصصي: "خارج السجن داخل الجسد" مثلا، و"نص تذكاري للضحية المجهولة" وإن كنت موجودا فيه سوى كحكاء، ثم "سوق الوجع" أيضا إلخ... لكن المشكلة هي أنني على أرض الحكي أكون كمن يخطو أو يمشي على أرض مفروشة بقشور الموز، فما أن أبدأ الحكي حتى أجد نفسي، وبسرعة البرق، قد انزلقت مجنحا في فضاء الشعر. ولو كنت قد قرأت مثلا: "كوت الأستاذ" و"بذلة حسن شكري" أو "معتزلة اليمن"، أو "تغريبة الرماح"، أو "على جناح الباهوت"، وغيرها مما يدخل في باب السيرة الذاتية، لكنت لاحظت ذلك على أساسٍ من قراءتك لي التي تبدُو عميقة.
لقد بدأت الكتابة الأدبية بالقصة القصيرة، قبل أن تتحول هذه الكتابة الى الأقصوصة التي لها من الشعر كثافته، وأصدقك القول بأنني كل يوم تقريبا أقرر أن أكتب رواية لكن ما أن أبدأ في كتابتها حتى أجد نفسي أومض وأومئ أكثر مما أحكي. علما بأن الكثير من قصائدي فيها شيء ما من الحكي. وعموما لم يستهوني فن الرواية ولا أجد نفسي فيه، ومن وقت مبكر، وحتى على مستوى القراءة باستثناء ما قد بات معروفا بـالواقعية السحرية، أو تلك الأعمال الروائية الخالدة والتي تتكثف فيها كل ألوان القول الأدبي.
فلقد أصبحت الرواية بالنسبة إليّ فنا مبتذلا للغاية مالم تكن رواية مثل ما أسلفت ذكره، تجتمع فيها كل ألوان القول الأدبي من قبيل الأعمال الخالدة، وهذا بات أمرا نادرا. إعادة إنتاج تفاصيل الحياة كما شوهدت أو عيشت لا تقدم ولا تؤخر إبداعيا، إن لم تكن إعادة إنتاج ميكانيكية للعذاب وللتعذيب نفسه. وأنا عشت العذاب والتعذيب حقيقة، فكيف لي أن أعيد إنتاجه وإن على مستوى القول، دون أن أدخل في حوار معه لتجاوزه.
نعم، ثمة سيرة ذاتية، والحق أقول لك بأنني كل يوم أفكر في كتابتها، وكل يوم أشرع فيها، لكن ما إن أبدأ حتى أنتهي بمكتوب لا علاقة له بالسيرة وإن كانت الذات بخصوصيتها وتجربتها حاضرة بشكل أو بآخر، أو حتى إن كانت (الذات) نسيج المكتوب ذاته، مستثنيا من ذلك (كوت الأستاذ وبذلة حسن شكري ومعتزلة اليمن وتغريبة الرماح وعلى جناح الباهوت وغيرها) مما يدخل في باب السيرة الذاتية، بيد أن فيها مستويات متعددة من القول الأدبي بما في ذلك الشعر.
 
* تقولُ في إحدَى قصَائدك: "جلدِي خِيامُ الرَّاحلين" وتأتِي علَى ذِكر أسْماءَ مثل: فيكتور خارَا ونيرُودا وحُسيْن مُروة وذِي يزَن... هل أنتمْ (أنتَ رُفقةَ هَؤلاَء)، بِهذا المَعنَى، أرواحٌ في بدنٍ وَاحدٍ؟ ثمَّ ما الذِي تتدَاولُونَهُ معاً تحتَ السَّقيفَة، سَقيفَةِ خَيْمتِك؟
 
ــــ فكتور هارا: المُغني التشيلي الذي قتلته الفاشية، نيرودا الشاعر العظيم الذي قتلته الفاشية، حسين مروة المفكر الكبير وهو السبعيني الذي اغتيل بكاتم للصوت، ولقد تشرفت بالتعرف عليه شخصيا. الأرواح الثلاث المذكورة في سؤالك وفي القصيدة، وغيرهم كثير، لها حضور إبداعي وروحي قوي، أتناص معها وأحاورها محاولا أن أتجاوزها إلى حيث أكتب وأبدع (أنا). ثمة روح إنسانية واحدة تتجلى فينا بأشكال مختلفة (أسماؤنا)؛ سقراط أو الحلاج أو فكتور أو نيرودا أو حسين مروة أو حتى منصور راحج... ولم لا؟ لقد وجدت نفسي في محل القتيل، بل وعلى شكل أبشع، في هذا القتل اليومي، لا لشيء إلا لأنني مجرد إنسان فكّر بحرية وقارب الشعر كما ينبغي! لم أصدر من فراغ ولست مندفعا في أو إلى فراغ. أنا كائن حي، أعيش كما ينبغي أن يعيش الإنسان، كنموذج يجب ألا يندثر ويجب أن يستمر في الحياة كشعلة بروميثيوس، كروح تأبى الاندثار.
 
 
*استُقبِل شعرُك هنا بالنّرويج بحَفاوة ملحُوظة إذ تُرجمَ لك، حسبَ ما هو مُتوفر بيْنَ يديّ على الأقلّ، ثلاثةٌ مِن دَواوينك: "أوجَاع الرَّماح" و"مدارُ السِّجن؟ مَدار الحُب" و"بَعيد: قريب". ما دواعي هذه الحفاوة؟ هل هيَ دواعٍ مُرتبِطة بالقيمَة الأدَبيّة لما تكتُب أم بالقِيمة الإنسَانية لتَجربَتك السِّجنيَة المُثيرَة؟
 
ــــ وصلت إلى النرويج نتيجة حملة عالمية لإنقاذي من القتل وإطلاق سراحي من السجن والاعتقال. ولقد ساهمت النرويج شعبيا ورسميا بنشاط ملحوظ في هذه الحملة. وقبل وصولي إلى النرويج كانت قد سبقتني بعض قصائدي التي تُرجمت إلى النرويجية في حين كنتُ ما أزال في المعتقل. وكان وصولي إلى النرويج من السجن مباشرة كافيا للحفاوة بي، وبالانتصار على الفاشية وعلى (الموت). لقد كان احتفاءً بقيمة الإنسانية/الإنسان أولا، وبالنسبة إليّ شخصيا، فقد كان كذلك احتفاء بالقيمة الإبداعية للإنسان، تلك المتعلقة بإبداع (الحياة) يوميا ضد المعتقل/ الأسر وضد القتل اليومي في السجن وعلى مدى ١٥ سنة، وهو الأمر الذي ينقلني إلى القيمة المضافة تلك أو القيمة الإبداعية (إبداعا)، وهنا ننتقل إلى مستوى آخر من الكلام يتعلق بالأدب ويرتبط بالقراءة وبالنقد وبالذائقة الأدبية. والأكيد أن أشعار وكتابات إنسان مثلي يجب أن تكون محل اهتمام متعدد الأطر، لأنها ارتبطت باسم وبحياة شاعر تعرض لتنكيل يومي على مدى خمس عشرة سنة في المعتقل، وقاوم بالإبداع الأدبي، رغم أن هدفه من الأساس لم يكن إلا دفاعا عن حرية التعبير شعرا ونثرا وفكرا. وأما الاحتفاء بالقراءة فقد يكون غالبه بدافع الفضول وبدافع (المعرفة والاستكشاف). وثمة احتفاء آخر هو الاحتفاء النقدي وهو، بالأساس، احتفاء بالعمل الإبداعي ذاته. ولقد نالت أشعاري وكتاباتي احتفاء نقديا طيبا، هنا على مستوى النرويج وخارجها (عربيا) وبلغات أخرى. وأنا أقدّر كل هذا لكني لا أسمح له أن يصرف انتباهي عن أهمية الاستمرار في الكتابة متحررا من أي احتفاء أو حتى متابعة.
 
* بالمُوازاة معَ كِتابة الشِّعر، تكتبُ مَقالاتِ رَأي سيَاسِيةً تتَعقَّبُ مَا يَجرِي فِي البِلاد العَربِيَّة اليَوم، وخُصُوصاً فِي بلدكَ اليمَن. هَل أقولُ إنَّ مَقالاتكَ تلك تقولُ مَا عسُرَ علَيكَ قوْلهُ شِعراً؟
 
ــــــــ أنت قارئ جيد لمقالاتي ومن الأكيد أنك قرأت العشرات منها، ولاحظت بأنها لوحات فكرية وأدبية. فثمة آراء سياسية كتبتها على شكل مقالات، وهي كلها تدخل في مضمار التحليل السياسي، على أساس فكري وفي قالب أدبي أيضا.
فأنا كاتب مقالة أيضا، ومن وقت مبكر. أمارس عبرها حرية التعبير، وأنحاز إلى حق الإنسان في الحياة وفي الحرية. فالعامل السياسي لا يجب أن نغفله خاصة وقد أصبح عاملا مُحدِدا لحياتنا ومهيمنا على عصرنا.
بيد أن أكثر مقالاتي التي تبدُو في الظاهر سياسية، فهي مشحونة بالإبداعي والفكري. فالمقالة بالنسبة إلي هي قالب إبداعي. فحتى وأنا أكتب في السياسة، وحتى وأنا أكتب في الفكر، مثلما قد تكون لاحظت، فكتابتي لا تخلو من لمحة أو من منحى إبداعي. فالسياسي بالنسبة إلي مجرد محور أو ارتكاز للفكري، فيمَا يتبدى الإبداعي كنسيج للقول كله.
يمنياً، حتى على مستوى اليمن، لا تخلو مقالة (تبدو سياسية) مما هو عام على صعيد العالم ومما هو فكري وإبداعي أيضا. لقد كانت اليمن وما زالت بالنسبة إلي هوية وقضية، وعلى هذا الأساس انخرطت في العمل عليها منذ نعومة أظافري، ولقد توهجت في (ربيعها) كما لم أتوهج في أي وقت سابق عند اندلاعه شعرا ونثرا وتفكيرا مسموعا (على مستوى القول المكتوب)، وما زلت منحازا لمسؤوليتي إزاء الحياة والناس، وليس هناك من مركزية لهذا الانحياز. ومن هذا المنظور فاليمن، القضية والهوية، تشكل منطلق ومحور الارتكاز لما أريد أن أقوله أدبيا وفكريا، فاليمن كيان وتاريخ ومعنى.
 
* كانتْ تَجربَتك مَوضُوعاً لِكثيرٍ منَ الْمَقالات، لَكنَّ الجَمِيلَ جدّا فِي المَوضُوع هُو أنْ يَصِيرَ مَنْصُور رَاجِح، الوَاقِعي جدّا، شَخصِيةً مُتَخيَّلَة. دَلَّنِي علَى ذَلك مقَالٌ لِلرِّوائِي العِرَاقِي حَمْزَة الحَسَن الَّذِي يَطيبُ لهُ أنْ يَجعلَ مِنكَ شخْصيَةً رِوائِيَة "أَتسَلَّى (يَقول) بِخلقِهَا وقدْ أقْتُلها في السَّطرِ القادِمِ من فوقِ جُرفٍ صَخرِي أو فِي انتِحَارٍ عَاجلٍ..." ثم أتَى عَلى ذِكرِ رٍوَاية "عَبد الله التلالِي" للكاتِب الفلسْطِيني عزّت غزّاوِي جازِماً أنَّ بَطلَها (عَبْد الله التّلالِي) ليْسَ إلا مَنصُور رَاجح نَفسُه... أسْألكَ: مَا الذِي يَعنِيه لكَ أنْ تصِيرَ شَخْصيَةً في عمَلٍ روَائِي ثمَّ كيْفَ اسْتقبلتَ حَيَاتك الجَدِيدة المُوازيَة لحَياتكَ الوَاقِعية، ومَا الذِي تقولُه للكاتِبيْن حَمْزَة الحَسَن والرَّاحِل عِزّتْ غزّاوِي اللذيْن لهُمَا فَضلُ تَأجِيلِ مَوْتك؟
 
ـــ أعتقد بأن جملتك "لهما فضل تأجيل موتك" تُجانب الصواب، وكأنك تقول لولاهما لكنت ميتا، أو دونهما أو غير ذلك ... ثمة لحن في هذه الجملة، أو نشاز بالنظر إلى مجمل أسئلتك التي هي مداخلات أكثر منها أسئلة، ومع ذلك دعني أقول لك: 
حين كنت في السجن وفي سياق الحملة العالمية التي حالت دون قتلي وصولا إلى إطلاق سراحي، زارني، ضمن وفود عالمية، عزت الغزاوي (رئيس اتحاد كتاب فلسطين آنذاك)، كسجين رأي سابق وكناشط في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير، وكمثقف انفعل بشخصي وبالقضية إلى غاية أنه كتب روايته "عبد الله التلالي". بدوري قمت بكتابة مادة عنه بعنوان (على خُلق..) سوف تنشر في كتابٍ لي قيد الإنجاز "جيران الله" بعد أن نُشرت في أكثر من صحيفة، وكان ذلك إثر موته.
حمزة كاتب وناشط سياسي سابق وصاحب تجربة طويلة في العراك الوطني والسياسي والحرب، تعرف عليّ من خلال القضية ومن خلال أشعاري وكتب قبل أن نلتقي بشكل مباشر (جحيم منصور راجح أو قرض مقابل شاعر) وكتب بعد لقائنا الأول (الخروج من الجسد) كمقالة إبداعية يمتح فيها مما دار بيننا في مقابلته لي لأول مرة، ومن قراءة لأجزاء من كتابي (خارج السجن: داخل الجسد). ولقد كانتا مقالتين إبداعيتين في منتهى الروعة. ثم بعد أن تعددت لقاءاتنا وقرأ لي الكثير، كتب "حارس السلالة" روايته التي لاسمي وأشعاري فيها حضور كثيف، حضور إبداعي أكثر مما هو شخصي. فما كتبه يدخل في حيز قريحته الإبداعية وإن كان متفاعلا معي ومع القضية الى درجة الفعل أي (الكتابة) فلا علاقة لما كتبه عني بي كشخص. ولقد أشار هو نفسه إلى ذلك. قرأت نفسي في ما كتبه حمزة في السياق الروائي ولم آخذ الأمر مأخذا شخصيا البتّة، علما أن هناك كتابات كثيرة جدا شعرا ونثرا كنتُ محورها حتى وأنا في الأسر. وبعد أن خرجت من المعتقل، كنتُ وما زلت أقرأها كأي قارئ رغم أنني أحس بالفخر، لأنني استطعت أن أكون ملهما إلى هذه الدرجة وحمّال معنى، بل معانٍ كثيرة، جعلت مني حاملا لكل ذلك البهاء فكرا وأدبا ونثرا وشعرا وسياسة، علما بأن كثيرا من الكتابات حاولت أن تنال من شخصي، لكنها لم ترق إلى أن تكون أكثر من وريقات في سجل افتراء الفاشية الطويل العريض ضدي. ولقد جمعت الكثير من تلك الكتابات وأنا في معرض القيام بتوضيبها لتصبح قابلة للتداول وللقراءة الإبداعية والفكرية وللبقاء كتأريخ للقيمة التي أمثل إبداعيا وفكريا وسياسيا.
لقد كنتُ، ربما أنني ما زلت كذلك، محور ارتكاز لفعل إنساني وسياسي بل وإبداعي مهم وأنا سعيد بذلك، ولا علاقة للأمر بتورم الذات أو بالأنا بقدر ما له علاقة بتاريخ يجب أن لا ينقطع، بل يجب أن يستمر تواصله مع الأجيال الجديدة برسم النضال من أجل الإنسانية والحرية وحق الإنسان في الحياة، فكرا وإبداعا رفيعيْ المستوى وممارسة كفاحية جديرة بالتعميم. 
لقد شكلتُ  وما زلت محور ارتكاز ونسيج (تاريخي) لمنجز فكري وكفاحي وإبداعي وثقافي وسياسي رفيع المستوى، وهو جانب من جوانب تاريخي الشخصي (وفاعليتي حتى الآن) أفتخر به. تجربتي في مقاومة الموت بالحرية والإبداع وبالصمود كما جاء أثره على شكل إبداعات كثيرة بأقلام غيري فضلا عن قلمي، لقد كنتُ الجذوة لحراك تاريخي وهذا منجز أعده أمرا يجب أن يثير اعتزاري بتاريخي ويجب أن يمدني بطاقة دائمة على أن أستمر منحازا ومنتجا للفكرة وللقصيدة على أساس من خلفية أعتقد بأن عليّ أن لا أكل ولا أكف عن العمل على استقطاب مواهب كثيرة إلى أشبه ما يكون بالنهر: العمل الدؤوب لإثراء الحياة الإنساينة عموما بالجميل والرائع والعميق فكريا وليس أقل بالسياسي الذي له دور محوري في صياغة عالم خال من الهدر والانتهاك.
 
 
* اسْمَح لي صَديقِي العَزيز بِاعترَاضٍ بَسيطٍ حَوْل مَا فَهِمتَه منْ سُؤَالي السَّابق. فَأنْ يَكونَ حَمْزة الْحسَن أوْ غيرُه قَد اسْتثمرَ تجْربتكَ الحَياتيَّة الغَنيّة في عَمل أدبيٍّ، فطبْعاً هو يُخلِّدكَ ويُخلّد اسمَه مَعك، دُون أنْ يعنيَ ذلكَ أنَّ حَياتكَ - بعْدَ الَموْت- مَرهُونةٌ بمَا يكتبُه هُو أو سِواهُ؛ وأنا أعْلمُ أنكَ فِي كلِّ ما كَتبتَ تعْملُ على تأجيلِ المَوتِ إلَى مَا لا نِهايَة بمَعْنَى أنَّك تهزِمُهُ، وتُخَلِّدُ نفسَك وتخلِّدُ كلَّ منْ كتبْتَ عَنهُم كَذلِك، وسَتظلُّ بالتَّالي حيًّا وحيًّا وحيًّا... هَذا مُجَرَّد تَوضِيحٍ حَتَّى لَا أُفهَمَ خَطأً، أمَّا عَن سُؤالي التَّالي فَيَتعلَّقُ بِما يَلِي:
 
* فِي كثيرٍ منْ قَصَائدكَ تتَّقدُ جَذوةُ الحَنينِ إلَى اليَمَن مَسْقطِ الرَّأسِ وَالقلبِ. أوَليسَ مِنْ شفاءٍ منْ هَذا الحَنين؟ ثمَّ كيفَ ترَى إلى هَذا المَصِير الغامِضِ الذِي، معَ شَديدِ الأسَف، يَمضِي إليهِ اليَمن وبَاقِي البِلادِ العَربيَّة؟
 
ثمة أغنية للفنانة اللبنانية فيروز تقول فيها:
أنا عندي حنين وما بعرف لمين..
الحنين هو، وعلى الدوام، تجلٍّ لإحساس المرء، خاصة لو كان شاعرا، بأن ثمة ما ينقصه ويتوق إليه ولا يصل إليه البتة إلا على شكل (القصيدة). ثمة ما يجب أن يعبر عنه (لا يكف عن ذلك). ثمة ما يجب أن يعطيه المعنى. هو الشوق للاِكتمال الذي لا يمكن أن يتحقق الا غائيا، في سياق محاولة بلوغه فقط لا يُبْلَغُ حقيقة إلا على شكل الفعل الإبداعي المفتوح والمنفتح على المعنى، على العمل الذي لا تُدرك له نتيجة آنية. الحنين الذي تشير إليه هو هو جذوة الإبداع في مختلف مناحي وحقول الحياة.
اليمن مسقط رأسي، الإطار الحيوي الذي تكونت داخله. اليمن بالنسبة إلي أشبه ما تكون بالتربة أنتح منها بمثل ما تنتح الشجرة، وما عداها أشبه ما يكون بالعوامل المنضجة لمثل ما  يسمى بـ "التمثيل الضوئي" في كيمياء النبات. في اليمن جذوري وفيها أُرومة ذاكرتي (ما الوعي إن لم يكن هو الذاكرة؟). اليمن رحم وعيي الجمعي والجمالي أيضا، دعكَ من الطفولة واليفاعة والأم والأخت والأتراب وو وو وو .. دعك من رائحة المطر، التربة أو ما لا حصر لها من نباتات الأرض و،قت تتفتح أو وهي تكمن في انتظار تفتح جديد.. حاسة الشم تكونت هناك، الطعم، الذائقة، اللغة وشارات الجسد أو لغة الجسد. الإنسان يتكوّن أولا!
أنا الآن نرويجي الجنسية ومع ذلك لا أكف، ولا أظن أنني سوف أكف عن القول: أنا نرويجي من اليمن.
 
 fakhryzf1962@yahoo.fr
 
* أديب مغربي مقيم في النرويج.