من يذهب الى بلغاريا؟

محمود الريماوي*

سائق التاكسي الأربعيني النابت شعر اللحية، بشعره شبه المسرّح، بقميصه حائل اللون،  المتأهب المتوثب، لا يبادر بالكلام. يبدو منشغل الذهن، متبرماً ومستعجلاً، لدرجة شعر معها الراكب بالذنب لأنه قطع على السائق خلوته، وأثقل عليه بحضوره الجسماني بجواره. الراديو أو ربما المسجل في السيارة مفتوح على حديث ديني، يشك الراكب بأن السائق الساهم يسمع الحديث المتدفق. يدور الحديث حول صلة الرحم والقربى، وسيارة التكسي تُسرع  تقتحم وتناور، والعربات من حولها تتسارع.
الراكب الثلاثيني المهندم تعطلت سيارته الصغيرة فلجأ لاستخدام التكسي الأصفر، وسيلة المواصلات شبه الوحيدة. وكان يود أن يدرك ريهام قبل انتهاء دوامها المسائي. هي تنتظره على كل حال، ولا يريد الوصول متأخراً. منذ الصباح ونحن في الظهيرة الآن، وهو يفكر بها.
يخرج السائق من صمته قائلاً بصوتٍ به بُحّة: خسارة فيهن أي احترام. يسأله الراكب: من هن..عمن تتحدث؟ عن النسوان، أجاب. والمناسبة التي تكتم عليها السائق هي الحديث الديني. وأكمل إن زوجة أخيه مثلاً مُبذرة متلافة، وشقيقه كان يستدين منه للوفاء بطلبات زوجته، أما الآن فلا. وهو يلوم شقيقه، ويصفه بأنه ما شاء الله صاحي مْفَتّح وقوي الشخصية مثل عنتر، لكنه ضعيف الشخصية أمامها ويحُطّ واطي لامرأته. سأله الراكب: هل هو أصغر منك؟ أجاب: لا. أكبر. إنه الأكبر نحن اثنان فقط وثلاث بنات. عمره 55 سنة. وشرح للراكب إن السيارة هذه كانت لأخيه، وقد تحولت ملكيتها له، وأنه يسدد ثمنها له بالأقساط. وأن شقيقه مع ذلك وضعه فوق الريح، فالأرض التي ورثها من الأب وهي أقل من دونم  احتفظ بها، وباعها قبل سنة فقط بأعلى سعر: فوق المئة وثلاثين ألف دينار، بينما المتكلم السائق بنى عليها بيتاً سُكنتين إحداهما مؤجرة في  منطقة طارق، التي ما زال الناس يسمونها طبربور. أما شقيقه فظل يسكن بالإيجار، وسأله الراكب كم يدفع على سبيل القسط شهرياً لأخيه. أجاب: حسب التساهيل 150 أو 200 وأحياناً 100  دينار، المهم إني أدفع. 
وقال إن زوجة أخيه لَبّيسة طقّيمة شمّيمة هوا، عندها سيارة مثلها مثل زوجها، مع أنها فلاحة بنت فلاحين، ولا تُصلّي رغم أنها معلمة. وهل زوجها يصلي؟ لا. أجاب السائق، وأردف: هذي الطينة من هذي العجينة. وقال إنه اتصل بأخيه قبل أيام، وسأله لماذا لم يُجب على اتصالاته في الأيام السابقة، فأفاده الأخ بأنه كان في زيارة لبلغاريا. شُغُل.. هل ذهبت لشُغُل؟ فأجابه أخوه: لا،  إجازة مش شغل.  تصور.. قال السائق : شمّة هوا وعلى بلغاريا؟ لو مصر لو تركيا أشوى، أما بلغاريا فماله ومال بلغاريا. لكنها زوجته. وقال السائق: إنه لا يعرف من بلغاريا سوى اللحم البلغاري الذي لم يعودوا يستوردونه، وإنه لم يخرج من الأردن سوى لزيارة الشام قبل عشر سنين، زيارة واحدة لم يكررها فلم تترك خلالها زوجته شيئا إلا واشترته، وأنه لم يزر العقبة أبداً لأن السباحة في بحرها كما عرف مختلطة. وسأله الراكب عما يعمل أخوه فقال: مدير معرض تجاري. وذكر اسم معرض شهير للأجهزة الكهربائية.
 لم يصادف الراكب رغبة في نفسه للتعليق عما سمعه، إذ لم يجد غرابة أو إثارة في سيرة شقيق السائق. فظل صامتاً باستثناء استفسارات طفيفة بدرت عنه، وهو ما أفسح في المجال للسائق لاستغلال الوقت المتاح للتوصيلة من دوار المدينة الرياضية، للتدفق في الحديث مع راكب يُجيد الإصغاء. ومع اشتداد لهب الظهيرة سأل السائق الراكب إن كان سيزيد له إكراميته اذا فتح المكيف، فلم يُجب الراكب وامتعض السائق امتعاضاً شديداً، عبّر عنه بالتنهد المسموع أي بالنفخ.
كان الحديث الديني من إذاعة محلية قد انتهى في الأثناء، وتلاه موجز للأخبار طغت عليه أخبار غامضة متفرقة عن الأخ وزوجة أخ السائق، ثم أغنية.. عاطفية طبعاً سارع السائق لإسكاتها حانقاً، وقد فعل ذلك في الوقت المناسب إذ كان الراكب قد اقترب من هدفه، واستعد للهبوط على دوار المنتزه في اللويبدة، ونقَدَ السائق أجرته واستبقى هذا لنفسه 23 قرشاً، وبدلاً من إعادتها لصاحبها داعبه السائق: لم تتكلم طوال الطريق، يبدو أنك مقروص منهن(.....). لم يُجبْه الراكب، منعه تهذيبه أن يقول له: مقروص منك، وقد هبط بمزاج غير الذي صعد به الى التكسي، لقد تبلّد ذهنه، وفاجأته ريح ساخنة فاستدار هنيهات متوقفاً في مكانه. ومغالباً طنين حديث السائق في رأسه، أخذ يستعيد ما جاء من أجله الى هذه البقعة المخضرة، وقد وجد نفسه بعد أن سمع من قائد التكسي و"قائد المجتمع" ما سمعه .. وجد نفسه في تلك الساعة كأنما بإلهام رحماني وحدْسٍ باهر قد حسم أمره، متشجعاً على الزواج من ريهام التي تنتظره.
 
* أديب وإعلامي من الأردن، رئيس تحرير " قاب قوسين".