ملاءة مُزيّنة بزهور دقيقة (قصتان)

ميرا دوشكوفا*

 

ترجمة وإعداد خيري حمدان**

 

Следобеден сън
قيلولة ما بعد الظهيرة
 
ممتدّة في السرير ولا رغبة لديها بالتفكير بأيّ شيءٍ عدا ذلك. توقّف الوقتُ هناك بالقرب من الشبّاك القريب، وحدها العصافير كعقارب الساعة تدبّ مكابدة مدى حياة الطيور القصيرة، وخيوطُ الشمس الناعسة تتسلّلُ عبر شقّ النافذة. 
عارية تمامًا في بطانة السرير القطنية، تشعر بحميمية القطن، بشرتها تتماهى مع أكثر المواد طبيعية وألفة. تغلق عينيها محاولة أن تتخيّل كيف نالتها. تذكر أنّها قد اختارت هذه الملاءة خلال التصفيات التجاريّة التي شهدها العام الماضي. أعجبتها رسوم الأزهار الدقيقة والألوان الأنيقة. كانت في مزاج رائع آنذاك كما هي الآن أيضًا. حين تلتحفُ بها تنتابها راحة غير مسبوقة. غسلتها يوم اشترتها وفق برنامج أريحيّ للغسالة. نشرتها بحذر على حبل الغسيل ووقفت تتأمّلها طويلا تمتلئ دفئًا وشمسًا. 
وقبل ذلك، كانت في المحلّ التجاري مع مئات الملاءات الأخرى بألوانٍ وتصميمات مختلفة، تضجّ برسوم الأسماك الفاقعة والأشكال الهندسية المختلفة والألوان الحصيفة والمبتذلة. في المحال أيضًا حزمٌ مختومة في لفائف معدّة بعناية ممهورة بأختامِ الشركة المنتجة.
لا شكّ أنّ أيدٍ كثيرة قد قلّبتها وعاينتها قبل أن تمتلك الملاءة. تتخيّل المنظر: خيّاطة حديثة العهد غير محترفة تخيطها دون حتّى أن تنظر للقماش الممتدّ أمامها، والمصمّم بدوره ضئيل الحجم يحمل على وجهه شاربًا وشامة. 
وقبل كلّ هذا وذاك، أين كانت يا تُرى؟ كيف يمكن لها أن تتعرّ ف إليها ما بين سيقان نبات القطن الممتدة في الحقل! كيف يمكنها أن تشير مؤكّدة "هذه هي النبتة التي ستتحوّل لملاءتي المزيّنة بزهور دقيقة". سكون الشمس الساطعة والريح تجرّ آلّاف السحب قريبًا من الأرض. القطنُ كان مجرّد بذرةٍ صغيرة، شقّت التربة بفضول لترى أشعّة الشمس ولتلتقي بعد مشوارٍ طويل بجسدٍ ما. جسدٌ يشعر بسعادة بالغة لاحتضانه، وتراها الآن نائمة. 

 

الغائب
كيف تخبر هذا الرجل بأنّها تشتاق غيابه؟ تشتاق للرعشة التي ترافق انتظار لحظة العودة، الساعات المعدمة التي تملأها بتجهيزات ملحّة عصبية. المفاجأة المصاحبة لفتح الباب على حين غرّة ليدخل وتنظر إليه. تنتظر بفارغ الصبر صمته قبل أن يهدر..
الغيابُ يرسمُ في رأسها حدود المستقبل الفارقة وهي: جسدان مثاليان يلتقيان في حمّى القبلة، ليترك كلّ منهما متعة للآخر. كلّ شيءٍ يبدو هكذا مثاليًا كأنّهما كيانان قادمان من كوكبٍ آخر وبالطبع صامتان، تشعر بنشوة عارمة أن تبقى مضطجعة قلبًا نابضًا بينهما.  
تراها تهيم في مخيّلتها الحميمية الضبابية..
حين كانت في العاشرة من عمرها، وقعت للمرّة الأولى في غرام شابٍ يسكن المبنى المقابل. كانت تقف في معظم الأمسيات قبالة شرفة بيته، مختبئة خلف ظلال بيت قريب، تنتظر طلّته ولو للحظة عابرة. غالبًا ما ترى والديه وأخاه وأحيانًا يلوّح لها القدر لترى جزءًا من تقاسيم وجهه عبر النافذة، تراه وقد أدار ظهره تجاهها أو أدار نصف وجهه نحوها، وبقيت هذه القسمات طويلا الأكثر حميمية في وعيها وأفكارها. هل يمكنها أن تستشعر لحظات أكثر حضورًا من ومضات السعادة المشرقة، تلك التي كانت تنتظر خلالها ظهور وجه الحبيب، ليتلألأ بقعةً مضيئة في العتمة؟..
بقعة مضيئة بقيت عالقة في وعيها، خيوطًا وملامح فضفاضة.  

 

*ولدت الأديبة ميرا دوشكوفا عام 1974 في مدينة فليكو تيرنوفو. أنهت دراسة الأدب البلغاري في جامعة تيرنوفو "القديس كيريل وميتودي". تكتب الشعر وتُعنى بالدراسات النقدية. صدر لها ديوان "أقيس الحكايا كالملابس" 1998، "تمارين على الفزّاعة" 2000، "روائح ومناظر" 2004. صدرت لها دراسات أدبية تناولت القصص القصيرة للأديب كونستانتين كونستانتينوف 2013. تنشر في العديد من الصحف والمجلات الأدبية الدورية. ترجمت بعض قصائدها للغة الإنجليزية والسويدية والأوكرانية والرومانية والكرواتية والتركية. نالت جائزة "الصحيفة الأدبية" لمدينة شومن عام 1994، وجائزة فورِست لمهرجان ربيع الجنوب 1999، وغيرها من الجوائز الرفيعة. شاركت في العديد من المهرجانات الأدبيّة الدوليّة، عضو في تجمع الكتاب البلغار. تحمل شهادة الدكتوراه في الأدب وتعمل أستاذة محاضرة في جامعة مدينة روسي "أنجل كينتشيف".  
 
** أديب ومترجم  عربي/ بلغاري مقيم في صوفيا.