مفرقعات وعواصف انطونين أرتو

Printer-friendly versionSend to friend
ستيفين باربير*
ترجمة صالح الرزوق**
 
هناك تجارب ثمينة كثيرة تعتمد على أعمال الفرنسي انطونين أرتو. فقد استمد الفنان الألماني الشهير جورج باسيليتش بيانات كتابه "الجحيم" لأعوام 1961-1962 والتي أصبحت تلعب دورا حاسما عند الرسامين الألمان أنصار "الانطباعية الجديدة" من عنف موضوعات أرتو، ومن هجومية بياناته السريالية ومقدمات رسائله.
ووظف جوليان سشنيبيل عام 1981 واحدا من البورتريهات الذاتية لأرتو كمادة في لوحته الكبيرة "الدخول في الأغنية: أرتو". وقدمت أفلام رينير فيرنير فاسبيندير جوا يهيمن عليه الظلام والدم والرعب. وحاولت أن تتشابه مع أفلام أرتو بما تتضمنه من افتراضات وسيناريو. وقد أهدى  فاسبيندير لأرتو فيلمه "اليأس" الذي ركز على ازدواج الشخصية والاغتراب الاجتماعي.
واقتربت الرقصة اليابانية "بوتو" ، وهي من تصميم تاتسومي هيجيكاتا، من أعمال أرتو بتصوراتها المؤلمة عن أداء فن الرقص ودخوله لأعماق عالم الرغبات الصامتة. 
واقتبست موضوعاتها العنفية والجنسية، التي تعتمد على الصدفة والتحول في الطور، مصادرها من حركات وكلام وصراخ أرتو. وفي عبارة لسوماكو كوسيكي ورد أن:"بوتو هو صوت أرتو الذي انبعث في نهايات حياته". 
وكان أنطونين أرتو شخصية مؤثرة في الفن المعاصر في اليابان، وقد لعب دورا هاما في إلهام الجماعة الفنية المعروفة باسم جيكيدان كيتاشيا والمشهورة بالتمثيل المرعب. وهناك إشارات عديدة تحيل إلى أرتو. فروحه مبثوثة أيضا في تصميم بعض المشاهد الأصلية والجميلة والمؤثرة التي تعكس الكسور المرئية، والرغبات والتي تم إنتاجها خلال العقود المنصرمة.
وفي فرنسا فإن علاقة أعمال أرتو مع الفلسفة ،وتحليل الخطاب تعيد إلى الواجهة العلاقة المعقدة والصعبة بين اكتشافات التحليل النفسي، والصحة العقلية.
وقد قارب الفلاسفة أمثال جاك دريدا وجوليا كريستيفا وجيل دولوز لغة أرتو في عدة مناسبات، ولا سيما ظاهرة حركة الإيقاع وتعدد الأصوات والنبرات، وانتبهوا للقطيعة مع النماذج التعبيرية الثابتة وغير المرنة. واهتمام دريدا بنصوص أرتو، وخيالاته وتسجيلاته، استمرت منذ منتصف الستينات. وفي أول مقالتين له عن أرتو، وهما "العالم المسروق" و"إغلاق التمثيل" تفحص الصراع بين الخسارة والاختزال في نصوص أرتو. فاللغة، برأيه، تستعمل كسلاح لمقاومة خساراتها وخسارة الكتلة التي تصنعها، وتؤول إلى شكل أكثر كثافة وأكثر عدوانية من الناحية الصوتية. والتمثيل هو سيرورة متكررة وعدائية ،وهي اجتماعية عند أرتو، وتنهي في العمل الإبداعي الظواهر العارية والاستشعار بالحواس، ولذلك نحن نهاجم ونعارض التمثيل. ويؤكد دريدا أن التمثيل قاتل، ولا يمكن الحد منه إذا أعدم النص. وما لم ينتبه له أن أرتو غالبا يحتاج للتكرار لتوطين لغته كلما تكتلت على نفسها وازدحمت، وكذلك كمادة أولية عليها يبني الانفجارات الهدامة انطلاقا من الصمت. وحديثا، تجد في كتالوج كبير لرسومات أرتو يعود لعام 1986 دراسة معمقة لدريدا عن الصور المتعددة الطبقات. فالطبقة الغنية بالدلالة تراها متعاكسة مع هجوم ساحق يقوم به أرتو بحماقته المعهودة، وجلافته بهدف تفجير ظاهر العمل.
وفي مقالة لجوليا كريستيفا "الذات في قفص المحاكمة" 1977، نلحظ فحصا لسلبية آخر عمل لأرتو. فلغة أرتو تنطلق وتقوى بالرفض، ولها قوة مرنة عارمة تصنع المعاني من خلال تمزيق بنيتها الخاصة. عند كريستيفا، يصبح النص في سياقه مركبا ومعبرا، وليس مرتبكا وضائعا. وتضيف رفض أرتو  لمجتمعه وكيف يدركه بالإيماءة واللفظ ، باستعمال رسالته المؤرخة في شباط 1947 والموجهة لقائد الحركة السريالية أندريه بروتون، فتؤكد أن الرفض ،كما يلح أرتو في الرسالة أنه فردي، يحمل هدفا دائما في المجتمع، وبهذا التوجه نصل إلى واحدة من أكبر "الثورات الجماعية" الكبيرة في التاريخ، حيث يكون المجتمع والفن في نقطة الذروة القصوى من الصدام الإبداعي.
أما آخر شريط مسجل  فقد ابتلعه فلسفيا جيل دولوز وفيليكس غوتاري في كتابهما المفصل والتفكيكي "ألف ساحة، 1980". وفي دراستهما عن "جسم بلا أعضاء" ،عبارة من الشريط، فقد طالب أرتو أن يكون الجسم الجديد بلا أعضاء ولا أخلاق، وجد دولوز وغوتاري أن سؤالهما "عن الحياة والموت" حين يأتي في صور حركة مستمرة للرغبة، يعارض بقوة كل المنظومة المنضبطة. والملاحظة الهامة التي قدماها هي أنه حتى في أكثر أشكاله كثافة، إن "جسما بلا أعضاء" له لغة لتصويره، ويمكنها أن تضاعف نفسها بكثرة وبلا ضابط، بالتوازي مع الصناعة والنقود ودولة أو حالة المجتمع. وبرأي دولوز وغوتاري هذه الأفكار الثاقبة تكون في عمل أرتو إنتاجية ومثمرة بشكل قطعي، ولا تخلو من مخاطر. 
لقد كان لكل هذه الكتابات اهتمامات مباشرة أو غير مباشرة بالحدود المتبدلة لتعريف "الجنون" حين يتم تطبيقه على حالة أرتو. فالطور الأخير من أعماله، قد عانى بشكل خاص من درجة من التهميش. إنه عمل رجل تحرر من تسع سنوات من الحياة في خمس مصحات، كان خلالها يطلق سراحه أحيانا لفترات وجيزة. ولكن عمله الأخير هذا بعيد عن النشاط الألسني المتأثر بالذهان. وفي الفترة التي أعقبت تحرره من روديز تلاحظ إقبالا هاما على الحياة و رغبة بها. مع إصرار على الإدانة والهجاء. وتنويعات في معايير تصورات الكتلة وتجاربها الألسنية. 
وكان عمل أرتو دائما على قدر كبير من الوعي والقصدية والإرادة. وهذا أحد الأسباب التي دفعته للانفصال عن أندريه بروتون وسرياليته في الفترة التي مهدت لمجريات عام 1926. كان بروتون مع سوب أول من أنتج نماذج "الكتابة الأوتوماتيكية".  والإشارة لـ ،الحقل المغناطيسي، 1919،.  كانت عملية الكتابة، عند بروتون وسوبو تحت تأثير اللاوعي قدر الإمكان. وكانت عرضة للتصورات التي تنشطها الأحلام. وبالمقابل، تجد لدى أرتو فقدان السيطرة على الحياة عمدا، و الإعلاء من شأن الأضرار، ثم التوغل في سياق الحياة ونتائجها. وقد انتقد بشكل جارح انتهاك السيطرة خلال عملية الكتابة – حتى في الاندفاع السحري من اللاوعي الذي دافع عنه بروتون.
كان أرتو يخاف من النوم، واللاوعي، والثمالة- حالة فقدان السيطرة، حيث يمكن لفجوة أن تظهر. والإحساس بامتلاك المرء لزمام نفسه، أهم صفة في مقاربة أرتو للانهيار العصبي. لقد أصبح الجنون المادة الخام التي يجب علاجها بكثير من السخرية وبكثير من السخط والغضب.
ويمكن ملاحظة أعراض الشيزوفرانيا والرعاش والبارانويا، وتقديرها وإسقاطها على لغة أرتو. فهو يرفض موقف الأطباء النفسيين من هجومه الحانق على المجتمع. ويعتقد أن العلاج النفسي مؤسسة عدائية. وفي شريطه المسجل يعيد بناء الحوار بين نفسه وبين رئيس  المحللين النفسيين في ردويز الدكتور غاستون فيردي: 
- أنت هذائي يا سيد أرتو. أنت مجنون.
ــ أنا لست هذائيا. ولست مجنونا.
إن مقاربة أرتو للجنون لها جيوب، ويهيمن عليها التطرف. وتكثيف التشخيص النفسي والتأتأة بطريقة باردة و عقلانية يمكن الاعتماد عليها لاحقا لنسفها، وتقديم المعاكس لها. وهو ما حاربه أرتو نهائيا وبلا تردد. لا شك هناك درجة عالية من التسرع والتسطيح في الموقف الذي اتخذه التحليل النفسي من أرتو. وضمنا الرفض على أساس أن أعماله "هذاء وأوهام" ،وهو المصطلح الفرنسي الذي أدخله الدكتوران سيرو وكابغراس لتفسير لغة المرضى النفسيين الذين يفهمون العالم حسب نظامهم الهوسي بما فيه من عقد تثبيت. هذا النوع من الرفض هو الذي برره سيغموند فرويد وجاك لاكان مع تقريظ خاص،  ولا سيما في التنظير والتفسير لكتابات القاضي شريبير.  
 
( الصورة المنشورة لأنطونين آرتو).
 
*ستيفين باربير Stephen Barber: أكاديمي وكاتب بريطاني. يعمل بصفة أستاذ في جامعة كينغيستون. متخصص بالثقافة والشؤون الحضرية. 
* *  أديب ومترجم من سورية.