مغنّي تشيلي الصداح آن له أن يستريح

د. عبـد القـادر حسين ياسين*

حين يرد اسم تشيلي تقـفـز إلى أذهاننا، بين أشياء وأسماء جميلة عـدة، 

اسم بابلو نيرودا، الشاعـر العظيم الذي طاف اسمه العالم كله،  حتى قبل أن تمنحه الأكاديمية الملكية في السويد جائزة نوبل،  كما يحضر اسم ايزابيل الليندي الروائية الرائعة ،التي ما زالت تدهشنا برواياتها، وبفصول السيرة الذاتية لحياتها التي تحولها كتباً ممتعة.

ومن كانوا فـتية وشباناً مأخوذين بالحلم الثوري في السبعينات ، وما تلاها في العالم العـربي يتذكرون جيداً اسماً جميلاً آخر: 

فيكتور خـارا، Víctor Lidio Jara Martínez 
المغـني الشعبي التشيلي، الذي اغـتاله جلادو الطاغـية أوغـسـتـو بينوشيه، غـداة الانقلاب الدموي الذي دبرتهُ وكالة المخابرات المركزية الأمريكيةCIA ، وتلوثت بدمه أيادي وزير الخارجية الأميركي يومذاك هـنري كيسنغر.

حين استولى أوغـسـتـو بينوشيه على الحكم ، فـتح استاد سنتياغـو الرياضي الكبير، للمعتقـلين من مؤيدي الرئيس الشرعي المنتخب سلفادور الليندي،  لأن زنازين السجون لم تكن تكفي لاستيعاب مئات الآلاف من المعتقلين. 

والى الاستاد المذكور أحضر، أيضاً، فـكتور خارا.

أحد شهود العـيان الذي فـرَّ من المذبحة روى أن أحد الضباط أمر بإحضار الغـيتار وقـدمه للشاب فـكتور خـارا، طالباً منه العزف،  إلا أن الشاب خـارا رفض قائلاً إن موسيقاه للحياة لا للموت، 

فما كان من الضابط إلا أن قطع أصابع خـارا العشر، قائلاً له إن بوسعه الآن أن يعزف لـحـن الموت، ثم أجهز على حياته بالرصاص.

في لونكين إحدى قرى تشيلي ، ولد فـكتور خارا  لعائلة من الفقراء، 

درس المسرح والموسيقى، ونصب مديراً للمجموعة الموسيقية كيلبجون .
اتسمت أغانيه بالانتماء للـفـقـراء والفلاحين، وبتلاحم الفـن بقضايا البسطاء،  لتغدو أغانيه نبض الثقافـة التشيلية بدءاً بأغـنية ” دعاء للفلاح ” ، مروراً بـ ” أذكرك أماندا ” وهي ابنته التي كانت قـد اصيبت بالسرطان ، وهي في عمر خمسة عشر عاماً لتتحول أغنية اماندا ، إلى إحدى أشهر الأغنيات في تاريخ تشيلي…
لم تكن أغانيه مجرد كلمات عارية من مصداقيتها،  بل صاحبة رسالة قوية، كرسالته للفلاح التشيلي، حين يقول: ” آن لك أن تستريح … “

في الحادي عشر من أيلول عام 1973 ، كانت الدبابات تحاصر القصر الرئاسي،للرئيس سلفادور الليندي وتطالبه بتسليم نفسه، والاستقالة...

إلا أنه رفض الخروج ، بل وارتدى الوشاح الرئاسي الذي يميز رؤساء تشيلي. 
وعندما اقتحموا القـصر فضل الانتحار على تسليم نفسه .

مناصرو سلفادور الليندي، وأثر وصول خبر اغـتياله، نظموا مهرجاناً ثورياً في ساحة الملعب ، وكان هناك مغني الثورة التشيلية فـكتور خـارا …

بدأ يغني للثورة وللحرية وللفقراء، 
وكان القهر يمزق أبناء سنتياغـو المتواجدين في الملعب، والذين تجاوز عـددهم عـشـرات الآلاف …
كانت وقـفـتـه مهيبة … 

وفي سبتمبر الماضي شـيـَّـعـت تشيلي ، في مراسم حضرها الآلاف،

جنازة تأجـل موعـدها 45 عاماً، للمغني الشعبي الشهير، وكانت جثـتـه قـد استخرجت لتحديد ملابسات قـتـلـه بدقة، حيث تأكد بعد فحص الرفات أن أصابعه قطعـت فعلاً. 
من المفارقات الموجعة أنه قتل في الاستاد الرياضي ، الذي كان يضج بالحشود الهائلة تصفق له وتغني معه، حين فاز في مسابقة الأغنية الوطنية التشيلية الجديدة في مطالع شبابه، 
وبعد سقوط الديكتاتورية، وعودة الديموقراطية الى تشيلي،  أطلق اسمه على هذا الاستاد بالذات تخليداً لذكراه لتكون في ذلك عظة للمستقبل.

 

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.