مع مجموعة "خبز ومقام انصراف" للشاعر محمد ابن يعقوب: العـَيْشُ مُوَقَّعاً كمـَقامِ

حسن العابدي* 

أن يصدرالمبدع عملا ما من الاعمال الأدبية يعتبر حدثا فنيا مستقلا، خرج من افق الافتراض إلى أرض الواقع/ وأصبح كائنا فنيا،يعلنه جنس المكتوب الذي ينتمي اليه هذا العمل،مؤشرا عليه بشتى وسائل التدليل مثل العتبات والمصاحبات والعلامات والايقونات،وبذلك يلج العمل سوق القراءة والتلقي ،عبر آفاق انتظار مختلفة ،تطابق افق الكتابة او تُدابره...

وما من عمل ادبي جديد إلا ويراهن على ان يقول كلمته داخل دائرة نفوذ جنسه الادبي ما استطاع إلى ذلك سبيلا.وكون هذا العمل مرتهنا بدائرة التجنيس،وأصول الانتماءالفني-الشعري مثلا-هو ميثاق مهم يفتح الكتابة على آفاق تمتاح من الإبداع وتنتصر له، يفترض أن تطول اللغة وتطبع زاوية النظر،بطوابع  تستمد خلقتها من سلالة المكتوب عامة  كما من ثقافة المبدع  وحساسيته الفنية،بشكل  ما من الاشكال ،يفترض فيه هو كذلك ان ينعكس على الكتابة قلبا وقالبا ويلابسها حضورا وغيابا، والتي بانتفائها/انتفاء حضور الخلقة المركبة، تنتفي كل العلائق المفترضة جدلا بين الفن والواقع ،كما بين المبدع وعملية الإبداع من أصلها حالا بحالِ وهذا ما لا يمكن القبول به كمبدإ، وإلا أصبحت الكتابة محكومة بالآلية أو الانعكاس المقيت.
يجدر بنا منذ البداية ألاعلان هنا والآن،أن الذي يعنينا في هذا المقترب هو استجلاء معالم المحتوى المعرفي الذي حاولت الرؤية الشعرية تصريفه عبر نصوص المجموعة الشعرية-خبز ومقام انصراف، للشاعر المغربي محمد ابن يعقوب- من خلال البرنامج الدلالي االذي تقترحه النصوص البانية لمعمار الديوان، بما هي نسق لغوي، شعري بالتعريف، يقوم على الانزياح اساسا وعلى عناصر أخرى مخصبة/لوحة الغلاف، انطلاقا من عتبة العنوان كميثاق للقراءة شديد الامعان في التنافروخلق التوتر وإقامة الفجوات بين  مكوناته على نحو ما سنتبين لاحقا.
ياتي هذا المنجز قيد المقاربة سادسا من حيث تاريخ الميلاد، بعد إصدارات سابقة للمؤلف،وهذا معطى كرونولوجي دال لأنه يصب في حساب التراكم الابداعي كما في مجرى المستوى الفني لتجربة الشاعروقد تدرجت على مراحل، سمحت لها، ولا شك، بالتأمل والانصات والنقد والمساءلة، وهذه الاصدارات هي : 
1- لم ينطفئ الثلج سنة 2000
2- قليلا .. ويستيقظ القمر  سنة 2004
3- ملح في عيون وعيون 2008
4- عندما يكذب السكون سنة 2013
5- يوميات من كتاب أبيض سنة 2014
تجمع تركيبة العنوان الاسمية بواسطة لا صق الواو بين كلمة الخبزكرديف للعيش والمعيش وأحوال الحياة وملابساتها،وبين مركب إضافي-مقام انصراف-يحيل إلى سجل الموسيقى الاندلسية تحديدا بما هي نمط تراثي ثقافي وفني قابل للاستثمار على اكثر من وجه،ومن ذلك المقامات الموسيقية التي من ابرز سماتها[مقام الانصراف تحديدا ].
يطلق الانصراف على مجموع الصنعات ،علما بأن(الصنعة هي الوحدة الأساسية للميزان والتي تخضع لطبعه. والصنعة تتكون من لحن وشعر. والشعر كما هو معلوم في ال ما هو معلوم في الصنعة الأندلسية إما قصيدة أو موشح أو زجل أو ملحون. )
وعليه،يعني الانصراف مجموع الصنعات التي تلي القنطرة.وهي تعزف في إيقاع حثيث،وتتضاعف سرعتها كلما اقترب الجوق من النهاية.
تستفتح المجموعة الشعرية برنامجها باستهلال/قصيدة قصيرة عنوانها هو{على قارب المتقارب}ومعلوم أن المتقارب بحر شعري خفيف تؤطره صيغة (فعولن) تنتظم هيكل القصيدة وتتحكم خارجيا في ايقاعها بحمولة دلالية مكثقةقائمة على رؤية تفيض بالاصراروالتخطي، ورغبة ملحة في تجاوز العقبات،من قبل انا شعرية تقيم في منطقة برزخ بين ثنائيات ضدية-الصباح والعشي ثم الداء والدواء، وكذا البدء والختم ،مدلول عبارة =  وكنت انا بين هذا وذاك(وها انذا لم ازل سائرا شاعرا/لا يبالي بحر ولا زمهرير ).
هكذا تصر الأنا الشعرية على ان تحيك سردتيها الدلالية من خيوط كثيفة متراوحة،على مناول الاسترجاع أوالاستذكار اساسا،وهي تتحرك بين فضاءات متعددة يتعلق بعضها بالطفولة المتماهية مع امكنة مختلفة بعضها خاص-الشاون مثلا – كمدينة تحضر من خلال أبعاد متراكبة بعضها طبيعي والآخراسطوري اوفني(وتموج في خفقانه /لتباركه شفشاون/في ايوانه/في كل دواوينه/شعرا ورغيفا)ص7.بهذا النفس الحزين والخاطف ترسم الانا الشعرية فضاءاتها المسترجعة سعيا منها في القبض على الهارب والمتمنع من اللحظات الخاصة والمشتركة فيها مع الغير،وبتوالي المشاهد المقترنة باللحظات المذكورة ترتسم  لوحات فنية انطباعية خاطفة تؤطر مساحة المكتوب.
تنتمي الى هذا الملمح الاسترجاعي القصائد التالية-في عربة قطارص13-طنجة ..وملاحة انثى متجددة العنوان-ص19 على حافة لوكوس ص36 مشهد من مقهى اليو بمرتيل ص48.
تتوسل الأنا الشعرية  بضمير سردي واضح يسيج حضورها الاونطولوجي ،في محاولة منها كتابة ما تتوهمه تاريخا لها مع الزمن الطبيعي ،مع الاشياء، ومع الواقع، ولا يفوتها الدفع بلحظات وفضاءات الى بؤرة الضوء ،لحظات على وضوح بعض منها، يبقى البعض الاخر ملفوفا بكثافة المجاز وثخينا.
في ضوء الرؤية الشعرية المباطنة لنصوص المجموعة قيد المقاربة، اكتسبت الأنا الشعرية ابعادا مختلفة ترسم حدودها الفنية الملامح الدلالية التالية:
 
* تاريخ الأنا والغير:
1- الأنا في بعدها الذاتي/الوجودي والشخصي  وتتجسد من خلال النصوص التالية:من صدى زمن يقظ الايام ص41
2- الانا في امتدادها الجيانولوجي الوالد من محكم عمر ابي ص25
3- الانا في امتدادهاالقومي والعروبي /عتاب ص55 ومثلها قصيدة لحظة فراغ ص58
4- الانا في بعدها النضالي والنقابي  شمس الفاتح من ماي ص39
5- الانا في بعدها الانساني وعلاقتها بالنسيج والسوسيوقتصادي والسياسي: نشيد معاق مرتهن الخطوات ص35/ من خطاب يتسلق ظله ص50
6- الانا في بعدها الجمالي  رفقة فجري في غبشه ص30ثم فطام ص33
وكما شقت الرؤيا الشعرية طريقها بايقاع بطيء وحركة خاطفة انطلاقا من اول نص في المجموعة،وهي تكتب تاريخ الذات مع الاشياء بين احضان المعيش،نراها تستمسك بالاختصار والتركيز وهي تحط الرحال عند حدود اخر نص من نصوص خبزها الخامس والعشرين و الموقع بعنوان دال هو[فصل من كلام اخيرص66]،يحضر ايضا على دفة الكتاب اليسرى، حضورا يعاضد  دالية الانصراف/الاختزال والتسريع الناظمين لبنية الرؤية المعتملة في النصوص بما هي رؤية مسكونة بالسؤال مطبوعة بالانفعال والتوتر، يقول مقطع منها:
* ودخلت الخلية/ذات صباح/فوجدت النحل بشهده/مزورا/ والعسل الغامر/مغبرا/فتغشتني غيمة.........فتركته وهما في طريقي/وانا اجتاز اللحظة في بارقها للضياء.
يتسارع الايقاع وتتوالى المشاهد على امتداد رؤية تروم شعرنة خطابها فتضيق عباراتها في متاريس المجازوخنادق الاحوال/احوال المعيش،ومن ثم جدارة تسميتهاالفنية، وملح إبداعها المغربي/خبز ومقام انصراف.
 
* شاعر وناقد من المغرب