مطر

فارلام شالاموف*

 
الترجمة من الانجليزية: صالح الرزوق**

بلغنا ثالث يوم من الحفريات في الموقع الجديد. حمل كل رجل  مثقابا خاصا،  لكن حتى الآن لم يصل أي منا لعمق نصف متر، ولم يبلغ أحدنا القشرة المتجلدة حتى الآن، مع أننا كنا نقوم بصيانة قضبان اللف والمعاول بسرعة. وكان هذا غير اعتيادي، فالحدادون لم يجدوا سببا للتكاسل، فكتيبتنا هي كل من تبقى في ميدان العمل. 

لم نكن نعاني إلا من المطرالمنسكب دون توقف لاثنتين وسبعين ساعة. وعندما تكون الأرض صخرية لا يمكنك أن تعلم إذا أمطرت لساعة أو لشهر. كان المطر باردا ومريحا. لذلك انتهت الكتائب التي تعمل بجوارنا من المهمة وعادت أدراجها منذ فترة. لكنها كتائب من الأفاقين، ولم يكن لدينا النية لنحسدهم. 
كان حارسنا مختبئا عن الأنطار إلا في أوقات نادرة. فهو يرتدي معطفا بغطاء رأس من الكانافاة ويكون منقوعا بالرطوبة، وله قمة مدببة كالأهرامات. وكان القادة يعتمدون على المطر، وعلى تيار الماء البارد الذي يجلد ظهورنا. كنا مبتلين من فترة طويلة- ولكن لم تصل الرطوبة لثيابنا الداخلية، لأننا لا نرتدي ثيابا داخلية. وكان القادة يجرون حسابات فظيعة في السر، ويعتقدون ان المطر والبرد سيجبراننا على العمل. ولكن كرهنا للعمل كان أقوى، وفي كل أمسية يشتمنا الحارس، وهو يهبط بمسطرته الخشبية ذات العلامات داخل الحفرة. أما حرس المتابعة فقد ركزوا عيونهم علينا بحرص من تحت  خيمتهم التي تشبه "الفطر" والمعروفة في المعسكر.
ولذلك لم نتسلق من الحفر، وإلا لأطلقوا علينا النار. لكنهم سمحوا لقائد المجموعة بالتحرك من حفرة الى غيرها. ولم يكن مسموحا لنا أن ينادي أحدنا على الآخر، وإلا لأصبحنا هدفا أيضا. ولهذا السبب لبثنا صامتين، والأرض تغمرنا حتى خواصرنا، في أنفاق حجرية هي عبارة عن سلسلة طويلة من الحفر الممتدة على طول جدول جاف.
كان الليل قصيرا جدا ولا يكفي لتجفيف ستراتنا الخضر، وتقريبا يمكننا تجفيف سراويلنا وقمصاننا على أجسادنا. وكنت جائعا وساخطا، ولكن أعلم أنه لا شيء في العالم سيجبرني على الانتحار. وفي تلك الأوقات أدركت  جوهر غريزة البقاء. الموهبة التي يمتلكها الكائن البشري بأعلى وأنقى حالاتها. كنت أشاهد جيادنا وهي تذبل وتموت- ولا يمكنني التعبير عن ذلك إلا بهذا الأسلوب، وليس هناك كلمات أخرى يمكن النطق بها عن حياة حصان. الجياد لا تختلف عن الإنسان ولا ما يميتها إلا الشمال، والأثقال التي لا تحتمل، والضرب. ومع أنها لم تكن تعاني إلا واحدا من ألف مشكلة تمر بالكائنات البشرية، فقد كانت تسبقنا للموت. وأدركت فحوى المشكلة الأساسية أيضا: أن الإنسان بشر ليس لأنه فقط من مخلوقات الله، وليس لأنه يحمل إبهاما في يديه، ولكن لأن بنيته أقوى، ويتحمل أكثر من أي حيوان نعرفه، وفي النهاية لأنه نجح في تنشيط نصفه الروحي، الخادم المطيع والداعم لنصفه الآخر،  بدنه.
هذا ما كنت أفكر به للمرة الألف في تلك الحفرة. وكنت موقنا أنني لن أقتل نفسي لأنني اختبرت إرادتي في الحياة.
ففي حفرة مشابهة، غير أنها أعمق، اقتلعت  صخرة ضخمة بالمعول. وأنفقت عدة أيام أحاول بحذق التخفف من وزنها المزعج. هذا الوزن العدائي كما يقول الشاعر الروسي، واعتقدت أنه يمكنني صناعة شيء مفيد بها. كأن أكسر ساقي لأحافظ على الأيام المتبقية لي في الحياة. وكانت تلك النية صادقة، ولو أنها ستؤثر على مظهري. هكذا عزمت على دحرجة الصخرة حتى تنكسر ساقي ليتعاملوا معي كأنني مصاب بعجز دائم. واعتمدت بهذا الحلم على خطة متأنية، وبدأت أبحث عن مكان مناسب أمد به ساقي، وبدأت أتخيل كيف سألوي الفأس قليلا، وأدحرج الصخرة. وحددت اليوم والساعة والدقيقة، ثم حان الوقت. فوضعت ساقي اليمنى تحت الصخرة المعلقة، وأمسكت أنفاسي، ثم رفعت يدي وكأنها عتلة، قلبت المعول وراء الحجرة. وتزحزحت الحجرة نحو أسفل جدار الحفرة إلى النقطة التي حددتها. ولا أعلم كيف حدث ذلك: فجأة سحبت ساقي للخلف. فقد كان النفق ضيقا، ولذلك انحشرت ساقي وتسببت لها برضين وجرح طويل - وكانت نتيجة متواضعة لخطة أحسنت الإعداد لها. وأدركت مباشرة أنني لست جاهزا لإلحاق الضرر بنفسي أو الانتحار. وكل ما يمكنني فعله الآن أن أنتظر كارثة محدودة لتحقيق نجاح بسيط، إلى أن يحل موعد الفاجعة ويقع القدر. وكان النجاح الآن يتلخص بنهاية يوم العمل والحصول على ثلاث ملاعق كبيرة من الحساء، وحتى مع أن الحساء بارد يمكن تسخينه بالموقد النحاسي باستعمال مقلاة صنعتها من علبة قصدير سعتها ثلاثة ليترات. وبعدها بمقدوري إشعال سيجارة، أو أن أتسول عقب سيجارة من ستيبان الذي يسبقني بالرتبة. وهكذا انتظرت ، وأنا أخلط الأفكار "المهمة" بالسخافات، وكنت منقوعا حتى الجلد بالماء، لكنني هادئ. هل  كانت تلك الأفكار شكلا من أشكال تدريب العقل؟. بالتأكيد كلا, كانت طبيعية تماما، إنها الحياة. وأدركت أن بدني، وكذلك خلايا عقلي، لم ينضجا بما فيه الكفاية.
كان عقلي يتضور من الجوع بسبب ندرة الحصص لفترة طويلة، وهذا سيقود بالتأكيد إلى الجنون، والتصلب المبكر، أو ما هو أسوأ... ورفعت من معنوياتي فكرة أنني لن أعيش طويلا، ولن يطول بي العمر إلى أن أعاني من التصلب. 
كان المطر ينسكب بغزارة. وتذكرت امرأة مرت في الممر القريب من مكان أشغالنا ولم تلتفت لتنبيهات الحراس. لوّحنا لها فقد كانت جميلة.،وهي أول امرأة رأيناها خلال ثلاث سنوات. وردت بالمثل وأشارت للسماء، كأنها تشير للجنة. وصاحت "لن يطول الأمر يا شباب، لن يطول". واستجبنا لها بزمجرة مرحة. ولكن لم تقع عيني عليها بعد ذلك، وأتذكر كيف استطاعت أن تفهمنا وتخفف عنا. وحينما أشارت للسماء ، لم تكن بالتأكيد تتكلم عن العالم الآخر. كلا، كانت تنبهنا لشمس غير مرئية تهبط في جهة الغرب، بمعنى أن كدح اليوم سينتهي عما قريب. وبطريقتها كانت تردد كلمات غوتة عن قمم الجبال. ما كنت أفكر به هو الحكمة وإيحاء المرأة البسيطة، والتي كانت عاهرة- آنذاك لم يكن يوجد غير هذا المستوى من النساء هناك. كان صوت سقوط المطر صديقا يناسب هذه الأفكار. أن ضفة النهر الحجرية فضية، الجبال رمادية، السماء فضية، والرجال بثياب رمادية ممزقة- كان كل ذلك مقبولا  لعين الناظر، وكل شيء في حالة توافق وتكامل. كل شيء كان تحت تأثير اللون الواحد بانسجام شيطاني.
حدث ذلك حينما انبعثت صرخة خافتة من الحفرة المجاورة. كان جاري يحمل اسم راوزفيسكي، وهو عالم نبات كبير بالسن، ولديه معرفة مهنية تشبه ما لدى الأطباء والاقتصاديين والمهندسين، لكن كل شيء تبخر هنا. كان يناديني، وأجبت عليه، دون أن القي بالا للإشارة  التي هددني بها الحارس المختبئ بعيدا تحت قبة خيمته الشبيهة بالفطر.
كان رازوفسكي يقول:"اسمع، اسمع، كنت أفكر من مدة طويلة. وانتهيت لهذه النتيجة: لا معنى للحياة، لا شيء على الإطلاق..".
قفزت من حفرتي وأسرعت إليه قبل أن يخاطر بنفسه ويهاجم الحراس. ولكن الحراس كانوا في طريقهم إلينا.
قلت:"إنه مريض".
وآنذاك سمعنا الصوت البعيد للصافرة، والمطر يكتمها، وبدأنا نقف بالرتل الأحادي.
تابعت أنا ورازوفسكي العمل معا لبعض الوقت، حتى ألقى نفسه تحت عجلات شاحنة محملة بالأثقال وهي تهبط على السفوح. مد ساقه أمام الدولاب، ولكن العربة قفزت من فوقه، ودون أن تلحق بي أي ضرر. لكنه حصد النتيجة لاحقا، فقد أدين بمحاولة انتحار ووقف أمام المحكمة. ثم افترقنا، فالقانون يقضي بنقل المدانين إلى معسكر آخر لأن السلطات تخشى أن ينتقم الضحية من المعتدي عليه أو الشهود. وذلك قانون لا تنقصه الحكمة. مع أنه لا ضرورة لتطبيقه على رازوفسكي.
 
1958

ترجمها إلى الإنكليزية  Donald Rayfield

* فارلام شالاموف Varlam Shalamov كاتب روسي معارض للعهد السوفياتي، توفي في موسكو عام 1982، والقصة فصل من روايته "قصص كوليما". المصدر الكاتبة الروسية أولغا زيلبيربورغ.

** أديب ومترجم سوري.