"مسرح البلد" في عمّان يُسدل ستائره

 

غيداء السالم
 
أسدلت ستائر مسرح «البلد» لآخر مرة، وأغلقت أبوابه نهائياً. غادررواده من دون تحديد موعد للقاء جديد. انطوت صفحة الفعاليات والمهرجانات المخططة إقامتها، فيما بقيت لوحات الإعلان عن الفعاليات معلقة على جدران المبنى في وسط البلد عمّان.
حالٌ فرضه أمر قضائي أردني بإخلاء مبنى مسرح «البلد» لصالح المالك المؤجّر ليحوله محلاً تجارياً، فانتهت مسيرة مسرح حمل على خشبته تاريخ من أكبر الفنانين الأردنيين والشعراء العرب، وكان شاهداً على أول الانطلاقات وآخر الأعمال.
محمود درويش الشاعر الفلسطيني الراحل، وقع آخر ديوان له «أثر الفراشة» على خشبة مسرح «البلد» عام 2008، وغيره اثنين من الدواوين لم يختر مكاناً آخر للاحتفاء بهما إلا المسرح ذاته أمام آلاف المعجبين.
اعتاد مسرح «البلد» ازدحام الناس من مختلف الاهتمامات والأعمار منذ 50 سنة، فالتنوع الثقافي بين الغناء والسينما والشعر والتمثيل واحتضانه مئات المواهب والأفكار الإبداعية، جعل منه صرحاً ثقافياً تاريخياً مرتبطاً بمدينة عمّان. ففي الوقت الذي لا يعجّ فيه المسرح بالفعاليات مساءً، يفتح أبوابه نهاراً لتدريب المواهب الأردنية.
وتحمل غالبية الفرق الأردنية أو الفنانين المنفردين ذكرى تجمعهم بمسرح «البلد»، ذاكرة لا تخلُو من نقاط تحوّل ومحطات وانطلاقات جديدة عايشها المسرح.
وعبّر الموسيقي الأردني ناصر سلامة لـ «الحياة» عن صدمته بقرار إخلاء مسرح «البلد» قائلاً إنه بعد إغلاق المسرح لا يتوافر لديه أي منفذ، ولم يعد يشعر بالأمان حين يفكر بمكان يحتضن أي عمل جديد يمكن إنتاجه مستقبلاً.
وأضاف سلامة أن المسرح كان بمثابة ملجأ بالنسبة إليه منذ سنوات عديدة، خصوصاً أن غالبية المسارح الأخرى تكون تابعة لمؤسسات حكومية ما يعني أن أخذ الموافقة من إدارة المكان يحتاج إلى وقت طويل ناهيك عن صعوبة الإجراءات، وبينما كان المكان ينتمي إلى مؤسسة خاصة، فمن الطبيعي أن الكلفة عالية جداً.
وأشار سلامة إلى أن كل ذلك سيؤثر على نوعية وكمية العروض التي ستقدم في المستقبل، إضافة إلى أنه سيقلل من نشوء الفرق الشبابية الباحثة عن مكان يستقبلهم بأقل الكلف وأفضل التوجيهات.
ويعود الفنان الأردني طارق الجندي بذاكرته إلى أول انطلاقة له في المسرح وإلى إصدار آخر ألبوم له، وقال إنه لا ينسى الفعاليات التي قدمها وساعات التدريب اليومية وكل من شاركهم على المسرح، وأضاف أنه من المحزن ألا تكون هناك مظلة فاعلة تحمي الفنانين والمساحات الثقافية.
وطالب رائد عصفور مدير مسرح «البلد» بحماية تلك المساحات الفنية التاريخية من الإغلاق وتحويلها محلات تجارية وإن كان ذلك بأمر قضائي، موضحاً أن الفكرة تتعدى انتهاء عقد الإيجار وحق المالك وفق قانون المالكين، إنما هي إحدى ظواهر محاربة النشاط الفني والثقافي المرتبط بالمصلحة والرغبة العامة.
وأشار إلى أنه سيبدأ في تأهيل مساحة ابداعية جديدة «حتى نستمر مع كل الفنانين في مكان مختلف»، لكن يبقى لمبنى «البلد»، باسمه وموقعه، مكانه تاريخية ثقافية مختلفة لا يمكن نسيانها.
يذكر أن «البلد» افتتح عام 1948م كمبنى ثقافي يعرض الأفلام السينمائية، ومن ثم تحوّل إلى مسرح يعتلي خشبته أكبر الفنانين والشعراء العرب لاسيما الشاعر محمود درويش وإبراهيم نصر الله، إضافة إلى مارسيل خليفة وظافر يوسف وريم البنا وغيرهم كثر.
 
 عن "الحياة" اللندنية.