مزحة ثقيلة لا تملك إلا مسايرتها!

أروى الزهراني*
 
أدرك كم من الاختلاف العميق نحتاج
كـي نكون على خلاف مع الزمن والحياة .
وكأن مهزلة الضريبة التي اخترعها القُساة عديمو الانسانية
فطرة مشت على منوالها الحياة..
 
أنت مُختلف؟! 
إذًا هاته ارتياحك، سلّم نصيبك من النوم، الفرح، الاستحقاق،  الأصدقاء، الحب، التبلد، اللا مبالاة، التنمر، التمرد، التناقض،
الخطأ، والفُسح الحياتية برمتها.
 
ليست حياة صادقة مثلما يجب أن تكون،
الوجود شَبيه بمزحة ثقيلة لا تملك إلا مسايرتها تلطّفًا منك وخجلًا .
كل الأشياء تؤخذ على محمل الجد حتى الهُراء 
عدا الذات المُحملة بقدر هائل من الحقائق،
 فإن الحياة تركنها جانبًا كمركبة سباق مهترئة 
وتمضي مديرة ظهرها.
 
ليس عدلًا أن نشهد هذا،
ولسنا بسذاجة كافية لأن نكون غير ما نحن عليه، 
في الأصل نحن متورطون بذواتنا،
 والأنا لكلٍ منا تلبّستنا كلعنة حتى التسلل لشيءٍ آخر لوهلة لم يعد ممكنًا.
 
أستطيع قسرًا أن أتعاطى مع الحياة كأي كائن لا يملك وُجهة أخرى
ولديه وجهة نظر خرج بها كإرث من المواجع والدروس..
وقد تعلمت مبكرًا كيف أكون كالاسفنج أمتص ما يتهادر فوقي 
وفي الوقت الذي تعصرني فيه الفظاعات،
أقطُر برقة، ما ابتلعته وغصصت به على شاكلة فن،
لطالما لاقى التصفيق والنقرة والتوقف الطويل والعابر والنقد..
 
هل يعرف الآخرون المتأملون فيّ بدهشة الغرابة نحو فنوني المعجونة بالازدواجات والسريالية والتراجيديا أنّي أَغصّ! 
هل لاحظ أحد في أثناء تصفيقه وامتعاضه أنّي هُنا في هذه النقطة التي وقفتْ عليها يده،
أني تحشرجت ولم أفعل سوى أن احتضرت !
 
تُرى أيدري العابر أن بعض الفن صرخة ودويّ واحتضارات، أنهكها التمدد والتلويح والتفتيش والألم فانحنت وتبقّى منها مدامعها التي تخرج دائمًا مرهفة وساكنة وشجية وأخف وطأة كهذه الصورة التي يلمحها!
 
بالطبع . ولا أحد.. 
حتى أناي حين تشهد وقوفًا يجبرها، وإن كان معطوفًا على نكرة: تتناسى في زحام النقرات شكلها وهي موحشة ومشطوبة من الجماليات 
وتصبح مشدوهة كالأطفال في ما لا يمكن لها لمسه وهو بعيد.
 
باستطاعة المرء التزام سياسة التفويت،
والالتفات لما يُحسّن الصورة ولو للحظة،
لكنني لا أملك أن أكون أكثر من إنسان وأتغاضى .. 
لا يمكن أبداً أن أدّعي هذه القدرة الخارقة بينما في الأصل أنا أمارس قدرات كثيرة شاقة ويصعب اكتسابها إلا بالألم،
كل شيءٍ أفتعله دالًا لكوني لا أستطيع،
حتى الكذب الأبيض عندما يجيء مهندمًا بالقوة والصمود،
فإنه أكثر ما يُدلل على كل هذا العجز في كوني لم أفعل قط،
ولن يحدث أن أمتلك قدرة التغاضي تلك.
 
يا لهذا الوجود الشديد الصعوبة حتى وهو في أعلى درجات الكمال،
بالأحرى هو لي : 
الإصرار الذميم على أن لا أصبح شيئا رغم أني أستحق شيئا وأمتلك أشياء، 
أن لا أمسك بيدي ثمرة أحبها، 
أن لا أفعل ..
 
على أن أفتقر دومًا للسيطرة وللثبات..
وأن يصبح من غير الممكن أبدًا،
أن ألمس شيئا نادرًا أحبه في زمن وضيع ويصيبني بالوعكة، 
الإصرار الفظيع لأن يصبح من الممكن بإفراط
أن ألمس كل شيء لا يثير حماستي وشغفي وعطفي حد الغثيان والتخمة!
 
للإنصاف فقط، 
فإن الحَسنة الخضراء المتوحدة في متاهاتها،
التي يمكنني قطفها من رأسي أثناء الدوران في أزمة الوجود : هو قلبي،
بكل محصّلاته الجانبية، التي ما تدخلت قطّ ولا تداخلت مع الوجود،
 ولم تكن موجودة إلا فيه كإدراك أشد إيلامًا بأن الوجود أزمة،
وبأن بعض الأزمات تمنح سرابات الوجود.. 
وإن كل ما سبق، سخرية عظيمة تورث السلام في بعض الأحايين يشبه سلام الموتى بطرائق بشعة في سبيل قضية طيبة ولا يُعنى بها أحد.
 
* أديبة من السعودية.