مراثي الوجدان بين الشواهد (أقاصيص)

زيد الشهيد*

 
1- وصية
هوَ الزمنُ نستهينُ بقَسوتِه مُتذرعين بصبرٍ شحيحٍ نلمُّه من ضِفافِ أيامِنا المُنحسِرة.. نتعثَّرُ فوقَ سكاكينِه الناتئةِ فنتألمُ ،ثم لا نلبث أنْ ننسى، وننهض لنستقبلَ سكاكينَ أخرى.. وآه ، اذكر وأنا صغيرٌ كان أبي يصحبني بينَ شواهدِ القبور . تنغرزُ قدماي في أرضٍ رمليةٍ هَشَّةٍ  يَرتجفُ قلبي, وانظرُ فأعجبُ ، واسألُه : أكلُّ هذا العدد قد ماتَ من قَبل ؟! فلا يرد ، واسمعُه يُتمتمُ بخشوعٍ :
- "ألهاكم التكاثر حتى زرتُم المَقابر"... ومن بين الشواهد يرفع عينيه ويقول :" ها قد وصَلنا" ... يحدثُ هذا في زيارةِ عيدِ رمضان مِن كلِّ عام .. نقفُ أمامَ شاهدةِ قبرٍ قديم ، وأفاجأ بأبي يرتمي على حجارةِ الشاهِدةِ المَرميةِ وينفجرُ بالبكاءِ مثلَ امرأةٍ فقدت شيئاً لا يُعوَّض. وألمَحُ الدموعَ تتدحرجُ من عينيه فتتساقطُ أرضاً ، ويشربُها الرملُ الجاف وأعجب كيفَ أنَّ الرجالَ يبكون وهُم كما يُقال عنهم رجال؟ . واسمعُ أبي يعتذرُ ويتضرَّع لأنَّه تأخَّرَ عليها كما لو كانت جالسةً تعاتبُه ، فيقول :
- أتعبتني الأيامُ يا أمي. جنادلُ همومِها ثقيلةٌ تتراكمُ يوماً بعدَ آخر. 
وحين ينتهي أتطلَّعُ في وجهِه مأخوذاً باحمرارِ عينيه وجحوظِهما... لا جرأةَ لي على التساؤل ؛ وننسحب .
   مَرضَ أبي مرَّةً، واشتدَّت عليه وطأةُ المرضِ.. جمعنا للوصيةِ، خمَّنتُ أنَّه سيطلبُ أنْ يكونَ قبرُه إلى جانبِها ، لكنَّه قال:
- لا تدفنوني إلى جوارِها لأنَّها ستموتُ كَمداً عليَّ لو وَجَدَتني ميتاً.      
 
2- وفـــاء
   بكَتْ فأعياها البُكاء.. لَملمَت بقايا قوتِها واتَّكأت بيدين عجفاوين على أرضٍ رَمليّة ونهضت  ألقَت نظرةً أخيرةً على شاهدةِ القَبرِ واستدارت لِتطمئِنَّ على أعوادِ بخورٍ أشعلتها للتوِّ ، بعد أنْ أطفأت أخرى أوقدتها عندَ مجيئِها قبلَ ساعتين مِن الوقتِ أو أكثر .. رأت أنَّ الماءَ الذي رشَّته غَب مرورِ حامل سبيل مازالَ يُرطِّب حِجارةَ القبرِ فساوَرتها دَفقةٌ من الرضا، وشعرت أنّها أوفَت بنزرٍ مِمّا يترتّب عليها. كانت الشمسُ قد انكمشت خلفَ الشواهد العالية، المترامية بأعدادٍ لا تُحصى كسيرةً شاحبة . وَخزت قلبَها شفرةُ خوفٍ.. تَحسسّت مكامنَ جروحٍ ما زالت طريَّةً فاغرة ( هي جراحُها التي لا تريد لها أنْ تندمل، ففيها بقايا سلوى، وذكرياتٍ خلّفها بعلُها ورَحل) . قالت في سرّها وعيناها متصالبتان على امتدادِ القبر كأنَّ ثمّةَ جسداً يستلقي بهدوءٍ وينعمُ بإغفاءة :
_ معذرةً يا حبيبي ، بودّي لو نَصبتُ خيمةً إلى جوارِك أسقيكَ الماءَ وأشمّمك طيبَ أريجِ البخور، لكنَّه الظلامُ والخوفُ والأشباح .
   لملمت عباءتَها حولَ جسدِها؛ تحسسّت كيسَ قِماشٍ جاءت به مليئاً بخبزِ اللَّحمِ والريحان، وأفرغَته على زوّارِ القبورِ القريبةِ واندفعت بين الشواهدِ. لكنَّها جَفلَت مَسحوبةً بصوتِ استغاثةٍ يائِسةٍ أو نداءٍ مَخنوقٍ يقول : مَتى تعودين ؟ .. فردَّدَت : إنَّها مُجرَّدُ أيامٍ .. نعم ، نعم فلَن يطول غيابي .
 
3- مَراثي الحزن 
بعدَ الأربعين كانت بينَ النُّسوةِ تلطمُ الخدودَ ، وتُعفّرُ وجهَها برمالِ القبر .. تتقاطرُ من عينيها مراثيَ الحزن، وينضحُ من تشقّق شفتيها المتيبستين دمٌ وَردي [ كانَ حَبيباً لها، رَسَمت صورةَ ملامِحِه بريشةِ احلامِها المأسورةِ بالأمنياتِ الخُضر وعلّقت اطارَها الذي صنعته مِن الغارِ واوراقِ الآسِ المُعطَّرةِ على جدارِ قلبِها الدفين ، وركعت تحتَ فَيئها تستظلُّ بذكرياتِها البِكر، مُرتَشِفةً كأسَ هنائِها على رَواء .. قضت في ذلك زمناً حسبَته يومَ أفاقت على أحزانِها وهي تحتشدُ على أبوابِ أيامِها الآتيةِ حُلماً شَفيفاً تهاوى كنجمٍ آفل ]. رثَت لحالِها الأُخريات، وتشبَّثنَ بها يَمنعنَ فعلاً قد يَسلبُها حياتَها . قُلنَ وهُنَّ يتهامَسنَ أو يرفعنَ أصواتهنَّ يتقصدنَ اسماعَها : هكذا الوفاء ٍ[ ومثلهنَّ فعلت امرأةٌ عَجوز قوَّست ظهرَها الهمومُ، ولَفحَ وجهَها هجيرُ الزمن .. بينهن كانت تبكي بصمتٍ ، وتسفح دموعَها على أخاديد وجنتيها الضامرتين ] .. 
عامٌ ونيّفٌ مرَّ..  ظلت هي تأتيه مزحومةً بالشوق، وفيةً للقاء . ترشُّ الماءَ وتنثرُ أزهارَ دفلى جَمَعتها من حدائق الطريق. تجلسُ متأسيةً لتناجيه؛ تبثّه لوعةً الفراق ، وتُفضي بما يحتشدُ في صدرِها من حرقةٍ وحنين... يَحدث مرّات أنْ تلتقي هي والعجوز، فتنهالُ من فمِها كلمات الرثاء والشجن. تقرأُ مفرداتِ عَزاءٍ حُفرت على رخامةِ الشاهدةِ فتبكي لها المرأةُ المتهالكةُ، وتتهشَّمُ في جوفِها أسوارُ الصَّبرِ الهَرِمة ... تصرفان وقتاً في المناجاةِ ثم تعودانِ مع أولِ خيطٍ للقلقِ والهواجسِ الخبيئةِ في نفسيهما .
لهثت الايامُ وتوارَت مثلَ شموسِ الأحلام. واضبَت العجوزُ على المجيء لكنَّها كانت تُفاجَأ عندَ كلِّ زيارةٍ بحِجارةِ القَبر يشوبُها الجَّفافُ ؛ وبقايا ورودٍ تجاورُ القبرَ يابِسةً مُتكسِّرةً تُبعثرها ذيولُ الرياح .. داهمَها احساسٌ بالألمِ وتناهَبتها الهواجسُ؛ تمتمت مُتسائِلةً بإنهاكٍ: كَم من الأيامِ مرَّت ولم تأتِه ؟.. هي ما عوَّدتهُ على ذلك، فما بالُها الآن؟ ( طَفقَت تبحثُ عنها. تلفُّ الطرقات وتستطلعُ الوجوه. تبعثُ بعينيها إلى الأبوابِ الموارَبةِ عَلَّ وَجهَها يطلُّ من نافذةِ الأمل .. تلقَّفت مداخلَ الأّزقة وطافت الأحياءَ حيّاَ بعد حي، وانكفأت تُردد : آه لو أعرف أينَ تكون ؟) غيرَ أنَّها تراجعت .. تَجمَّدَ سيلٌ من أسئلةٍ مَريرةٍ على شفتيها المتيبستين عندما تذكَّرت أنَّها لم تعُد تَعرفُ عن الفتاةِ شيئاً؛ وحتّى الاسم نسيته وصارَ عَصيّاً عليها تَذكُّره ... يومَها جاءته تتعثَّرُ. ارتمَت أمامَ قبرهِ تبكيهِ بحَسرةٍ وتنزفُ دموعَها ، قائلةً بتوسِّلٍ مَرير :
- سامِحها يا ولدي، فقد طالَ الفِراق وخلا أفقُ عودتِك بينما آفاقٌ أخرى تزخرُ ببريقِ القدمين .
 
4- زيارة أخيرة
جاءت وفي عينيها بريقٌ آفل خَضَّلته الدموع بينما شفتاها تغشاهما زرقةٌ جامدة .. انحنت بين الشواهد المتزاحمة؛ ركَعت تُقبِّل غبارَ أيامِها الراكِد فانحسرَ الشّالُ الذي رَمته على ظهرِها، كاشفاً فعلَ الزمنِ المُّر، يكرّسه تحدّبٌ في أعلى الظَّهرِ جَلياً ، وتُعلنه غُضونٌ في مِرآتي كتفيها. وحين رفعت رأسَها ولحقها الجذعُ بدت كهيكلِ نخلةٍ مُتفَّحمةٍ .. مَرَّرت اصابعَها تمسحُ غباراً وطأ خدَّيها وجبهتِها فوجدت نفسَها تَمحو سنينَ بهجتِها ومسالكَ نشوتِها الدّامية. وإذْ تَطلَّعت ترمقُ القبر وجدت كفّاً مِن عِظامٍ صِفر وجِلداً أعجفَ مُتيبساً؛ بدا كما لو كانَ قد شقَّ الأرضَ للتو .. كفّاً منقبضاً أمسكت به ؛ جَهِدت في فتحه ... في داخلِه وجدت لُفافةً من ورقِ زيتونٍ مُنكَمِشة . فضَّتها؛ لاحَ لها قلبٌ ذهبيٌ يبرقُ ألَقاً. وفي نقطةٍ خَضراء وسطَ القلب تفرَّست . اكتشفت ثَمّة حروفاً مَحفورة ، جمعتها وقرأت( أُحبّك ).. لحظتها انكفأت وانطفأت وخمدت وهمدَ فيها كلُّ شيءٍ إلاّ من نقطةٍ شقَّت صدرَها وخرجت .. طافت حولَ القلبِ ثلاث مرّات قبلَ أنْ تهوي وتتَّحِدَ مع النقطةِ الخضراء.
 
* أديب من العراق.