محمود السمرة والنقد التطبيقي

د.إبراهيم خليل*

سبق لي، قبل كتابة هذه الدراسة، أن اطّلعت على ما كتبه المرحوم الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد تحت عنوان "محمود السمرة والنقد التطبيقي"، وقد لاحظت أن الأسد اكتفى بقراءة ما كتبه السمرة عن الشاعر مصطفى وهبي التل المعروف بلقب عرار، واقتصر أيضا على بعض النقول من مقدمته للديوان الذي حققه، ونشرته "الرأي "في العام 1973. ولم يطلع على دراسة أوفى كتبها الراحل السمرة عن عرار، وتضمنها كتابه " دراسات في الأدب والفكر". ولم يتطرق الأسد لما كتبه المرحوم السمرة عن أدب الثورة العربية الكبرى، ولا ما كتبه عن حسني فريز ناثرًا، وقد أتيح لي ما لم يتح للأسد - غفر الله له وعفا عنه - ولذا فإنني أستطيع الإدعاء بأن في دراستي هذه شيئًا جديدًا تختلف به عن مقالة الدكتور الأسد  المنشورة في الكتيب التكريمي الذي أصدرته رابطة الكتاب الأردنيين مشتملا على الكلمات التي ألقيت في حفل تكريمه سنة 2008.
فمن الدراسات القليلة التي تستحق الوقوف دراسته التي تناول فيها نماذج من شعر الثورة العربية الكبرى، وقد جاءت هذه الدراسة التطبيقية فصلا في كتابه المذكور آنفًا وهو " دراسات في الأدب والفكر " (بيروت 1993) وقد تلمس بوادر هذه الثورة في الشعر الذي يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، مع أن الثورة التي يقصدها كانت في الربع الأول من القرن العشرين. وهذا يعني أن الأدب، بما فيه الشعر، يمكنه أن يمهد للثورة قبل انطلاقها، وللأحداث السياسية قبل وقوعها، على النحو الذي مهَّد فيه الأدب للثورة الفرنسية قبل وقوعها بعشرات السنين. ولكن السؤال الذي يتردد صداه في الدراسة هو: ما مدى صلاحية الأدب عامة، والشعر على الخصوص، لإعادة كتابة التاريخ؟ وهل يرقى إلى مستوى الوثائق، والمستندات، التي يقبل بها المؤرخ ؟ 
وجوابا عن هذا التساؤل يقول أستاذنا: إن الشعر، والفن عامة، قد لا يجاري التاريخ في دقة تسجيله لما وقع من حوادث، ولكنه في المقابل أقدر من التاريخ على تصوير آمال الناس، وأحلامهم، وتطلعاتهم، وهو أقدر منه على سبر أغوار النفوس، وإذا كان الحديث عن الشعر، فلا جرم أنه أوضح ما يكون تعبيرًا عن وجدان الشعب، وشعر الثورة العربية الكبرى هو هذا. (المصدر السابق، ص 97).
 
تحقيق
ولا ريب في أن الشعر الذي قيل قبل الثورة، وفي أثنائها، وبعدها، شعر ملتبس. وهنا يعمد أستاذنا للتحقيق، فالقصائد التي نسبت للشاعر إبراهيم اليازجي (1847-1906) مثلا ليست ثابتة له ثبوتا يجعل الدارس مطمئنا لما يقول، وفي ديوانه المطبوع الموسوم بعنوان (العِقْد) توجد قصيدتان مما نسب إليه، في حين أن الثالثة التي أولها " سلام أيها العربُ الكرام" ليست موجودة فيه (ص98). وإلى جانب ما يثيره أستاذنا حول شعر اليازجي المذكور، يشير لبعض ما يتضمنه كتاب الكواكبي (1839- 1902) "طبائع الاستبداد"، وإلى الحوادث التي عجلت في انطلاق الثورة، ومن ذلك الإعدامات التي شملت عددا من مثقفي بلاد الشام في العامين 1915 و1916 وما نظم من أشعار كثيرة أشارت لذلك على الرغم من القمع، والكبت، الذي هيمن على تلك الحقبة، وحال بين الشعر الذي قيل، والوصول إلى أيدي القراء، ومن ذلك القصيدة التي استوقفت أستاذنا لنسيب عريضة الذي يقول في الشهيد ما يأتي:
كفنوه
وادفنوه
واسكنوه 
هوة اللحد العميق
واذهبوا لا تندبوه
فهو شعبٌ ميتٌ ليس يفيق (ص100) 
وقد غلبت على الشعر الذي قيل في تلك الأحداث السخرية في بعض الأحيان من الشعب الذي لم يثر على الرغم من الإعدامات والقيود. ومن نتائج هذا التحريض أن ظهرت زعامة بقيادة الشريف حسين بن علي أخذت على عاتقها قيادة الأحرار للثورة على الأتراك العثمانيين، وعلى هامش هذه الزعامة برز شعراء منهم فؤاد الخطيب الذي عرف بشاعر الثورة. علاوة على بعض شعراء المهجر من أمثال الشاعر القروي (ص103). وقد استمر تأثير الشريف زعيما لهذه الثورة إلى ما بعد وفاته عام 1931 بدليل تلك القصائد التي قيلت، ونشرت، في رثائه، وتأبينه، يقول خليل مردم بك(ص104): 
صدقتَ فكنتَ أوفى الناس عهدًا
وأنقاهم وأطهرهم ضميرا.
وقد استخلصَ أستاذنا من تتبعه لشعر الثورة العربية الكبرى أنه شعر وحدويّ، غير محلي، وقومي، لا قُطري، ولا جِهَويّ، وشعر خطابيٌ، حماسيٌ في جملته، عبر الشعراء فيه عن حدة انفعالاتهم، ونهجوا نهج القصيدة العربية التقليدية دون تجديد، إلا أنهم يتناولون فيه موضوعاتهم مباشرةً، بلا مقدمات (ص105). ونستخلصُ من هذا أيضا أن المرحوم السمرة لا يستحسن الشعر بسبب ما فيه من تعبير عن القضايا السياسية والقومية، ولكنه يشير - مع ذلك- لما فيه من مظاهر فنية تُضعفه، فوصفه لشعر الثورة العربية الكبرى بالشعر الخطابي، الحماسي، المفتقر للتجديد، الجاري على سنن القديم، من غير تغيير، وصف يتضمَّن حكمًا على هذا الشعر بيِّنُ القسوة، وأنه نظم لا يرقى إلى مستوى الشعرالجيد الذي يمثل إضافة نوعية لا تراكميَّة لتراثنا الشعري.
 
بين السمرة وعرار
ولم يفارقه هذه الحسّ النقدي، ولا تلك الجرأة في التقييم، وهو يتناول شعر عرار، الذي عكف على تحقيق ديوانه، ونشره في طبعة جديدة تتضمن قصائد لم تكن موجودة في طبعة "عشيات وادي اليابس " لمحمود المطلق، التي ظهرت في زمن مبكر 1956. فاللافت أن السمرة لا يتأثر بفيوض المجاملات التي أغرقت شعر عرار، وأحاطت بنقده. فهو يؤكد تأكيدا قاطعا لا يقبل المواربة أن شعر عرار شعر بسيط في مضمونه، بسيط في شكله، ويقترب كثيرا من كلام الناس في حياتهم اليومية، ومع ذلك فله في نفوسهم تأثير غير هيِّن. والسبب أنه يعبر عن تجربة جمعت بين " المحلي " والإنساني، (ص125) ولغته الشعرية على الرغم من محليتها ، وما فيها من أخطاء لغوية، وعروضية، حافلة بالحيوية، وتفتح عيوننا على عيوب المجتمع. وهذا واضح في قصيدتيه " العبودية الكبرى " و "بين الخرابيش" ففي مثل هذه القصائد يدخل القارئ دائرة التأثير ويبقى خاضعا لها، إلى أن يبلغ نهاية القصيدة. فشعره- في ما يؤكده أستاذنا - يخلو من سقطات بعض الشعراء الكبار، الذين يجمعون أحيانا في القصيدة الواحدة بين الشعر الجيد الرائع، والشعر السقيم الرديء.(ص126)ويقف السمرة بنا عند السؤال: هل عرار شاعرٌ مُلْتزم؟ وجوابًا عن ذلك، يقول: كان عرار شاعرا ملتزما بجلّ ما في هذه الكلمة من معنى. (ص127) ولكنه على الرغم من التزامه الحاد ، العميق، ظل شاعرًا رومنسيًا في الوقت ذاته، مغرقا في رومانسيته، وأكثر ما تتجلى هذه النزعة في شعره الذي نظمه في زياراته المتكررة لمضارب النور في الريف. وهذا ما يتفق فيه السمرة مع محمود المطلق، ومع سلمى الخضراء الجيوسي، التي وجدت في شعر عرار نماذج عليا - كنموذج الهبر- التي جعل منها رموزاً تعبر عن قضايا حيوية.(ص128) على أن السمرة في هذه الدراسة لا يهمل الشكل الشعري كغيره ممن اهتموا بشعر عرار، ودراسته، فاقتصر اهتمامُهم على المضامين، والرؤى، أما السمرة، فنجده يتتبع ظواهر التجديد الفني في شعره، ووقف بنا عند قصيدتين، هما: متى، ويا حلوة النظرة، فقد خرج فيهما على أوزان الخليل بن أحمد الفراهيدي (175هـ) واعتمد التفعيلة الواحدة، وبذلك يثْبِتُ أن هذا الشاعر أرَّقه هاجس التجديد مثلما أرقه في شعره ألا يكون مقلدًا كبعض معاصرية الذين يقول فيهم: 
هذا هو الشـــــــــــعْر لا نظمٌ يطالعنا 
به عجوز أخــــــــو ستين هــذاء
يقولُ وهو الذي ما اجتاز مرحلة
على جـــــــوادٍ ولا لفته بيـــداءُ
ولا رأي العيس يحدوها أخو رَجَز
يا حاديَ القوْم إنَّ الركب أنضاءُ 
 
مع حسني فريز 
ومن دراساته التطبيقية الأخرى دراسة بعنوان "حسني فريز ناثرًا"، والمعروف أن لحسني فريز ديوان شعر ضخما طبع مرتين بعنوان هياكل الحب، فضلا عن ديوان آخر بعنوان بلادي 1954 وآخر بالعامية بعنوان " غزل وزجل 1977 "، ولكن أستاذنا آثر أن يتناول منه جانب النثر ، فذكر في مستهل هذه الدراسة ثبتا بأعماله النثرية. والذي يعنينا من هذه الأعمال ما يختص بالروايات والقصص وله خمس روايات أولاها بعنوان مغامرات تائبة1981 . وقد أخذ أستاذنا على الكاتب حسني فريز أن تصويره لشخصية دليلة بطلة الرواية تصوير نمطي، غير مقنع، فعلى الرغم من أنها لم تكمل دراستها الثانوية إلا أن ما يصدر عنها من أفعال وأقوال ينم على مستوى ثقافي رفيع جدا، ولهذا هي برأي أستاذنا أشبه ما تكون بالشخصيات الآلية robot تنطق بآراء المؤلف في كل الشئون، الثقافية والتربوية والاجتماعية والسياسية. وعلى الرغم من أنه استخدم تكنيك الترجمة الذاتية، إلا أنه لم يوفق في كتابة رواية ناجحة، فهي تبعث على الملل لكثرة الاستطرادات، والخطب، والمواعظ، فكأن القصة مجموعة من المقالات كتبت للكشف عن عيوب المجتمع.(ص146)
ولا تختلف روايته " حبٌ من الفيحاء " عن السابقة مغامرات تائبة، إلا في أن المؤلف يخلط بين الشخوص، فصبري يصبح أحيانا صابرًا، ورائد في صفحات يصبح وائلا في صفحات أخرى.. (ص147) وقد أصلح الكاتب من شخصياته في رواية " زهر الزيزفون ". فليلى بطلة هذه الرواية نموذج مشرق للمرأة، إلا أن المؤلف- للأسف - لا يغوص في نفسيتها، مكتفيا برسم هذا النموذج رسما مسطحا قائما على السرد المباشر التقريري، مع أن الفرصة كانت مهيأة أمامه ليفعل ذلك. ولكن الذي حدث هو أن هذه الرواية لا تختلف عما سبقها من رواياته لاحتفالها بالمواعظ، والاستشهاد بالشعر، وعدم ترابط الأجزاء، فكأنها مجموعة من المقالات ألصق بعضها ببعض عنوة (ص147).
وقد خلص أستاذنا من تتبعه لروايات حسني فريز رواية تلو الأخرى إلى أن هذا الأديب شاعر غزل رقيق، وبهذه الصفة ملأ الساحة الأدبية، وله فضل الريادة في كتابة القصص والروايات، غير أن الشخصيات في هاتيك الروايات شخصيات مسطحة، ثابتة، لا تنمو، ولا تتغير، ولا تتطور، شخصياتٌ صنعها الكاتب لتتحدث بآرائه، في السياسة وغير السياسة. وهو في قصصه لا ينسى أنه معلم يحمل عصا المؤدب التي يقرع بها رؤوس المشاغبين، ولم تفارقه هذه الصفة حتى في تعامله مع شخصياته السردية في القصص. (ص148)
ومن هذا يتضح لنا أن المرحوم السمرة في نقده التطبيقي لا يصغي للأصوات التي تدعو للرفق بالأديب، ولا يصغي لتيار المجاملات الذي يفسد النقد مثلما يفسد الأدب، فهو في جل ما كتب يضع النقاط على الحروف، فيظهر ما في الشعر من تقليد يهجّن النظم، وما فيه من أخطاء في  اللغة، والعروض، وما فيه من ركاكة في الأسلوب، وخلو من التجديد، ولا يغيب عنه أن يتلمس ما في الرواية التي يتناولها من عيوب في الشكل، وفي التقنيات السردية، ولا سيما في رسم ملامح الشخوص رسما تبدو فيه شخصياتٍ مستقلة عن إملاءات الكاتب. وهو بكلمة موجزة لا يتوقف عند المضمون تاركا الشكل، ولا عند الشكل تاركا المضمون، وإنما يعطي كل ذي حقٍ حقه، وهذا حسبه. 
 
* ناقد وأكاديمي من الأردن / الجامعة الأردنية.